يفرقنا انقلاب.. يجمعنا واتساب:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

صادف يوم 27 يونيو ذكرى تأسيس المؤتمر الشعبي عام 2000 بعد المفاصلة الشهيرة بين الترابي من جهة وحوارييه من الجهة الاخرى، وعلى رأسهم رئيس الدولة عمر البشير.
وورد في انباء يوم الثلاثاء الماضي ان المؤتمر الشعبي ينعي مخرجات الحوار الوطني الذي انتظم فيه ويشارك في الحكومة الحالية التي يُقَال انها تأسست عليه وتشكلت مترهلة وفقا لمحاصصة لم تراع في الشعب إلَّاً ولا ذمة.
لقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك ان الشعبي ومنذ المفاصلة بعد العشرية الاولى، ولعشريتين تقريبا، ظل ولا زال وسيستمر ينعي سااااااي، شغال نعي في نعي، "عَمَّال على بَطَّال". فقد نعى كل ما قام به، وأقدم عليه او شارك فيه. نعى حزب المؤتمر الشعبي، بمجرد تكوينه بعد انفصاله عن المؤتمر الوطني، دستور التوالي الذي وضعه دكتور الترابي بنفسه، بعد ان أعمل قلمه الاحمر، تعديلا وشطبا واضافة، في مشروع دستور لجنة دفع الله الحاج يوسف ثم عاد ونسب الدستور "ود الحرام" للجنة دفع الله فتبرأت منه وتركته جنى سفاح. نعى النظام الاتحادي الذي اقامه وكلف على الحاج لإدارته. نعى سلام الخرطوم مع رياك مشار وذهب لجون قرنق في جنيف لتوقيع مذكرة التفاهم. نعى فكرة عرس الشهيد واكد انهم ماتوا فطايس فنعى فكرة الجهاد نفسها وهو صاحب رايتها.. ونعى نظام الانقاذ نفسه والانقلاب الذي قام به في 30 يونيو 89 واعتذر عنه وندم عليه مسجلا ذلك النعي صورة وصوت في شهادة الترابي على العصر بقناة (الجزيرة). وأخيرا نعى الحوار الذي اسس له، فعاد وشارك فيه واشترك في حكومة مخرجاته ثم جاء ونعى المخرجات نفسها.
الشاهد ان الشعبي لا يدفن اي شيء يعلن موته، انما يتركه عند الاخرين يعفن، ريحته تَطُق. وبرغم ان الطيبين يصدقونه فيسارعون لمساعدته لحفر القبور، تبقى جثث الشعبي التي نعاها واعلن موتها في العراء او عند الوطني يعيش معها في ذات البيت بل بذات الغرفة حتى اصبح لا يطيق الا رائحة العفن.. كيف لا ورائحة الفساد التي تزكم الانوف جعلته يتعود على كل رائحة نتنة ولا يطيق رائحة مِسْك او عطور، الا تلك التي على الاجساد، لله في خلقه شئون.
متى ينعي الشعبي نفسه وينتهي من حالة التموية والغِش والخِداع التي يعيش فيها بين الناس.. فقد ذهب صاحب المسرحية؟
ايام "صراع المنشية والقصر" الذي انتهى بالمفاصلة الشهيرة وبعدها، تحدث البعض حينها بانها مسرحية ثانية بين الترابي والبشير، فكما كشف بعضمة لسانه انه قال له عشية انقلاب 30 يونيو 89 "اذهب الى القصر رئيسا وسأذهب الى كوبر حبيسا"، نسج المراقبون قولا مشابها بان الترابي قال للبشير قبيل قرارات 4 رمضان الموافق 12 ديسمبر 1999 "سأذهب الى المنشية معارضا وتبقى في القصر حاكما". بيد انني قلت حينها: بالفعل انها مسرحية، ومن أوجه الشبه بين المسرحيتين ان الترابي لن يبقى فقط في المنشية معارضا وانما سيذهب لكوبر حبيسا هذه المرة ايضا ولكن ليس بارادته. واذكر انني كتبت في صحيفة "الرأي العام" يوم 25 فبراير 2001 تحليلا سياسيا عنوانه: من حق الترابي ان يدخل كوبر بإرادته لمرة ثانية.. ولكن من المفيد ان نعرف لماذا هذه المرة! وختمت التحليل بسؤال: هل عين الترابي لا زالت تنظر لكوبر كمحطةٍ أولى لإنجاح مشاريعه؟
واضفت قائلا: انها مسرحية الرجل الواحد. هو منتجها. كاتبها. صاحب السيناريو. مخرجها وبطلها بل والممثل الوحيد فيها. لا البشير يعلم بها، ولا علي عثمان ولا وصال المهدي زوجة الترابي نفسها، ناهيك عن الاخرين.. امثال السنوسي او علي الحاج وغيرهما. فكيف ولماذا كان ذلك؟
قلت حينها ان مشروع الترابي السياسي الذي ظل يعمل ويشتغل عليه نصف قرن من الزمان ضَرَب الحائط ووصل الى نهاياته في فشله الذي توقعه الشهيد محمود محمد طه، وهو قاب قوسين او ادنى ويتفكك. يسقط. ينتهي وتتسلل كل خيوط الغزل.
