1. المقدمة
2. المواطنة والهوية
3. دولة المواطنة وحرية التعبير.
4. دولة المواطنة والحكم اللامركزي.
5. الخلاصة
6. المراجع

1.    المقدمة:
تشمل الورقة خمسة اجزاء كما هو واضح في قائمة المحتويات، والجزء الثاني من الورقة يتناول مفهوم المواطنة، ويلقي الضوء على تطور مفهوم المواطنة مروراً بمفهوم الدولة الوطنية الذي جاء بعد حقبة الاستعمار.
وقد حاول بعض السياسيين الوطنيين في دول ما بعد الاستعمار ان يجعلوا من الدولة الحديثة دولة تنصهر فيها كل مكونات المجتمع استنادا على نظرية البوتقة التي ينصهر فيها المجتمع (مبدأ البوتقة) دون اعتبار لخصوصية المكونات المختلفة، فكانت النتيجة هيمنة مكون قوي على بقية المكونات (الضعيفة) كما كانت النتيجة صراعات وحروب.
استمر التطور ليأتي مفهوم دولة المواطنة التي تقوم على حقوق الانسان، وتحفظ استقلال وكرامة المكونات المختلفة، انها الدولة التي تقوم على التعددية والتنوع وحقوق الانسان، ومبدأ الوحدة في التنوع، وتبع ذلك ضرورة الحكم اللامركزي الذي يمنع الاستبداد والمركزية التي تهمش بعض المكونات مما أدى الى الحروب والصراعات.

2.    دولة المواطنة والهوية:
احاطت ضبابية كثيفة، وخلط مربك بين مصطلح الهوية ومصطلح المواطنة، واستمر هذا الخلط وعدم الوضوح طوال العقود الماضية، ولكن بدأت تتضح معالم المصطلحين والاختلاف بينهما في السنين الاخيرة. والدليل على عدم الوضوح والضبابية في هذين المصطلحين تكوين لجنة في مؤتمر الحوار الوطني الذي دعى له الرئيس السوداني في 10 اكتوبر 2015 واستمر حتى نهاية فبراير 2016، حيث تم التداول حول مسألة الهوية والمواطنة في لجنة اسمها لجنة الهوية. مما يدل على ضرورة توضيح هذا المصطلح.
لقد نال مصطلح الهوية اهتماماً في الستينات والسبعينات لدى الكتاب والفنانين السودانيين فجاءت مدرسة الغابة ومدرسة الصحراء .... ونتيجة لذلك ظهرت مدرسة ومصطلح السودانوية للمبدع احمد الطيب زين العابدين لتحل وتزيل التناقض بين مدرستي الغابة والصحراء.
في السنين الاخيرة وبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل في 2005 جاءت مساهمة قيمة من الدكتور منزول عسل، والبروفسور عبدالغفار محمد احمد لتوضيح مصطلحات الهوية والمواطنة والجنسية، لقد انتهج الكاتبان توضيحاً ذاتياً للهوية، فهما يريان ان الهوية هي عملية يميّز بها الفرد نفسه مقابل الاخرين،  لتحديد ذاته الشخصية مثلاً انا سوداني عربي مسلم، أو انا سوداني افريقي.
اما المواطنة فصارت تعرف بمصطلح سياسي وحيّز جغرافي معيّن، وعلى ذلك قام مفهوم الوثيقة التي يحملها الفرد في تنقله بين المناطق السياسية المختلفة والتي تفصل بينها الحدود السياسية، وصار مصطلح وثيقة الجواز التي تجمع بين مواطني الدولة الواحدة وتفرق بين مواطني الدول المختلفة، او تجميع مواطني كيانات سياسية (دول) اعترف بها دولياً مثلاً الاتحاد الاوربي، وهكذا حدد بالجواز مصطلح المواطنة  Citizenship  وهو يحدد الانتماء لحيز سياسي معين بصرف النظر عن الانتماءات الاخرى مثل الدين والاثنية والعنصر. فمثلاً يسمى السوري الذي ينتمي الى مجموعة الاكراد سوري كردي، كما يسمى العراقي الذي ينتمي الى مجموعة الاكراد عراقي كردي فالانتماء للكردية هو ما يميّز هذين الشخصين عن بقية افراد الدولتين عدا الاكراد.

