الخرطوم   - 26 مارس  2014

    لقد كثرالحديث والمساهمات والمداخلات المكتوبة عن الديمقراطية ولكننا لا نجد بحثا متعمقا للقاعدة الاجتماعية  للديمقراطية بل نذهب الى أبعد من ذلك ونرى أن مفهوم القاعدة الاجتماعية لأي فكر غائب من الفكرالسياسي السوداني. فالمعروف أن الديمقراطية الليبرالية قد برزت الى الوجود مع ظهورالبرجوازية في صراعها منذ الاقطاع الذي تحالف مع الكنيسة واهم معالم ظهور هذه البرجوازية حاملة الليبرالية كانت الثورة الفرنسية بمبادئها الثلاثة: الحرية والمساواة والاخاء.        

   ثم ظهرت الطبقة العاملة مع الثورة الصناعية  وظهرت معها الأفكارالاشتراكية بمدارسها المختلفة وأهمها المدرسة الماركسية والتي تفرعت منها الاشتراكية الديمقراطية وقد صارت لهذه المدارس الفكرية حاملات سياسية وحزبية في قطبين رئيسيين هما الأحزاب المحافظة والأحزاب العمالية الاشتراكية في الدول الرأسمالية.                                                      

   وفي السودان ظهر الحزبان الكبيران: الأمة والاتحادي وكان المحللون اليساريون يرون في حزب الأمة حزبا لطبقة الاقطاعيين وفي الحزب الاتحادي حزبا للبرجوازية التجارية ولضعف هاتين الطبقتين كان مصيرهما أن يحتميا بطائفتي الانصار والختمية اللتان هيمنتا على الحزبين. وجاءت الجبهة الاسلامية القومية لتبدأ بحركة الأخوان المسلمين التي كانت تنتمي لها شرائح الطبقة الوسطى الدنيا (Lower middle class) ولكنهات تطورت في السبعينات لارتباطها بدوائر في دول الخليج والسعودية والمؤسسات الاقتصادية   فتحولت القاعدة الاجتماعية لحركة الأخوان المسلمين الى الطبقة الوسطى العليا   (Upper middle class)  

وباستيلاء الجبهة القومية الاسلامية على السلطة صارت هذه الجبهة هي الحاضنة الأساسية للطبقة الرأسمالية في البلاد وذلك لسيطرتها على ثروات البلاد عبر سيطرتها على جهاز الدولة وهو الأداة الأساسية في السيطرة على السلطة  السياسية واتسعت عضوية الجبهة القومية الاسلامية لتنتظم في المؤتمر الوطني الذي هيمن بالكامل على مفاصل السلطة في الدولة ومفاصل الثروة في الدولة وخارجها واتضحت جليا معالم المجتمع الطبقي السوداني الذي كان يوصف في الماضي بأنه مجتمع تكافل ومساواة خال من الطبقات.                                                                          

   ومن هنا يطرح السؤال نفسه ماهي القاعدة الاجتماعية للديمقراطية التي تنادي بها القوى المناهضة لحكم المؤتمر الوطني / الطبقي فقد نجحت الجبهة القومية الاسلامية بوصولها للسلطة في تدمير الطبقة الوسطى بشقيها الحديث والتقليدي وذلك بمواعينها التنظيمية الأساسية وهي النقابات المهنية والعمالية وحاضنتها الاقتصادية وهي القطاع العام كالتعليم والصحة وغيرها من المرافق الحديثة  ومشروع الجزيرة والسكة حديد والخدمة المدنية وهذه المنشئات كانت تحتضن الطبقة  الوسطى العاملة بأجر أما الطبقة الوسطى التقليدية فكانت تمثلها طبقة التجار الصغار والمتوسطيين في المدن والريف وطبقة صغار ومتوسطي المزارعين في الريف. وقد ضربت الجبهة الاسلامية القومية الطبقة الوسطى الحديثة في مقتل بضرب حاضنتها وهي القطاع العام بهدفين: اقتصادي بتحويل منشآت القطاع العام لمنسوبيها واحكام قبضتها الاقتصادية في المجتمع وأهم من ذلك  الهدف الأساسي وهو ضرب حاضنة الطبقات المستنيرة ذات التوجه الديمقراطي والمنظمة في النقابات والاتحادات المهنية واتحادات المزارعين في المشاريع الكبيرة وهي القوى الاجتماعية الرئيسية المناهضة للاستبداد والداعمة للديمقراطية وحقوق الانسان.                                   

   وفي خضم هذه المتغيرات ظهرت قوى أخرى هي قوى الأطراف والهامش فمنها من حمل السلاح ومنها من أنضم للمعارضة ومنها من انضم لمنظومة النظام الحاكم فذاب فيها وارتبطتمصالحها بمصالحه ارتباطا وثيقا. وكذلك نمت وتطورت قوى جديدة في المركز ومدنه وهي القوى الشبابية والنسائية من الذين طالتهم العطالة والفقر.                                                      

   ان هذا الوضع وهذه المتغيرات تستلزم تحليلا اجتماعيا وطبقيا عميقا للاجابة على السؤال المنهم: ماهي القاعدة الاجتماعية للديمقراطية في سودان الحاضر. ولكن للاسف هذا السؤال ظل غائبا عن كل الدوائر الفكرية والسياسية بالرغم من أهميته للتحليل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وبالتالي أهميته للعمل السياسي.     