قرر الترابي ان يقبل النتائج ولكن ان يعمل كعادته لتحويل هزائمه لنصر او على الاقل لمعارك اخرى في حرب دائمة ودائرة ومستمرة، وانتصارات الاخرين عليه لهزائم ترديهم صرعى لا يقوون على مواصلة المعارك وان واصلوها يكون قد جردهم من اقوى اسلحتهم. كيف يفعل ذلك؟ يجب الاعتراف ببراعته وحضوره وقدرته على تفعيل "المؤامرة" وجعلها عند الاخرين في اسوأ القراءات "مناورة".. لذلك يخسرون ويكسب.
عندها، جلس الترابي بينه وبين نفسه وسألها: ما العمل؟ ما هي النقلة المفترضة التي تنقذ ما يمكن إنقاذه من المشروع؟
نفسه الامارة بكل التمويهات والتاكتيكات، ورفض الشيء علنا عندما يريده سرا، والتأشير يمينا ثم الانعطاف يسارا، والعكس عندما يَجْهَز جماعته للانعطاف يسارا فيجدونه قد اتجه يمينا وعليهم الاستدارة للحاق به، او يتوقف ويتركهم يركضون امامه، وعندما يأتي دورهم للتوقف وانتظاره يأتي منطلقا ويتجاوزهم فلا يلحقونه.
اكتملت عند الترابي فكرة مسرحية لفصل نظامه الى حكم ومعارضة، ولم يطْلِع عليها احد. لم يشرك معه اي شخص.. فقد كان من اوجب واجبات الفكرة الجديدة ان يصدقها اقرب الاقربين اليه ويعملون لها.. جزء يذهب معه للمعارضة وجزء أكبر يبقى في الحكم، ومن يريد ان يتبندل بين المنشية والقصر كان له.. ومن يريد ان يأكل في القصر ويصلي في المنشية كان له. ومن يريد ان يخرج من المنشية بالباب ويمر على كوبر ثم يدخل القصر من الشباك متسللا كان له.. المهم ان يستمر مشروعه في صورتيه القديمة والجديدة ولا يسقط، وان سقطت نسخته القديمة تكون الجديدة جاهزة تلعب شوطها الاضافي ودورها الذي يطرزه ويحيكه لها لتلبسه، وبذا يجدد نفسه ولا ينتهي، ويؤسس لعشرية ثانية وثالثة وهكذا بإدانة الاولى ورميها باقبح الالفاظ والنعوت وقتالها بكل الاسلحة حتى تلك المحرمة اخلاقيا وانسانيا، وقانونا سماويا كان ام وضعيا. وهذا ما حدث حذو الحافر بالحافر.
تلك هي المسرحية، فماذا قصد وهدف منها وبها شيخ المؤتمرين الوطني اولا والشعبي لاحقا، الدكتور حسن الترابي؟
كان امام الترابي بعد ان ضَرَب مشروعه الحائط واصبح آئلا للسقوط والاندثار، كان امامه معضلة تجديد رخصته ليَسَوِّق ويَسُوق بها مشروعا فَقَدَ الصلاحية، معطوبا يشكل خطرا على الناس والمجتمع المحلي والاقليمي والدولي ايضا لتمدده وتوسع الرقعة التي ارتكب فيها جرائمه، وقرر ان ينزل من تلك العربة الهالكة التي تركها تسير دون كوابح، ويَنْسَلَّ منها بحربائية وثعلبية ما منظور مثيلهما.
قرر الترابي ان يترك الاخرين، البشير وعلي عثمان وجماعتهما من عسكر وشبه عسكر ومدنيين، ويخرج من البيت سيء السمعة ويعمل على تأسيس حالة مخالفة ينسج ويغزل لها لباسا يناسبها ليصبح مقبولا بها، وان تناقض ذلك مع كل ما اسس له في السابق.