3.    دولة المواطنة وحرية التعبير
هنا لا بد من توضيح ما يسمى بدولة المواطنة والدولة الوطنية. ظهر مصطلح الدولة الوطنية Nation State  خاصة في دول العالم الثالث بنهاية الاستعمار. وقد تبناها السياسيون الوطنيون خاصة الافارقة، ليؤكدوا على وحدة كيانات دولة ما بعد الاستعمار، وقد تبنى اليسار مصطلح الديمقراطيين الوطنيين ( National Democrats )ليصفوا القوى الوطنية في هذه الدولة المناهضة للاستعمار القديم والحديث. والهدف من هذا المصطلح ( Nation State  ) هو التأكيد على وحدة عناصر الدولة الجديدة. وارتبط بهذا المفهوم مصطلح البوتقة وصهر عناصر الدولة الجديدة في بوتقة واحدة. وغاب مفهوم التنوع فيها، وهيمنت اثنيات وتنظيمات سياسية كبيرة على الاثنيات والتنظيمات السياسية الصغيرة فيها، ونتجت عن ذلك صراعات هددت وجود تلك الدول مثال على ذلك الحرب الاهلية في جنوب السودان، والحركات المسلحة الاخرى في دارفور وجنوب كردفان، وجنوب النيل الازرق.
جاء مصطلح دولة المواطنة مقابل مصطلح الدولة الوطنية. وصارت دولة المواطنة هي الدولة التي تجمع بين مكونات مختلفة لكل منها كينونته الثقافية، والاثنية دون اقصاء أو تمييز لأي مجموعة اخرى وذلك في تعدد يقبل به الجميع. وتحترم دولة المواطنة كل حقوق الانسان وبانواعها المختلفة ومجالاتها المتعددة وبذلك تضمن دولة المواطنة كل الحريات لجميع مواطنيها وأهمها حرية التعبير والاجتماع والتنظيم و التنقل والتملك والتدين وحرية الزواج... الخ.
ارتبط مفهوم دولة المواطنة بالتعددية والتنوع ومبدأ الوحدة في التنوع مقابل مبدا البوتقة الواحدة والانصهار فيها، والذي يتضح في شعار حزب البعث " أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة".
وتبنت بعض المجموعات السلفية مصطلح دولة الخلافة الذي يلغي خصوصية المجموعات المختلفة في هذه الدولة ليصهرها في دولة الخلافة تحت مجموعة مسلمة سلفية واحدة، مثال على ذلك مجموعة داعش، ومجموعة النصرة وبوكوحرام.
ان دولة المواطنة تضمن حرية التعبير وهي اساس المشاركة وخاصة المشاركة السياسية، وحرية التعبير تتجسد في حرية الصحافة وحرية النشر ايضاً، كما تتجسد حرية التعبير في النشاط السياسي والنشاط الثقافي والبحوث العلمية، كما ترسخ لحرية الرأي والخصوصية.
 ان جميع المواثيق الدولية تؤكد ضرورة حرية الرأي وحرية التعبير والخصوصية.
 فنجد في الاعلان العالمي لحقوق الانسان الاتي
المادة (19) : " لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية."
و المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية:
1.    " لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة".
2.    "  لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختاره"ا.
ان حرية التعبير، وحرية الرأي والخصوصية، ترتبط ارتباطاً وثيقاً ببعضهما البعض. ان الخصوصية المذكورة هنا هي تلك التي يتمتع فيها الانسان بالامان حين يعبر عن رأيه. اتضح الحق في الخصوصية بصورة جلية بعد ثورة المعلومات التي اتاحت وسائل عديدة خاصة للدول لانتهاك الخصوصية وحرية التعبير وحرية الرأي وفي الجانب الاخر اتاحت للمواطنين فرص جديدة للتعبير والنشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومدونات الانترنت.

