يفرقنا انقلاب.. يجمعنا واتساب:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
# أمَا مِن صَحْوَةٍ مِن غَفْوَةٍ طالت لنحكي بأسى وحسرة عن فشل يلازمنا نبحث له عن شماعة؟
# مياه كثيرة جَرَت تحت جسر "النخب السودانية وإدمان الفشل"، والوطن يعيش مرحلة "الشعب الذي فَضَل"!
# فشل عارم يمسك بنا كلنا.. نُخَبا وشعبا.. في الداخل وفي الخارج.. في القبور وفي البيوت وفي الشوارع هائمين غير مبالين لا ندري الى أين تحملنا الريح.

انقل لكم ادناه من قروب (تكريم الأكرم مكي أبو قرجة) بمنصة (واتساب) للتواصل الاجتماعي، رسائل حوار دار بيني وبين أصدقاء سأشير لمداخلاتهم بأحرف أبجدية لا علاقة لها بأسمائهم.
* رفع (عين) صورة لصفحة من صحيفة "خرطومية" تحمل تحقيقا بالعناوين: "مسجد (البوشاب) بالجزيرة أرتل محلية ابو حمد يعود إلى ما قبل الاسلام" (....) "نداء لوزارة السياحة والآثار لحفظ ورعاية هذا الاثر التاريخي"؛ ثم كتب الرسالة التالية: بالله عليكم شوفوا العبث والعبط ده، طيب لماذا نزل الإسلام كرسالة طالما مساجده كانت معمرة؟
-دال: كيف يعود الى ما قبل الاسلام.. وتسميه الصحافة مسجدا؟
* عين: يا دكتور ما في صحافة ولا صحفيين، يا حليل زمن الصحافة والصحفيين.
- عصام محجوب: يا أحباب المبنى ده كان كنيسة قبل الاسلام وعندما دخل الاسلام المنطقة وأصبح اهلها مسلمين تغير الى مسجد. هذه هي كل المسألة واعتقد انها لا تغيب عن الذهن.. "بس روقوا المنقة شوية" وابحثوا عن أصل كلمة (بوشاب).
ثم ليس دفاعا عن مهنة الصحافة والصحفيين.. ولكن عليكما يا (عين) و (دال) ان لا تتعاليا على اخرين يستطيعون ان يثبتوا في هذا الزمن الرديء أن مهنكما صارت اوسخ مهن ومنتسبيها لا يفقهون فيها شيئا لان أحدهم أخطأ.
بالله عليكما انتقدا اي امر ولكن لا تسيئا لمهنة ما حتى لو أخطأ أحد منتسبيها.
ان البلاد التي تضمنا كلنا فاشلة، لأننا كلنا فاشلون. وتعليقكما يثبت فشلنا جميعا.
* عين: تسلم وتشكر كتير يا عصام، شخصيا ضد فكرة الإقصاء والتعالي على كافة المستويات، فقط تناولتها في سياق انهيار كافة المؤسسات في عهد الظلام، واشكرك أيضا على المعلومة الإضافية وأن كانت لا ترتقي لأن تكون مبررا كافيا لارتكاب خطأ كهذا.
-عصام: لو شملتها اخي (عين) مع الانهيار العام لكنت تفهمت تناولك، ولكن يبدو ان ذلك كان في السرِ، اما ما جهرت به فهو ما اخذته عليك. ومع ذلك كان عليك الاعتذار الذي اجده لك بالتسامح والتصالح مع النفس ومع الاخرين في سياق موقفك ضد التعالي الذي صرحت به.. وعليه نيابة عنك اعتذر لمِهَنٍ أخر قد تجد نفسها في مرمى نيرانك.