تلك كانت قراءتي حينها.. اشركت حولها اصدقائي عادل سيد احمد ومحمد محمد طه ومكي المغربي والحاج وراق وصديقي صلاح عووضة الذي كان من اوائل المتحدثين عن المفاصلة كمسرحية بنسخة الاتفاق بين اطرافها، وهذا ما لم اتفق حوله معه فحدثته عن مسرحية الرجل الواحد، كاتبا ومخرجا وممثلا والبقية متفرجون كما كل الشعب والمجتمع ودول الجوار والعالم الذي تعامل مع ازمة السودان ومأزقه. واستعملت ذات الكلمة التي انتقاها عووضة من أحاديث الترابي ونسج عليها افتراضاته، اي "التدابير".
فتحدثنا على انها تدابير -لِتُقْرَأ مسرحية- اتخذها الترابي لوحده. لم يشرك معه احد.. وجعل الاحداث والتطورات تتواصل وتتوالى وفي ذهنه ان ينقذ مشروعه الذي اضر به الانقلاب وعندما أصبحت تلك الحقيقة واضحة امام الترابي لم يكن امامه مفرا الا ان يقوم بتلك التدابير عن قصد وتعمد دون ان يطْلِع أحد على خطته.
حاولت ان أميل وأنحاز لقراءة ابن عووضة خوفا من ان يتحقق المستحيل بعينه بان يخدع الترابي والبشير "كل الناس لكل الوقت" بعد ان نجحا مع مسرحية التمويه الاولى في خداع "كل الناس لبعض الوقت"، ومع ذلك حَدَّثت صديقي عووضة الذي كان وقتها يراهن على مسرحية ثنائية الاخراج والتمثيل، عن مسرح ومسرحية الشخص الواحد باعتبار ان الترابي يمثل "سولو" فتقبل عووضة قراءتي على مضض ونحن عائدان من مؤتمر صحفي في المنشية عُقِدَ مباشرة على خلفية أخْذ البشير من الترابي في الرابع من مايو 2000 الامانة العامة للمؤتمر الوطني بتجميدها اولا، وهي اللعبة الثانية التي كان يسيطر عليها ويُقَالِع بها الرئيس سلطانه وسلطاته، فيما عرف بالازدواجية، وهو الامين العام القابض على كل الصلاحيات في الحزب والحركة بيد ان الرئيس كان قابضا على صلاحيات "الحاء" الثالثة اي الحكومة، وهي الاهم والأمضى والاقوى، علما بأن المعركة في "حاء" الحزب و"حاء" الحركة الاسلامية كانت الأصعب.
قبل يوم من النفرة التي دفعت الترابي لكتابة خطابه الشهير للبشير حول رفض الشيخ اجتماع النفرة التعبوي الذي دعى له الرئيس، كتبت في الغراء صحيفة "الرأي العام" يوم 4 مايو 2000 مقالا تحليليا بعنوان: ".... في النفرة الكبرى: هل تكمل الرابع من مايو حلقة الرابع من رمضان؟"، وواصلت انسج على ذات المنوال في اليوم الثاني وكتبت عشية ليلة النفرة: "منطق الأحداث يقول: أما آن لهذا الليل الطويل أن ينجلي؟ الرابع من مايو.. وبتر الأمانة العامة من (خلاف)!"، فحدث بالفعل ما توقعنا في المقالين السابقين فاردفت في اليوم الثالث في ثالث تحت عنوان: "... بعد (إرتجالية) البشير أمام النفرة: في الانتظار إنهاء الازدواجية الثانية". ثم ختمت تلك السلسلة بعد صدور القرارات التي أنهت الازدواجية بمقال تحليلي بعد يومين بعنوان: "التجميد.. جراحة أم كي؟ كل شيء يبدأ صغيرا ثم يكبر.. إلا المصيبة تبدأ كبيرة ثم تصغر".
أي نعم، اكتملت الحلقة التي بدأها الرئيس البشير بأن أخذ من الدكتور الشيخ الترابي اللعبة الاولى عندما حَلَّ المجلس الوطني وطرد الدكتور واغلق ابوابه في وجه الشيخ قبل ستة اشهر تقريبا من ذلك التاريخ، فجعل الترابي يزازي بين المنشية وكوبر و"قناة الجزيرة" عندما استطاع الوصول اليها سبيلا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.