• ازمتنا في الإرهاب الفكري وموروث اجتهادات سابقين حول مصطلح العلمانية

• مبارك الكودة في رسالة للطريق الثالث: مشروع العلمانية السياسي يتلخص في دولة المواطنة والقانون

يفرقنا انقلاب.. يجمعنا واتساب:
د. عصام محجوب الماحي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في قروب "الطريق الثالث" بتطبيق (واتساب) للتواصل الاجتماعي جرى بيني وبين صديقي مبارك الكودة تبادل الرسائل التالية:

* مبارك الكودة:
"الأزمة مكانها وين".. عبارة قالها وزير البترول دفاعاً عن موقفه الشخصي تجاه الأزمة في برنامج (حال البلد) الذي تناول أزمة الوقود وما نتج عنها من معاناة، وقد الح الوزير أو أصر لمعرفة مكان الأزمة.
والأزمة الحقيقية التي يسأل عنها الوزير ليست بِعَرَض إنما هي مرض داخل ذواتنا، ودائماً ما أضع نفسي حالةً للدراسة والتشخيص. ومن الأمراض التي أعاني منها ويعاني منها كل السودانيين الخوف من تحمل المسئولية كما نرى، وعدم القدرة علي اتخاذ القرار بحرية بسبب التناقضات التي شكلت وجداننا.
فهنالك كثير من المؤثرات الخارجية تُقيدُنا وتحاصرنا وتجعل من اتخاذ القرار صعباً جداً سواء كان ذلك في الأمور الخاصة أو العامة، وإذا أُتُخذَ القرار فهو ناقص الجودة وغير مكتمل بسبب هذه المؤثرات الخارجية، مما يجعلني أعيش حالة من عدم الرضا والتصالح مع النفس.
وعلي سبيل المثال لا الحصر أَجِدُ نفسي وبعد مراجعاتي الفكرية متسقاً جداً من حيث المفهوم مع مشروع العلمانية السياسي والذي يتلخص في دولة المواطنة والقانون بمعناها الشامل. واعتقد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا التعريف للعلمانية هو دين الحق، الدين الذي يجعل الحاكم يقف علي مسافةٍ واحدة من كل الناس بمختلف عقائدهم، الدين الذي يجعل من القاضي حكماً عدلاً بين النبي (ص) والمواطن اليهودي، الدين الذي أحد الصحابة يعلن في ندوة عامة (صلاة الجمعة) أنه لن يسمع ولن يطيع الّا إذا حدثه رئيسه من أين جاء بثوبه الثاني.
وبالطبع هنالك شبهات كثيرة في الأدب الاسلامي السياسي حول مصطلح العلمانية شوهت دين الحق تَحُول بيني وبين إعلان هذا القرار بقوة رغم قناعتي به خوفاً من المواجهة لأني ضعيف وإن شِئت فقل جبان، لذا تجدني أبحث عن المبررات ليتوافق مبدأ العلمانية الذي اعتقدته ديناً، مع الموروث الذي وجدته سياجاً منيعاً ضد إعمال العقل، فلا زلت أسيراً لهذه المنظومة رغم كفري بها.
وكما نرى، يفرح العلمانيون المسلمون أيّما فرح عندما يسمعون أن هنالك أحداً من مفكري الاسلام يقول بأن العلمانية من الدين، وهذا الفرح بلا شك يُصور حالة الانهزام النفسي المريع أمام عقولنا وامام الفطرة التي فطر الله الناس عليها وأمام مخرجات التجربة الانسانية والتي ينبغي أن نكون جزءاً منها، وكل ذلك بسبب الإرهاب الفكري الذي نعيشه وبسبب الموروث من اجتهادات السابقين عِلماً بأن الحرية هي الأصل في المعتقد وهي المكون الأساس للإنسان.
إذاً فالازمة ليست أزمة وقود ولا خبز ولا حُكم، إنما أزمة نخب مريضة في ذاتها مشتتة في فكرها لأسباب كثيرة منها التربية بتناقضاتها، والتعليم بعواره، والتنوع الثقافي الذي عجزنا عن ادارته لعجزنا عن فهمه، ومنها الزعامات الفارغة التي جعلت همها كله في مصلحتها الشخصية، ودونكم خطابات سادتنا وكبرائنا من المسئولين في الملمات الرسمية والتي ينبغي ان تكون رسمية ومسئولة ولكنها للأسف الشديد لا رسمية ولا مسئولة تنتهي بما ابتدأت به دون ان يستفيد السامع شيئاً، فهي عبارة عن حفل للاستعراض الشخصي تُختتم بعرضة يشترك فيها السائل والمسئول علي أنغام أغنية "أنا ليهم بقول كلام.. دخلوها وصِقِيرها حام"، ورغم أني كنت أتبختر علي أنغام هذه الاغنية بِمَظنة النصر والانجاز، الّا أنها حالة في تقديري تعبر عن حالة مرضية من جنس الأمراض الكثيرة التي نعاني منها وتتجلي هنا وهناك في صورٍ شتى تستوجب بالضرورة التشخيص والعلاج.
والله من وراء القصد وهادي السبيل؛ ١/مايو/ ٢٠١٨