ثم عليك يا حبيبنا (عين) ان تدرك انه ليس هنالك اي عبث او عبط، وفقا للكلمتين اللتين استعجلت في استعمالهما، فهل لا تعلم ان بيوت الله كانت معمرة وعامرة بعباده قبل الاسلام؟ وهل تريد ان تعرف لماذا نزل الاسلام؟
باختصار ربنا جل جلاله اراد ان يكمل مكارم الاخلاق فأرسل من يقوم بتلك المهمة برسالة الإسلام.. ورسوله قالها بصريح العبارة لتبقى لنا نبراسا يضيء لنا الطريق بعده "اتيت لأكمل مكارم الاخلاق"، فتأمل وتساءل: هل أمة محمد لم تستوعب ذلك؟
*دال: يا دكتور انتقاد خبر ورد في الصحافة لا يعني انتقاد الصحافة عامة، وعلى كل حال هناك صحف وصحفيون لا يتحرون عن الخبر ولا يطرحون اي منطق في تداول وكيفية فهم المتلقي للخبر. لا أستطيع القول بأن الحال من بعضه. لا أستطيع، وهذا مجالك وانت أدري بشعابه، ومنكم نستفيد.
- عصام: نعم شخصك لم ينتقد الصحافة عامة.. ولكن (عين) فعل.
ودعني اسألك بصراحة.. هل قرأت الموضوع؟ ام علقت على العنوان فحسب بقولك "كيف يعود الى ما قبل الاسلام...وتسميه الصحافة مسجدا؟"؟
اي نعم انه مسجد وبني من قبل ظهور الاسلام، فهل هذه معضلة تحتاج فهامة؟
هنالك مستشفيات واطباء يخطئون اخطاء قاتلة تودي بحياة البشر.. فالحال من بعضه برغم ان عبط وعبث الطبيب يودي بحياة بشر فيما عبط وعبث صحفي بما يكتبه قد يجعل الطبيب يتهكم في الصحافة ككل بصحافييها ثم يمضي في سبيله.
*رفع (دال) صورة للصفحة الأولى من صحيفة (أخر لحظة) وعليها "مينشيت" رئيس جاء فيه "جهاز المغتربين: الدولة ليست جهة خيرية لتوظيف العائدين"، وكتبت الرسالة التالية: دي رأيك فيها شنو يا عصام؟
- عصام: ماذا تقصد؟ في تلك الصفحة أكثر من موضوع.
*دال: موضوع المغتربين.
- عصام: وماذا تريد ان يعمل الصحفي إذا كان ذلك قول المسؤول عن جهاز المغتربين وتلك عبارته. ماذا تقصد؟
ذلك العنوان ليس تحليلا من الصحيفة وليس قراءة حالة، وانما نقلا بـ "ضبانته" لحديث مسؤول.
*دال: تحليل الخبر (أي خبر) لتعم الفائدة عندما يأتينا من مختص.
- عصام: يا حبيب الخبر في الصحافة مقدس لا تلاعب فيه. تضعه كما هو بكل القَرَف الذي فيه.. والرأي حر، فالتحليل له مكان أخر.. فنيَّات العمل الصحفي لا تتداخل في نفس المكان.
*عين: يا أخي عصام محجوب هوِّن عليك، المسألة لم تكن بهذا الحجم إطلاقا وعلى فكرة رغم سوء الأوضاع على كافة المستويات، ليس هنالك حكم مطلق يمكن ان توصف به جهة أو مؤسسة حتى وإن اتسعت المساحة بين محمد سعيد معروف وعبد الله رجب والعتباني مقارنة مع أحمد البلال وحسين خوجلي والهندي عزالدين وضياء الدين بلال. حقيقة يا عصام لا أظنك تخالفني الرأي في عظم الفارق بين هؤلاء، ورغم كل هذا يا سيدي أنا لم أقصد صاحبة الجلالة السلطة الرابعة-الصحافة كمهنة، واعتذر حقيقة عن سوء فهم لم أقصد به ما أثار حفيظتك، وعذرا سيدي.
