يفرقنا انقلاب.. يجمعنا واتساب

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
* لماذا لم يصبر الشيخ الترابي على التواصل والتعايش ولماذا لم يترك الشريعة يأتي بها حفيد حفيد حفيده؟
* مرجعية المعروف والمنكر هي المجتمع بما تعارفوا عليه وارتضوه وبما تناكروه ولم يستسيغوه
***؛؛؛***
# أرسل لي الصديق مبارك الكودة في (الخاص) بتطبيق (واتساب) مقالا بعنوان "استووا خلف أعرافكم يرحمكم الله"، كتب فيه:
المشكل السوداني لا يحتاج الي عبقرية نخب، فالسودانيون شعب له تاريخ وتجربة طويلة في الحكم تُؤهله للرشد وتمكنه بوعي تام للتفرقة بين الغث والسمين، وهو صاحب انتفاضتين شعبيتين له فيهما قصب السبق في المنطقة، وقد ساهم السودانيون ولايزالون في نهضة معظم دول الجوار، بكوادرهم وعلمهم ومعرفتهم، علماء وأطباء مميزين، ومهندسين ومهنيين وعمال مهرة، بالإضافة الي المساهمة العملية الكبيرة في المجال الرياضي والثقافي، فقد كان لنا الأثر الباقي في دول الخليج، مما جعلهم يلهجون بالشكر والثناء اعترافاً منهم بما قدمت يدانا لهم من خبرة رياضية ناضجة، أهلت بعضهم للمنافسة في نهائيات كأس العالم، خبرة اكتسبناها من تجربتنا الطويلة على المستوي المحلي والافريقي، فقد كانت الكرة السودانية حاضرةً فكراً وممارسة في المنطقة، كما كانت ذات صلة واحتكاك مع الكرة الأوربية والجنوب أمريكية. أما واقع اليوم في وسطنا الرياضي فلا أظنه يحتاج مني لأدلة تؤكد التدهور المريع الذي اعتراها فدونكم صراعٍ الاتحادات والأندية ويتجلى الانحطاط بصورة مخجلة في تفخيم الأسماء التي يطلقها الإداريون على أنفسهم.
ويكفينا في مجال الثقافة والآداب والفنون مقولة ".... والخرطوم تقرأ"، تكفي وتؤكد هذه المقولة أننا نتكئ على إرث عظيم من المعرفة والثقافة، فالأغنية السودانية ساهمت بكل مستلزماتها الفنية وبشكل واضح جداً في تشكيل وجدان شعوب المنطقة، خاصة أثيوبيا والصومال وأريتيريا وجنوب مصر.
الشعب السوداني لا يحتاج الي إعادة صياغة كما كنت أظن، فالذي يحتاج لإعادة الصياغة هم النخب الذين تقدموا الصفوف باسم الأفكار وجعلوا من أنفسهم أوصياء على الاخرين ظناً منهم بأن المواطن سفيه ولا يحسن التصرف في حقه العام وقد أضروا كثيراً، بهذا المفهوم، بمكتسبات الوطن علماً بأنهم لا يتميزون على الآخر الّا بميزة المقدرة علي تخطي الرقاب وقوة العين كما يعبر السودانيون. فحاجة الوطن الماسة والتحدي الماثل أمامنا اليوم يتلخص في أن نَصِلَ ما انقطع من حبال الوصل بين المجتمع ومسيرته السياسية والاجتماعية الثقافية التي بدأها منذ مئات السنين ولقد استوعب المستعمر التركي عندئذٍ الواقع الاجتماعي للسودانيين فأنشأ نظاماً للحكم قاعدته الإدارة الأهلية وكان ذلك في العام 1828، وهذا يعني ان يحكم الناس أنفسهم بأنفسهم على المستوي المحلي ويستند هذا النظام على أعراف وتقاليد واخلاق الناس. ونجح هذا النظام الاجتماعي في تحقيق السلم والأمن الاجتماعيين أيما نجاح وحافظ على البيئة الاجتماعية والطبيعية وذلك لأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالواقع الاجتماعي، وظل هكذا الي أن طالته يد النخب وأفسدته تارة بالإقصاء باعتبار أن القبيلة تخلفاً، وتارة باسم الدين وتسيس النظام القبلي باعتبار دوره الإيجابي في تمكين الدولة المسلمة فأصبحت الادارة الأهلية بهذه التدخلات مسخاً مشوهاً وعبئاً ثقيلاً على الوطن وكان يمكن أن نبني عليها فلسفة الحكم المحلي ونتخذها قاعدة وأساساً متيناً له ونطورها بالسنن الإنسانية من تجارب وتراكم معرفي للتي هي أحسن وأقوم، كنموذج أمثل يتفق مع أعرافنا وتقاليدنا وعلي القدرات والإمكانات البشرية والمادية.