   ان تحديث القطاع التقليدي هو العامل الأساسي في توسيع القاعدة الاجتماعية أفقيا ورأسيا للديمقراطية الليبرالية والاجتماعية في مجتمع السودان  الذي يغلب على اقتصاده الانتاج الزراعي التقليدي والذي تهيمن فيه العلاقات القبلية والانتماء والولاء القبلي كما يغلب فيه توظيف التكنولوجيا التقليدية والطاقة الجسدية مما يجعل انتاجيته متدنية ويتسبب في تعميق الفقر وترسيخه.               

   ان تحديث القطاع التقليدي يوسع كما ونوعا علاقات التبادل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. ان التوسع المكاني والجغرافي لهذه العلاقات التي تتعدى النطاق القبلي فتمتد الى التبادل في الأسواق بما في ذلك الأسواق الخارجية العابرة للحدود القومية. ان التوسع النوعي يؤدي الى الشمول لكل مكونات المجتمع الاثنية والعرقية والدينية والثقافية.                                        

   ان علاقة الديمقراطية بتحديث القطاع التقليدي تجيب على السؤال: لماذا لم تعمل القوى التقليدية السياسية على تحديث هذا القطاع الذي يشكل القاعدة الاجتماعية لهذه القوى التقليدية؟                

   ان تحديث القطاع التقليدي يخرج المنتجين فيه من الولاء الأعمي للقيادات القبلية والدينية ويمنح المواطنين فيه حرية الارادة السياسية والاقتصادية حين تزداد انتاجيتهم وفائضهم الاقتصادي الزراعي الذي يوسع مساحة الحرية والحركة الاقتصادية ويزيد من استهلاكهم فيزيد من الاستهلاك الضروري فيرتفع مستوى المعيشة الذي ينعكس في استهلاكهم  في التعليم والصحة والسلع والخدمات الأخرى فتنفتح أمامهم آفاق واسعة لتطلعاتهم وطموحاتهم مع تطور وسائل الاعلام والاتصال مما يخرجهم من أسر القيود التقليدية في مجال الانتاج وخارجه.                           

   ان تحديث القطاع التقليدي يعظم الانتاجية في الريف والانتاج والفائض الزراعي الذي يوظف في التصنيع الزراعي مما يقوي الروابط البناءة بين المدن والريف والممسكات الاجتماعية لكل المجتمع.                                                                                                                

  ان تحديث القطاع التقليدي يوسع فرص الاستخدام والتشغيل في مجال الانتاج والخدمات في الريف والمدن كما يوسع فرص المنافسة الاقتصادية والسياسية ويحرر المواطنين من التكالب على التوظيف بكل أنواعه في مؤسسات الدولة بوصفها المصدر الأساسي للموارد وهذا التنافس يؤدي الى التبعية السياسية للقوى السياسية في المركز والأطراف.                                                               

تعريف الطبقة الوسطى :

- العلاقة بوسائل الانتاج علاقة ملكية.

- الاستحواز على الفائض الاقتصادي ليس بملكيتهم لوسائل الانتاج وانما نتيجة  وضع  خاص في  عملية  الانتاج والتوزيع فلا مديرو الشركات  والمهنيون الذين سينالون مرتبات عالية تتحول الى رؤوس أموال مختلفة مثلا عقارات.

- المهنيون الذين دخلوا القطاع الخاص في  عهد الانقاذ  نتيجة للفصل  للصالح العام والخصصة .. الخ خاصة الأطباء والمهندسون.

- المهنيون الجدد الذين يملكون المعلومات وتقنياتها كوسيلة انتاج  بخلاف وسائل الانتاج  حسب  التعريف التقليدي.

- النخب السياسية المتوالية مع النظام ( الزبائنية السياسية).

- المغتربون الذين يحتلون مناصب رفيعة في دول  الاغتراب.

- العاملون  في المنظمات الأجنبية في الداخل والخارج.

- المواطنون العاملون في التنقيب الأهلي.

واذا  قسمنا الطبقات  حسب مواقفها وتوجهاتها السياسية فيمكن  القول أن الطبقة الوسطى الحديثة والتقليدية بتقسيمها المعروف: عليا ووسطى ودنيا توجهها الى  الديمقراطية. فالفئات العليا تتجه الى الديمقراطية اللبرالية في حين أن الفئات  الوسطى والدنيا تتجه الى الديمقراطية الاجتماعية والاشتراكية في  حين أن الطبقات الدنيا من عمال وفلاحين تتجه الى الديمقراطية الاجتماعية والاشتراكية وربما  الاشتراكية الرادكالية حسب تجارب الدول الأحرى في أمريكا اللاتينية وأوربا.                                                              

حسب البنك الدولي فان دخل أفراد الطبقة الوسطى 10 - 50  دولار في اليوم.

في السودان الطبقة الوسطى حسب منظمة الحكم الراشد في  أفريقيا 35,1%

وهناك بعض الأسئلة حول:

- علاقة تعليم الأبناء والبنات وصعود العائلات الى  الطبقة الوسطى

- علاقة الاغتراب بالصعود الى  الطبقة الوسطى

- علاقة  الوظائف مثلا في شركات الاتصالات وعلاقتها بالصعود الطبقي.

الملكية لانهم لا يملكون وسائل انتاج ولكنهم يحظون بجزء من الثروة لانهم يحمون النظام.