-عصام: اعتذارك مقبول وقد وضعته قبلك على لسانك.. ولسنا في حالة جرد حساب الصحافة السودانية من لدن احمد يوسف هاشم -ابو الصحافة السودانية- الى ضياء الدين بلال.. ولعلمك ان محمد سعيد معروف اسس لأسوأ عهد صحافة في السودان.. صحافة ما بعد انقلاب 30 يونيو 89. هل تذكر او سمعت بصحيفة اسمها "السودان الحديث"؟ ثُمَ ألم تكتب يا اخي (عين) لـ (دال): "يا دكتور ما في صحافة ولا صحفيين، يا حليل زمن الصحافة والصحفيين"؟
كيف تريدني ان اقرأها؟ ولو باللاتيني يا صديقي، ان كنت تفكر به وتكتب بالعربي، ستحمل ذات المعنى والقصد. ثق انك لم تثر حفيظتي، وانما أكدت لي حقيقة ان فشلنا جميعا اعمق من عميق، وان حالتنا وحالة بلدنا بلغت من السوء مبلغا يبدو علاجه مستحيلا او قل اقرب للمستحيل حتى لا اقطع الامل والرجاء في اجيال لم تُلَد بعد او لا زالت تحبو.
على كلٍ، جيد جدا ان اعتذرت عن العبارة وليس عن سوء فهم لها وهو ما لم يحدث، فالفهم في حالتها "ما قِسَم" كل يفهم من يشاء، وانما ثابت ومحدد وبميزان لا يخطئ. فهل اصبحت الكلمة لا تعبر عن معانيها؟ وهل صارت الاشياء الصغيرة تختبئ في الاشياء الكبيرة، ام العكس؟ وهل لم يعد الأمر كما عزف حبيبنا محمد المكي ابراهيم قيثارته وموسق شعره فخرجت عصافيره تنشد "يختبئ البستان في الوردة.. ويختبئ الحريق في الشرر.. والغابة في الشجر.. وتختبئ الاشياء في وجودها.. والارض في حدودها"؟
اي نعم يا صديقي، للأسف صار كل شيء يختبئ في كل شيء. للأسف مرة أخرى.
*لام: تحياتي، حقيقة مستمتع بهذا الجدل الرفيع بين احبابنا عصام محجوب و(دال) و (عين).. فقط من ناحية المبدأ، ان التعميم دوما مضر ولذلك اوجعتني عبارة ان كلنا فاشلون مرتبطة بالشعب السوداني بلا استثناء الا لِمَن لَمْ يولدوا بَعد. تذكرت حينها ايام كنا في جامعة الخرطوم وكنا نخرج في المظاهرات الراتبة منذ بداية السبعينات ضد النظام والشعب يتفرج علينا فكنا نهتف (الشعب جعان لكنه جبان) وكَمْ كنا مخطئين وخفيفي نظر ونحن لا نراهن على الشعب حتى في لحظات ضعفه او قل حتى نضوج اللحظة التاريخية، ومن بين رماد سوء ظننا انفجر الشعب بعدها بسنوات ليعطي الدروس التي تعودها وعلمها للآخرين. وفعلا يا حبيبنا (عين) ايرادك لإسم محمد سعيد معروف لم يكن موفقا فقد ارتبط عندنا بالوقوف مع الدكتاتورية رغم سابق تاريخ له. وليتك اوردت محجوب محمد صالح مثالا ناصعا في كل الأوقات.
- عين: أشكرك أخي (لام)، حقيقي ما ورد على لسانك ولسان الأخ عصام. كثير من الناس ينكسر على آخر أيامه وبالطبع لا يمسح ذلك تاريخه الطويل، والقائمة تطول. محجوب محمد صالح أحد الرواد الذين لم يبدلوا مواقفهم ولم ينكسروا ولم يكسروا أقلامهم وبشير محمد سعيد وعبد الرحمن مختار كانا كذلك رغم ارتباطهما بدوائر استخباراتية.
*كاف: الحوار والتحاور مع الفهم مفيد وجميل ومع عدم التعصب افيد وأجمل واروع لان فيه الاعتذار وهو لغة يفهمها فقط العقلاء ويعمل بها فقط النبلاء. انا لست من قامتكم ولا ادعي ذلك وقد استمتعت جدا بهذا الحوار، ولا اقول الجدال، واستفدت ايما فائدة ولكني تمنيت أن يكون هذا الحوار بكلمات مشحونة بالبرود الانجليزي لأنها كانت سوف تخرج لنا أجمل مما نتوقع ولكني أحسست بخط الاستواء حاضرا من خلال حروفكم الملتهبة.