في منتصف التسعينات وأنا محافظاً للضعين بولاية شرق دارفور الآن، حدثت مشكلة بين قبيلتي الدينكا والرزيقات بسبب المرعى، فقدت فيها القبيلتين أعداداً كبيرة من الأنفس. وبينما أنا أُجْرِي الاتصالات بأمن الولاية بنيالا والخرطوم، جاءتني مجموعة من مشائخ قبيلة الرزيقات الذين لا يعرفون القراءة ولا الكتابة ولكنهم يعرفون واقعهم. طلبوا مني أن أترك لهم حل المشكلة وفق الأعراف التي تحكم القبيلتين لسنين عددا، وبالفعل استجبت لهم وكنت شهوداً لمؤتمرٍ عظيم عُقد بين القبيلتين تحت شجرةٍ ظليلة وبتكلفةٍ مادية بسيطة جداً استفدت منه الكثير. ولذلك أقول ينبغي على النخب أن تتواضع لمعرفة الواقع (وإنّ الدين لواقع) وأن تتخذ من العرف منهجاً لها (خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين). استووا خلف اعرافكم يرحمكم الله. مبارك الكوده اوستن - 14/ مايو/2017.
# ثم تبادلنا الرسالتين التاليتين:
- عصام محجوب: ليتهم يسمعون اخي مبارك الكوده. ليت الفرد منهم، من أهلنا في كل انحاء السودان، يسمع ما تقول ولا يقرأ ما كتبت فحسب. وأعني ان يقرأ بصوت عالي، يقرأ وكأنه استمع لك، او يستمع لصوته وهو "يقرأك" جهرا فيسمع بالتالي الاخرين الذين ليس لديهم وقتا للقراءة - مع انهم لا شُغْل لا مَشْغَلة- فيفهمون معا.
القصد، ليت الفرد وهو أساس المجتمع، يفهم. يستوعب. يأخذ العبرة. يَجِد الحجة ويتعظ، فحوله اشلاء وطن ومجتمع يتدهور في علاجه وتعليمه وعمله واخلاقه ايضا، ومجتمعات محلية تفتتت وضاااااع سلامها الاجتماعي.
مرة اخرى نلتقي في حوار عبر الاسافير يا صديقي الذي أصبح حواره معي في اتجاهين، استفيد منه اكثر مما افيد.. وتلك سنة اهل المعرفة فالعطاء مقصدهم؛ وأصبح حواري معه لتحقيق هدفين، ومع قِلَّة عطائي فيه، فان أخذي لا اوقفه عندي وانما احاول ان انقله لأخرين بنشره في الصحف والمواقع المتوفرة للكثيرين.
دعني، اذن، اعود لما ختمت به الفقرة الأخيرة في مقالك يا صديقي، والتي جاءت "كحالة دراسية - Case Study -" للفكرة التي طرحتها، ومرة أخرى تختم بعبارة في الصميم: "استووا خلف اعرافكم يرحمكم الله"، مذكرا من تخاطبهم ان في ذلك ايضا "رحمة من الله"، وداعيا لهم ان "يرحمهم الله"، وفي الحالتين، فتحت لهم بابا ليتأملوا به ومنه بأن في اعرافهم النقية السَوِيَّة حلولا لمشاكلهم وما يدور بينهم من خلاف أقرب لهم من تنطع نخب مستعجلة تظن ان الدنيا، التأريخ، الراهن، المستقبل بل حتى الدين نفسه، يبدأ عندهم وينتهي حيث ينتهون.