- عصام محجوب:
يا لروعة القول وصدقه.. يا لعظمة المراجعة بعد تجربة حقيقية.. فليس من عاش التجربة كمن سمع او قرأ عنها فسار وراء معالم بظن انها تضعه في طريق صحيح فجعلت التجربة فجيعته في الفكرة والمفهوم والتعامل مع الواقع فعالج كل ذلك بمراجعة فكرية عميقة.
شكرا اخي الكودة على المقال القَيِّم الذي استعرضت فيه باختصار المفاهيم الخاطئة وشرحت الصحيح الذي شوهه اهل التطرف فاعدت الامر الى نصابه ليؤخذ به ويكون ذلك خير معين وتفسير يمَكِن الناس، دون خوف او وجل، من الاعتراف بالحقائق منطلقين من القِيَم الحقيقية للعقيدة والشراكة في الوطن بكل ما فيه من تاريخ، وحاضر بسلطته وثروته، ومستقبل بما يفرض الاتفاق الوفاقي على الوجهة الصحيحة نحو غد افضل والطريق اليه.. ليبقى التنافس الانتخابي الحر والديمقراطي حول كيفية تحقيق ذلك.
كثير من العبارات والجُمل التي كتبتها يا صديقي الكودة تصلح عنوانا لاكثر من موضوع.. فقد اختصرت فيها بجدارة تشخيص الازمة الحقيقية وليس تداعيات احد أعراضها.
مع كامل تقديري وشكري لما قدمته وتقدمه من كبسولات فكرية رائعة تصب في مشروع التنوير والاستنارة الذي تحتاجه بلادنا التي اقعدها اهل التطرف بجعل الظلم والظلام يخيم عليها فتنكبت المسير فكان التقهقر والتراجع والتردي في كل مناحي الحياة.
متعك الله بالصحة والعافية. تحياتي الحارة.

* مبارك الكودة: شكرا اخي عصام.. نسأل الله ان يحفظنا واياكم وان يهدينا سواء السبيل. وتعليقا على ما يتداوله الناس من أخبار وفيديوهات ارفع إليكم
المقال الجديد ادناه بعنوان "في انتظار الساعة":
تدنت في سماء الوطن بسبب الغيوم السياسية الملبدة، مدى الرؤية بصورة مخيفة جداً، مما جعل معرفة المآلات غاية في التعقيد والصعوبة، وأجزم أنه في هذه الساعة لا فرق بين العَالِم والجاهل والوزير والخفير في القدرة علي التنبؤ بما سيحدث غداً، فقد تمثلت فينا حقيقة قوله (ص) ما المسئول عنها بأعلم من السائل.
والتنبوء علم إنساني يخضع لقواعد ومنهجية تجعل من المتنبئ يمتلك أدوات المعرفة التي تؤهله لقراءة الواقع واستنتاج ما سيحدث في المستقبل، ولكن عند الازمات يصبح مدى إعمال العقل مرهون بمدى الرؤية، فسائق العربة الذي فقد توازنه لا يفكر في نهاية المشوار الذي انقطع بسبب الأزمة، إنما يفكر في الخروج من الأزمة. وإدارة الأزمات منهجٌ آخر له أدواته كذلك، ويحضرني وأنا اجتهد في تشبيه الواقع الْيَوْمَ، حديث الرسول (ص) إذا أسند الأمر الي غير أهله فانتظر الساعة؛ ولا أعتقد أن الساعة التي يقصدها رسولنا الكريم تنحصر في ساعة قيامة الْيَوْمَ الآخر فقط، فكل عمل غير مؤسس وأسند أمره لغير أهله له ساعته وقيامته، والذي يجري في السودان الآن هو ساعة وقيامة الإنقاذ التي هي مُخرج حتمي لسياسة إسناد الامر لغير أهله.
لا أظن أن النظام يحتاج مني لخارطة طريق تخرجه من هذه الأزمة وتحفظ البلاد والعباد من سوء المنقلب فقد تواترت النصائح والمساهمات بالحلول الناجعة، فقط نحتاج لقرارات جادة تضع الأمور في نصابها وإلا فانتظروا الساعة والتي اكتملت أشراطها فقد تأتي بغتة حيث لا ينفع الندم (كم أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ).
.... اللهم اهدي من تولوا أمرنا سواء السبيل، اللهم آمييييين؛ امدرمان ٥/مايو/٢٠١٨.