-عصام: "تعليق على تعليقين وثالث"... تعليق مَن يستحق أن أعلق عليه اولا؟ (لام) أم (عين)؟ وهل المطلوب اخذهما، والحديث حديث المبادئ أو قُلْ الاصول، بمبدأ الذي أتى أولا يستحق الخدمة اولا فيذهب مبكرا لحال سبيله، أم يأخذ دوره قادما مستعجلا كحال كل الصفوف في السودان البلد الفاشل بأهله؟ وكيف لا أفعل ذلك ولا أترك الاصول وأمشي مع مبدأ "خلييييك سوداني" وشخصي ضمن منظومة الفشل الذي يريدني (لام) ألَّا اعمم ضرب لازب حوله، ويحرمني ان اضرب له تعميم جازم، وكأنما يطلب مني ضمنا ان ابدأ واحسب المنظومة الفاشلة بمتواليتها الحسابية والهندسية معا لاستخرج من العملية الفاشلين وأحصيهم عددا برقم محدد ثابت لا يقبل الزيادة او النقصان، حتى التزم بمبدأ "التعميم دائما مضر"؟
اذن، لا هذا ولا ذاك، فالأفضل أخذهما، (لام) و(عين)، معي بنظام "الطَرَّاحة أو الطّرْحَة" فهما يقفان في نفس المحطة ومتجهان في ذات الخط والطريق، وان رغبا في النزول كل لوحده في مكان يختاره، فلماذا لا يركبان معا، خاصة يبدو أنهما أو على الأقل أحدهما، (لام)، عاصر زمن الطَرَّاحَات، وكيف لا وقد كان يخرج في المظاهرات هاتفا "الشعب جعان لكنو جبان" علما بان ذاك الهتاف كان صادقا ومعبرا حتى وان ظن (لام) ان انتفاضة مارس - ابريل تنفيه أو اسقطته.
وعليه، ولان (لام) و(عين) معي في نفس العربة، أعلق على مداخلتيهما في تداخل بينهما وتمييز أيضا. فعن اية انتفاضة تحدثني أخي (لام) وأعلم ما حدث فيها "إن آند أوت - مِن داخلها وخارجها" وقد انهار نظام مايو الكرتوني بعد ان فضحه موكب الردع واستمع رئيس جهازه الامني، عمر محمد الطيب، لرسالة "تايم إيز اوفر-انتهى الامر" التي جاءته من السفارة الأمريكية بالخرطوم.. وبأمر من عمر رفع جهاز الامن يده عن جعفر نميري فسقط جعفر.. وهي تكاد تكون نفس العبارة التي أطلقها باراك اوباما لحسني مبارك يوم السبت 5 فبراير2011 "إن انتقال السلطة في مصر يجب أن يبدأ الآن" وحث أوباما مبارك على "الاستماع إلى المتظاهرين المنادين بتنحيه الفوري من منصبه". فيا للفارق ويا للحالتين وما عليك يا صديقي الا ان تضع خطوطا قدر ما تستطيع تحت العبارتين "يبدأ الآن" و"الفوري من منصبه".