4.    دولة المواطنة والحكم اللامركزي
ارتبط مفهوم التنوع والتعدد في الحكم بكل انواعه سياسياً واجتماعياً وثقافياً باللامركزية في الحكم. تطورت نظم الحكم من النظم المركزية الاستبدادية مع انتشار ثقافة الديمقراطية وحقوق الانسان، تطورت الى نظم الحكم اللامركزية التي تأخذ في الاعتبار التمثيل المنصف لكل مكونات المجتمع في اجهزة الحكم واتخاذ القرار في كل المستويات. واصبحت اللامركزية اداة في الحكم لحل الصراعات لانها تحافظ على كرامة كل مكونات المجتمع وتسمح لها بالمشاركة في كل اجهزة الدولة ومستوياتها المختلفة. وسميت مكونات الحكم اللامركزي اسماء مختلفة مثلاً الحكم الاقليمي والحكم الفدرالي والحكم الكونفدرالي ... الخ، ولكنها تتفق في اهدافها ومبادئها. فهي تعطي كل مكونات المجتمع نصيبه في الاقتسام العادل في السلطة والثروة، وبالطبع اللامركزية بهذا المعنى تقوم على الديمقراطية، وترفض النظم الاستبداية الشمولية بكل مسمياتها والتي تنفرد فيها قلة من الحكام بالسلطة والثروة، وتمنع المشاركة وحقوق الانسان والحريات المختلفة القائمة على هذه الحقوق.
وبالنسبة للمجتمع المدني يحتل المستوى المحلي في الحكم اللامركزي أهمية كبيرة لأنه يضمن المشاركة الشعبية التي تتم على هذا المستوى، ولذلك يطالب المجتمع المدني بتوفير الموارد اللازمة لكل المستويات وخاصة المستوى المحلي ليقوم بمسئولياته على أكمل وجه.

5.     الخلاصة
لقد وصلت البحوث، ووصل السياسيون والناشطون الديمقراطيون في منظمات المجتمع المدني الى مفهوم دولة المواطنة التي تضمن الانحياز الكلي لحقوق الانسان، وبالرغم من هذه النتيجة مازال مفهوم دولة المواطنة لم يترسخ في المجتمع السوداني والفكر السياسي السوداني ولم يفسر بالصورة المطلوبة ولم يطبق كذلك بالصورة المطلوبة كما يجب. ونتيجة ذلك الحروب في الاطراف وانفصال الجنوب، ولذلك على المجتمع المدني ان يكثف التثقيف المدني لترسيخ مفهوم المواطنة، وعلى الجامعات ان تقوم بدورها في ترسيخ ونشر مفهوم دولة المواطنة، وهي دولة حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية في علاقتها التبادلية لإنفاذها في كل المجتمع لتنال كل مكوناته نصيبها العادل في الثروة والسلطة والكرامة
ان حقوق الانسان يجب ان تفهم في علاقاتها التبادلية والمترابطة في دولة المواطنة التي تحترم كل المكونات لتنهي الحروب والصراعات وتبسط الحرية والعدل بين كل المكونات.

6.    المراجع:
•    وعبدالغفار محمد أحمد ومنزول عبدالله منزول عسل "المواطنة والهوية والاقليات والثقافات الفرعية في السودان"، من الانترنت.
•    منزول عسل " الجنسية والمواطنة" بيرقن 2011
•    عبدالرحيم أحمد بلال" العدالة الاجتماعية " مركز الايام، فبراير 2016.
•    عبدالرحيم أحمد بلال" العدالة الاجتماعية والحكم المحلي" مركز الايام، مارس 2016.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.