- عصام محجوب:
بعد ان وصلتها في منصات التواصل الاجتماعي فيديوهات (كونفوي تاتشرات) الدعم السريع في احد شوارع امدرمان، بجنجويدها واسلحتهم الفتاكة، ومعها (بوستات) تنجُر الأخبار او عناوين لاخبار، كتبَت إلَيَّ صباح اليوم 5 مايو الجاري طبيبة قريبتي تقيم خارج السودان وتعيش داخله بروحها ومشاعرها: عصام الحقنا بتعليقات قروبات الصحفيين، الأخبار شنو؟؛
فكتبت لها ولقروب الاسرة: صباحكم خير.. لا شيء مؤكد، وليس هنالك من يجزم بحقيقة. الحالة حالة تساؤلات بدون اجوبة قاطعة.
واستنادا على ان ليس هنالك دخانا بدون نار.. يبدو ان هنالك تغييرا سيحدث. كيف؟ ما هو؟ الى اين يتجه بالبلاد؟ لا احد يدري، وربما الذين سيقومون بالتغيير انفسهم لا يدرون او بالأصح لا يعلمون الى اين ستقودهم الاحداث التي سيصنعونها او سيشاركون في صنعها، بإرادتهم او بغيرها.
فعلا البلد في مأزق، حكاما ومنتظرين ان يحكموا.. والشعب العريض تائه، ضهبان، يعمل على التأقلم مع أزمته ومأزقه والتعايش معهما وايجاد (فَرَقَه) لِيَمَشِّي حَالهُ كما ظل يفعل منذ ثلاثين عاما لأجل وجبة (فتة موية فول - تسمى بوش) او بقايا صحن كوكتيل من حفل زفاف او وجبة غداء يتناولها بعد فاتحة يشيلها على ميت لا يعرفه ولكنه يذهب لبيت العزاء قاصدا صينية الطعام.. ثم يزحف راجلا، الى أين لا يدري.. ومن أين ليس مهما.. ثم الاياب الي اي مكان تحملهم اليه الريح، وفي رحلتهم تلك تفيض بهم المساجد.
الشعب يتعبد بأزمته ومأزقه فماذا تريدون منه غير ذلك.. فهو غير معني بالتغيير.
هنالك من زرع في جماجم افراد الشعب ان التغيير شِرْك.. والأزمة والمعاناة عِبَادة. فماذا تريدون منه وقد اختار الجَنَّة وترك لكم الدنيا بِشِرْكِها وانتم فيها كافرون؟ من يريد منكم فعل اهل الجَنَّة ليفعل ما يفعله غالبية الشعب السوداني، يتعبد بقَرَفِه ووسَخِه الذي يحيط به وبمأزقة وأزمته وقهره وفقره ومرضه وجهله والصَفْقَة للحاكم والرقص معه كلما لعْلَع (ساوندسيستم). بغير ذلك فأي فِعل هو فِعل اهل الشِرْك لا يؤدي إلَّا للنار.
ذلك هو الدِين، وتلك هي المفاهيم التي زرعها جماعة الاسلام السياسي بواسطة جماعات التطرف من المساجد وفي المساجد وبالمساجد في جماجم الناس بعد ان غيبوا اعظم ما قدمه الرب لعِبَاده: العقل. تبا لهم.
رُفعت الاقلام وجفت الصحف.
حسبنا الله ونعم الوكيل.
////////////////////