تحليل سياسي:

نفى وزير العدل الأنباء التي تحدثت عن تَحْريك ملف مُطالبة المحكمة الجنائيّة الدولية بتسليم رأس النظام البائد وبعض فلوله.
وكانت قد رَشَحت أنباء تفيد بأن الوزير نصر الدين عبد الباري يرى "ضرورة تسليم جميع المتورطين في الانتهاكات الإنسانية للمحكمة الجنائية الدولية". وأضيفت إليها أنباء أكدت أن وفد الاتحاد الاوربي الذي زار الخرطوم يومي 30 و31 اكتوبر الماضي اسْتَفَسر عن موقف السُلْطَة المدنيّة الانْتِقاليّة من المحكمة الجنائية الدولية وتنفيذ قراراتها.
لا غرو أن تسليم المخلوع عمر البشير ومعه كل المتهمين الاخرين ليقفوا أمام العدالة الجنائية الدولية ويدافعوا عن أنفسهم، سيفتح فرصة ليتبرأ الوطن من تلك الجرائم بإدانتهم أو براءتهم. ومع ذلك، لن يَغْتَسِل منها الوطن في حالة إدانتهم، فسيبْقى السؤال: لماذا وكيف حدثت تلك الجرائم، وكيف لا تتكرر، وما هي مسؤولية المجتمع وخاصة اطرافه السياسية في ما حدث، وكيف وفّرَت وضْعاً وظرْفاً تَحْدُث فيه تلك الجرائم والتي تَدينها الأخلاق والأعراف والعقائد قبل الجنائية الدوليّة؟
الاتهامات التي طالت البشير تشير إلى أنه تسبب في مقتل 300 ألف مواطناً في دارفور. والبشير قال بِعَضَلَة لسانه إنه كِذْب وافتراء، الذين قُتِلوا 10 ألف فقط لا غير. فلماذا بعد هذا القول الانتظار واضاعة الزمن في محاكمة البشير حول 25 مليون دولار وجَدَتها الثورة في مَقرِ اقامته؟
يَرْتَكِب مَن تولى الحُكْم باسم الثورة جريمة يجب أن يساءل عليها إذا أفْلَت البشير، بأي شكْل من الاشكال، من المحاكمة أمام الجنائية الدوليّة. حَصانَة البلد مِمّا قد يَحْدُث غداً، في المستقبل القريب أو حتى البعيد، تتطلب جُرْعَة تُؤخَذ اليوم، بتسليم البشير ومَن معه مِن متهمين للجنائية الدولية لمحاسبتهم على ما اقترفوا بالأمْسِ.
الاوطان تتعافى بقرارات مصيرية مِثْلما فعلت المانيا بعد نازية هتلر، وايطاليا بعد فاشستية موسيليني، ودول اوربا الشرقية بعد هزيمة وانهيار الشيوعية. السودان ليس استثناءً من ذلك، وعليه أن يحاسِب ثلاثة عقوداً من القتل والعنصرية والشوفينية وتوسيع الخلافات بين مكونات المجتمع وتشتيت الشعب في كل انحاء الدنيا، هذا غير الفساد وسرقة المال العام واهدار موارد وثروات البلاد.
السودان يريد أن يرَتِّب ويطَبِّع علاقاته مع المجتمع الدولي بعد أن أضَر ّبها النظام البائد أيَّما ضرر بالجرائم الثابتة المحرّزة أدلةً وبراهين، مكاناً وشهوداً وضحايا ومجرمين، وأخطرها تلك التي نظرت فيها الجنائية الدولية وانتهت إلى الطلب من متهمين، وعلى رأسهم عمر البشير، المُثول أمامها.
عندما يذهب رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك لأي محفل إقليمي أو دولي، ويَطْلُب استحقاقات للسودان، عليه أن يَعي جيداً أن المطالبة بالحقوق ترتبط بالواجبات، بل يَسْبقها أداء الواجبات. المجتمع الدولي وبالاخص الاوربي وَضَع قِيَماً يريد أن يبني عليها المستقبل ويعالج بها قضايا الحاضر، ومنها عدم الإفْلات من الجرائمِ وَرَدّ الحقوق لاهلها. لذلك أنشأ أعْظَم مؤسّسة عدلية حاكمت أول مَن حاكمت أوربيين ومسيحيين مثل بعض قادة صربيا، سلوبودان ميلوسوفيش ورادوفان كرادزيش، على جرائمٍ ارتكبوها في حقِ مسلمين في البوسنا والهيرسك. بذلك انْتَفَت أيّة مُبَرِرات يسَوِّقها بعض الناس بأن الجنائية الدولية تستهدف الضعفاء في افريقيا والمسلمين، ومثل هذه الخزعبلات تبيع الوهم للبسطاء وتعمل على تضليلهم ليخرجوا مدافعين عن مجرمين. ولعلّ الأمر الأخْطَر أنها لا تقف عند هذا الحد، بل تتعداها إذ تجعل الجريمة، ذات الجريمة، بل الأبْشَع والأشْنَع منها، يمكن أن تتكرر وتصبح فعلاً عادياً يعتاد عليه الناس.
أمام السُلْطة المدنية الانتقالية اضافة على إقالة العَثْرَة الاقتصادية وكل ما يتعلق بأساسيات ومتطلبات الحياة من مأكلٍ ومَشْربٍ ومسْكنٍ وعِلاجٍ وتعليم وغير ذلك، عليها أن تجعل الوطن يتعافى عمّا ألَمّ به، بل أنه واجب، ومن الاولويات، ويتقدم على ما عداه لانه يؤسِّس لتعايش سِلمي وسَليم في المجتمعات ويدفعها لتَلْتَفِت لإنجاز بقية الواجبات التي عليها أن تحققها.
وعليه، يجب النظر للاستجابة لطلب الجنائية الدولية وتسليم البشير ومَن ارتكب معه الجرائم ضد الإنسانية باعتباره أحد أهم وسائل التعافي الوطني ومدخل له.
قَوْل آلاء صلاح في كلمتها أمام مجلس الأمن بضرورة تسليم المخلوع عمر البشير ومَن معه مِن متهمين للمحكمة الجنائية الدولية، يمَثّلني. أثَنيه. أقف معه وأدعو الحكومة أن تشرع فوراً وتقوم بواجبها بتنفيذه لتفتح صفحة للتعافي وتؤدي ما عليها من مهام أوْكَلَتْها لها الثورة، والثورة كانت ولا زالت واضحة في هذا الامر.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.