إذا أردنا حقيقة أن نقَيِّم الفعل الثوري في أكتوبر 64 ومارس - إبريل 85، علينا النظر لهبة سبتمبر 2013 وكل التضحيات التي قام بها بعض الشباب بخروجهم للشارع وبدخولهم سجون النظام الظالم وستجد المفارقة. فإن كان عشرات الآلاف من الشباب قد خرجوا وقاوموا أكثر من مرة داخل الجامعات وفي الشوارع وقدم الكثير منهم أنفسهم رخيصة قربانا للتغيير المنشود، فإنني اكتب "بعض الشباب" لا لتبخيس عددهم وادوارهم ولكنني انظر للملايين الذين وقفوا على السياج يتفرجون وكأن الأمر لا يعنيهم ولا يعني حياتهم ولا مستقبلهم. وإن كان الشعب قد ثار في أكتوبر بعد ندوة تناولت الوضع في جنوب السودان، فقد انقسم السودان وانفصل جنوبه والسودان لا زال يحكمه البشير الذي قاد حرب الجهاد في الجنوب مع مجيئه للسلطة بقوة سلاح الشعب في 30 يونيو 89 وذهب لجوبا في 9 يوليو 2011 واستلم العلم السوداني وعاد به للخرطوم.. بل إن الحرب برغم الانفصال لم تضع اوزارها، والأنكى انها اشتعلت في دارفور التي توصف بانها ارض القرآن ويوصف اهلها بأنهم حفظة كتاب الله، ومع كل ذلك فالرئيس ذات الرئيس باق في كرسيه، والحزب الاسلاموي -المؤتمر الوطني- ذات الحزب باق في مقره بالنادي الكاثوليكي، والمساجد ذات المساجد تمتلئ وتفيض وتدعو للفضيلة فيما الرزيلة تفرض قانونها وعرضها في كل الشوارع، وبعد كل ذلك تريدني ان لا اعمم الفشل على شعب وانما اجلس واحسب الفاشلين فردا فردا؟ أية مفارقة هذه.. وأين الشعب منها، وأي شعب هذا الذي تجري تلك المفارقة في حياته، تحاوِره تدخل بين أرجله وتعدي وتسدد أكثر من هدف والشعب يلعب ويتفرج في آن؟ أهو شعب لعوب ام ان المسألة لعب لعب؟
لم يعد الحديث محصورا في النُخَبِ كما في الستينات والسبعينات عندما كتب د. منصور خالد حواراته مع الصفوة وعندما نشر لاحقا كتابه "النخب السودانية وادمان الفشل". مياه كثيرة جَرَت تحت الجِسور التي تربط المدن الثلاثة الخرطوم والخرطوم بحري وامدرمان، وجِسْر كتاب منصور لا يفعل بإعادة قراءته غير ان يجَسِّر بين ديكتاتورية وديكتاتورية، فيا لمأساة ملهاة التكرار.
الشعب الذي لا يكون موجودا في فشل معركة التعمير بعد نجاح التحرير، والذي لا يكون بالتالي شريكا في فشل الاستقلال، والذي يغيب وجريمة ضياع وفشل ثورة اكتوبر تُرْتَكب امامه وتتكرر معه المأساة والملهاة ذاتها في انتفاضة مارس - ابريل، والشعب الذي يحكمه بقبضة الحديد والنار النظام الحالي 28 سنة ولم يستطع اقتلاعه، لابد يا صديقي أن يكون شعبا فاشلا عن بَكْرَةِ أبيه، أمواتا وأحياء كالأمواتِ.. لا فرق. فلماذا لا تريدني ان اعمم لأشمله في حديثي عن الفشل؟ إن التعميم في هذه الحالة غير مُضِر، بل واجب، ومن لا يتحدث به وبالصراحة المطلوبة والوضوح البَيِّن قد يكون من المستفيدين من استمرار هذا النظام، واعلم يقينا انك وكثير جدا من الأصدقاء لستم منهم!
تقول لي يا صديقي أن عبارتي اوجعتك. حسناً.. فقد فَعَلت فِعْلها، ستدفعك لمزيد من التفكير بصوت عالٍ مع الجميع كما درجت وأكثر، وهذا وحده أمر مطلوب لا لإحداث ثورة، فكما تقول انت ان عواملها لم تنضج فيما المفترض ان تكون "بتغلي وفايرة"، وإنما للتفكير بجدية في التغيير الذاتي ولإحداث غضب حقيقي، غضب أولا على أنفسنا.