بعد انتخابات 1986 قلت يوما للشيخ الدكتور حسن عبد الله الترابي: لماذا تريد "أخْنِق فَطِسْ" ان تقيم حُكْمَا اسلاميا يقطع، يبتر، يجلد وفي اخر الامر يفرق شعبا لا زال تواصله وتداخله وتعايشه ينمو، ولم يحدث بَعْد الانسجام الكامل؟ لماذا، ودعني اقول تجاوزا، بعد ان اتضح لك كما تظن ان كل، وأسمح لي ان اكرر ال "كاف لام" التي تشكل حرف "كل" مفترضا ان كل اهل الشمال عن بَكْرَة أبيهم ينادون "شريعة سريعة واللا نموت الاسلام قبل القوت"، فلماذا لا تصبر ليأتي حفيد حفيد حفيدك يوما ما ويقول بذات ال "كاف لام" ان كل اهل الجنوب ينادون بنفس شعار اهل الشمال الذي أطلقوه قبل مئات السنين، وعندها تأتي الشريعة التي تريدها انت اليوم، "أخْنِق فَطِسْ"، تأتي زاحفة من الجنوب للشمال توافقا وتواصلا كما النيل الذي ينساب هكذا ينقل الخير والحياة؟
كان رد الترابي طويييييلا طويييييلا، لم يتحسس مِن ولم تثره عبارتي "أخْنِق فَطِسْ"، وخلاصته كانت تدور حول سؤال "ان له حياة واحدة كيف يقابل ربه ولم يَقِمْ شَرْعِه؟"، فظننته بادئ الامر انه توجَه به إليَّ، وعزمت على تقديم مرافعة له امام نفسه التي تقاضيه، ولكنه للأسف كان منلوجا داخله يجعله بلسانه الزرب جهرا، ثم طفق يقرأ لي مما حفظه وردده كثيرا، ولكنني كنت قد ذهبت بذهني بعيدا عنه، وعن مكانه، وعن زمانه، مستعيدا ومستحضرا ما يقويني حتى لا يسحرني بما يقول، وما يمكنني بان اسمع منه من هنا وأفضي من هناك فلا يبقَى مما يقول الا ما استطيع به ومنه ان أحفظ نفسي وعقلي بعيدا عما يروج له الترابي من فكرة وما يأتيه في اللحظة من تجديد وعبارات تظن انها ميتة فيبعث فيها الحياة ويلملم أطرافها ويصيغها جُمل اشبه بفتاوي تجعل فاه من يستمع له فاغرا، وان كان جالسا في نجيلة الميدان الشرقي بجامعة الخرطوم يمْعَطها مَعْطَاً ويَنَخَس بها اسنانه ثم يمضغها لا شعوريا، فالسحر قد سَرَى.. سحر الترابي المتحدث.
* مبارك الكوده: الاخ عصام،،، تعليقكم علي مقالي كان له الأثر الطيب في نفسي كما كان إضافة حَيَّة لموضوع يشغلني هذه الأيام، فالعرف يحتاج منا ان نقف عنده كثيراً فهو المخرج من هذه المحن.
بالنظر للدستور البريطاني والذي بدأ يتشكل في نفوس البريطانيين كأعراف منذ العام 1215 تقريباً حتى تاريخه، دليل واضح على ان التجربة الانسانية الاجتماعية التراكمية هي المخرج.
تأمل معي: (لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وأولئكَ مِنَ الصَّالِحِينَ).
المعروف والمنكر تجربة إنسانية وليست قوانين جامدة. مرجعية المعروف هي المجتمع بما تعارفوا عليه وارتضوه. ومرجعية المنكر هي المجتمع بما تناكروه ولم يستسيغوه. وحتى المُسَارعة في الخيرات شأن انساني، (والخيرات) يحددها ظرف الزمان والمكان. في تقديري، اخي عصام، الاسلام ما هو الّا هديً للناس، والهداية توجيه. ولك مني التحية والتقدير.