يا أخي انا وانت والآخرون الذين يتابعوننا، لا نختشي من عدم فعلنا، ولا نستحي من عدم قدرتنا على فعل حقيقي، ونكتفي بزرع وتنمية الخوف في دواخلنا، وهذا هو عين ما درسه جيدا أهل التطرف من جماعات الإسلام السياسي قبل قيامهم بانقلابهم.. اكتشفوا دواخلنا جميعا، نحن الذين لا نصطف معهم في مشروعهم، ووجدوا الترياق المضاد لمواقفنا لجعلها انهزامية، بعضنا يدفعونه ليهرب مغتربا، مهاجرا، نازحا في معسكرات الاغاثات او لاجئا باحثا عن إعادة توطين، وبعضنا يجعلونه ينزوي بين محفظته واحتياجاته، وأغلبنا من "ناس الشعب الفضل" يظل مستظلا بالمساعدات التي تأتيه من أهله في الخارج ليعيش، لا ليحيا. أي نعم ليعيش لا ليحيا، ففرق بين الحالتين لا عند الفرنج في لغتهم "تو ليف - تحيا" مقابل "تو سيرفايف - تعيش" فحسب.. وإنما في معنى الحياة، لِمَ نعيشها وكيف نعيشها؟.. فرق كبير يجب أن يدفعنا للحديث بصراحة عن فشل جامع عارم يمسك بنا كلنا.. نخبا وشعبا.. في الداخل وفي الخارج.. في القبور وفي البيوت وفي الشوارع هائمين راكبين ام راجلين لا ندري إلى أين تحملنا الريح.
في مارس - ابريل 85، كان الشعب مَرْمِي في التُراب.. انتفض، هَزَّ جسده، نفض بعض تُراب عالق به ثم وقع في ذات المكان، فنصفه كان قد اخذ رشوته الانتخابية الترابية بشكل من الاشكال منذ ايام نظام مايو من منظمتي الاغاثة والدعوة الاسلاميتين والبنوك الاسلاربوية.. قبض باليسرى ووضع يده اليمنى على المصحف وحَلَفَ ليؤيد ويصوت للترابي وحزب الترابي ايأ كان اسمه. حَلَفَ الشعب وهو يردد سرا: "عيييييك حِلَّكْ لَمِن تَجي انتخابات"، فجاءت وجاءه الملتحون وطلبوا "حق الحليفة" صوتا وانتماء للجسم العريض الذي من اسمه، جبهة وقومية واسلامية، صار فخا جاذبا، فأسْقِط في يد الشعب. وفوق ذلك، وقع الشعب في ذات المكان و"تَتَرَّب" من جديد لان النخب الفاشلة لا تدرك معنى التغيير وتختلف حول معادلاته وتكثر الحديث عن الأداة والقيادة وكأن تلك محددات التغيير لينهض الشعب الذي لا يعرف ان يختار قيادة وعليه ان ينتظر الاشارة. واضافة لذلك، وقع الشعب في ذات مكانه لأنه نفسه غير مبالي ولا ينفعل بما يجري حوله. فمثلا تختفي سلعة، يقف الشعب في صفوف لانهاية لها ويطاردها من مخزن لأخر، ومن دكان لثاني وثالث، ومن طلمبة لأخرى، فيرتفع سعرها للضعف وتظهر وتملأ الأسواق والمحلات فيتأقلم الشعب مع الوضع الجديد شاكرا حامدا لان السلعة موجودة. أي شعب هذا؟ وكيف لا تحكمه الإنقاذ 28 سنة والعداد "لِسَّه ماشي"، وكيف لا تحكمه وهي مِن مولدها المشؤوم تقوده امامها بعصاها كالأغنام والبهايم. نُمْ الساعة ستة مساء، ينوم. أصحى الى الحادية عشر مساء اخر موعد لحفل وغناء في فرح، يفعل ويستكين. التجنيد الجبري والدفاع الشعبي والفصل من الوظائف وبيع الميادين وتدمير مؤسسات التعليم والعلاج القومية واقامة غيرها خاصة لتجلب المال لجماعات الإسلام السياسي، وافشال المشاريع الاقتصادية الكبيرة، والشعب "يعاين" لكل ذلك وكأنه يحدث في دولة أخرى.
اختم وأقول: كنت اود ان يناقشني صديقي (لام) عن تعميمي الفشل على كل الشعب بعيدا عن الحوار مع الصديقين (عين) و(دال)، ولا أنسى ان ادعو (عين) أن يسحب عبارته اللئيمة حول الأستاذين بشير محمد سعيد وعبد الرحمن مختار، والمجال ليس واسعا لنتحاور حول ذلك.
كتبت من قبل في اكثر من مقال عن الفشل العارم الذي يحيط ويمسك بنا جميعا، نخبا وصفوة وشعبا، ولكنني كتبت بصراحة اشد في المقالين السابقين وربما لم يطلع عليهما (لام)، وفي تقديري ان موضوع الفشل اهم من الحوار حول الصحافة والصحفيين وفق تلك المحددات التي جرى بها بين ثلاثتنا. ودعوني اعترف باننا بالفعل لم نرتفع الى ما كان يصبو له الأخ (كاف) عندما تَطَلَّع لكلمات "مشحونة ببرود انجليزي" بدلا عن خروج "جمل خط الاستواء بحروفها الملتهبة" وقد صدق ولكنه لم ينصف، وكان عليه ان يحدد البادئ بذلك والبادئ أظلم، فليس فينا، مجازا، عيسى عليه السلام الذي يقدم خده الايسر بعد الايمن، فالدفاع عن الصحافة وزملائي الصحفيين فرض عين، ودفاع عن مهنة يجب ان يحترمها كل من له مهنة. تحياتي ودمتم أصدقاء.
* لام: مرافعة موضوعية عالية القيمة يانعة الثمار ومزهرة رغم ما فيها من الم ممض ولكنها واجب ان تنال كامل الاحترام يا استاذنا عصام، اتفقنا او اختلفنا حولها ولكني اتمني ان لا تكون مصيبا في استنتاجاتك النهائية، وأثق انك تتمني نفس الشيء، أي ان يخَيِّب شعبنا العظيم ظنك فيه ويفعلها وسيفعلها، فليس ذلك علي شعبنا وعلي الله ببعيد، فقد فعلها سابقا بعد ان دب اليأس فينا او كاد انتظارا لستة عشر عاما، والان نمضي فوق الثمانية وعشرين ومازلنا ننتظر ان يأتينا شعبنا بالخبر اليقين. كلنا نتمنى ذلك لأنه الواجب، اذ ان البديل هو المزيد من الاستسلام الذي لا يليق بنا.. لقد وصلنا الحد وما عاد يجدي البكاء فشعبنا يكاد يعيش اليوم الذي يسبق مباشرة يوم القيامة، وحتى ذلك الحين على كل منا ان يقوم بدوره المنوط به من اجل تسريع الحل بكل الوسائل الممكنة وحتى المستحيلة ولك مودتي استاذي عصام وفائق الاحترام.
-عصام: تَسْلَم على التقريظ وحقا قرأت ما بنفسي، فإنني اتمنى ان تسقط استنتاجاتي وأتمنى من الشعب ان يلقمني ثورة.
في 1987 كتبت تقريرا صحفيا من دارفور بعنوان: "دارفور وطن لا يؤكل من اطرافه بل ينهش من احشائه".
قلت فيه ان دارفور ستكون منطقة صراع دولي في إشارة لقوات اجنبية ستقيم فيه.. وقلت ان حروبا ستجرى لاستعادة دارفور. وتحدثت عن الارهاب حينها وكان المصطلح غير مستعمل وسميته الترعيب. وكتبت عن التطهير العرقي، ولم يكن مصطلحا مستعملا واسميته الازاحة.
ضحك علي بعض الزملاء حينها، وبعيدا عني رددوا متهكمين من حكاية تنهش من احشائها وزادوا وبَهَّروا "من كلاويها ومن فخدتها وهكذا.."، بعد عشرين سنة التقيت نفس الزملاء فطلبوا مني اعادة نشر تقريري. المهم اعتذروا ولكن لم يعد الاعتذار له قيمة.. لم اتجاوزه انا، وانما تجاوزته الأحداث. على كلٍ، الله "يكضب الشينة".. البلاد والشعوب التي يصبح فشلها عمييييقا.. تتعرض لامتحانات قاسية. فائق تقديري.
* كاف: لا اريد ان اعلق على هذا المقال الجميل.. فقط أقول انزع قميص اليأس وارتدي جلباب الحياة فمثلك يقتل التململ ويبث الامل في آن.. فلا تكن مثلي فاشلا، كن انت النجاح، فانت تصعد منبرا ربما يسمعك منه من هم في ارحام النساء واصلاب الرجال ويأتي الفرج.
- عصام: تشكر على اشادتك بالرسالة التي وصفتها بـ "مقال"، وحسنا فعلت بذلك الوصف. ولا اذيع سرا بان رسالتك السابقة لعبت دورا في دفعي لكتابة رسالتي المقال.
ثق ان اليأس ليس من شيمي ولا يحيطني، فشخصي متسامح ومتصالح مع نفسه وكذلك مع غيري، ومن كان متسامحا ومتصالحا مع نفسه لا يحركه اليأس الذي لا يغشاه ولا يجد طريقه اليه. غير انني تربيت على الصراحة وقولها. وقولها في اللحظة المناسبة، حكمة اخذتها ايضا من الوالد رحمه الله، تحركني في كل الاتجاهات ومع كافة القضايا وحتى الأسرية.
أمر بلدنا واهلنا يا صديقي لم يَعُد يستحمل الحديث عن الوطن والشعب بنصف لسان لا يكذب حقا ولكن لا يجعل الناس يصحون على الحقائق الماثلة.
وأمر الوطن والشعب حقا لا يستحق الاستسلام وانما مساعدة الذين يؤمنون بضرورة التغيير والذين يقدمون الغالي والنفيس لأجله، وهم للأسف صاروا قِلَّة بين الناس الذين حولنا، وحولهم أنفسهم يقل الناس. انهم قِلَّة بين النخب، وقِلَّة داخل جموع الشعب. أي نعم، امر الوطن يستحق مساعدة أولئك القِلَّة بقول الحقيقة عن حالةِ الامة والشعب ورصدها والحديث عنها والدفع نحو التغيير بجدية ووفق فهم صحيح لحقائق الراهن وقوفا على إرث الماضي بأخطائه، والاهم معرفة أخطائه، وهي تصبح أخطاء امة وشعب وليس نخب فقط، ويجب أخذها كذلك وتسكينها في خانتها الصحيحة.
اما التغني بانتصارات وانجازات الشعب في إحداث الثورة والتغيير فهي اسطوانة أصبحت مشروخة مع انها تطْرِب، والذين صنعوا المأزق الراهن الذي يمسك بالناس الخيرين حتما لا يريدوننا أن نخاطب بعضنا بالحقائق. والتضليل جزء كبير من استراتيجيتهم.. ولا يعملون فقط على تضليل البسطاء من الشعب الكريم بخطابهم وشعاراتهم إياااااها، وانما إشاعة حالة وتكريس وضع لتمرير وسائل نضلل بها بعضنا البعض. نخدع بها أنفسنا. وبذلك تبتعد لحظة الصحوة او سَمِها عودة الوعي أو الالتفات لمهام المرحلة، ونفقد فرصة اخذ واقعنا بحقائقه لنعمل على تغييره، وعليه ندور في ذات الدائرة.
تبقى ان أقول: لا أسيء لشعب.. ولا أقَلل من إنجازات وانتصارات سابقة او حتى قادمة محتملة. ولست متشائما او يائسا. ان بي بعض أسى وحسرة على الفشل الذي يلازمنا ونصنعه بأنفسنا ونبحث له عن شماعة نعلقه عليها، ولذلك اخاطب حقائقه. ومع ذلك، قُلْ لي بربك كيف أنْظُر للذي يحدث لنا وفينا وبنا، وانت لا ريب أدرى به مثلي ومثل الكثير من امثالنا؟ وبأي عبارة وفي أي خانة أسَكِنَه؟ ولك تحياتي وتقديري على صبرك عَلَيَّ، وللجميع أيضا.