صادر جهاز الأمن صحيفة ( آخر لحظة ) لثلاثة أيّام على التوالى ( 17 و18 و19 يونيو 2017)، بـطريقته المعهودة (وضع اليد) على كُل الكمية المطبوعة من الصحيفة، ثُمّ عاد - نفس الجهاز- وسمح لها بإستئناف الصدور، ليزف لها النبأ السعيد، أى معاودة الصدور والتوزيع، ولكن، بالمشافهة " فقط "، أى عبرالـ(هاتف) دون أن يكلّف (المُنتهِك) نفسه مشقّة الكتابة، ناهيك عن الاعتذار للـ(ضحيّة)، وكالعادة- لم يُعلن جهاز الأمن الأسباب التى جعلته يُصادر الصحيفة، وهذا - فى حدّ ذاته - أوضح تعبير وتفسير للصلف الأمنى فى التعامل مع ( الضحايا ) وتكريس للاستبداد الأمنى فى التعامل مع الصحافة المطبوعة كمؤسسات والصحفيين والصحفيات كمجموعة مستهدفة أمنياً، لكونها بالضرورة تتعارض وتتناقض بطبيعتها مع هدف جهاز الأمن فى تكريس الإظلام الإعلامى فى السودان، حتّى تتم كل انتهاكاته لحقوق الإنسان، بدون توثيق وبدون معرفة المجتمع بالفظائع التى يرتكبها النظام فى كل السودان، بما فى ذلك، مناطق النزاع المسلّح، التى يعيش سكانها تحت النيران، وعلى ايقاع الأنتينوف. 

مصادرة صحيفة ( آخر لحظة ) المملوكة لـ(إسلامى) يدعم النظام، إن لم نقل من " أهل الحل والعقد "، ومُصادرة غيرها من شقيقاتها المملوكة لـ(اسلاميين) أولعناصر محسوبة على النظام أو متوالية معه، أو من يُطلق عليهم " المؤلّفة قلوبهم "، يؤكّد أنّ سياسة مصادرة الصُحف " أمنياً "، لم - ولن- تتوقّف فى الصُحف التى ظلّ يُصنّفها النظام وجهاز أمنه ( مُعارضة )، والتى لم تجد التضامن المُستحق وقتها من بقية الصُحف، وهذا يُشكّل أعظم تجلّى للمقولة الراجحة (( أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض))، وكل هذا وذاك، يجىء كمؤشّر لأهمية توسيع دائرة التضامن بين مكوّنات المجتمع الصحفى، لمقاومة ظاهرة مصادرة الصحف، عبر الأشكال المعروفة، ومنها- على سبيل المثال لا الحصر- إعلاء قيم التضامن والنضال المشترك، واللجوء لإستخدام كل الوسائل المتاحة والممكنة، ومنها اللجوء للتقاضى بمقاضاة جهاز الأمن، لإنتهاكه حقّاً دستورياً، والقصد من التقاضى تحدّى الإستبداد الأمنى بالقانون، مضافاً إلى تحدّيه بمواصلة النضال بالعمل الجماعى،والتنسيق المشترك، لمواجهة ظاهرة مصادرة الصُحف، بدلاً عن التشرزُم والتنافس غير الصحى.
ماحدث من عودة للرقابة الامنية البعدية، وقد جاء بعد توقُّف " تكتيكى " لعدة أشهر، يؤكّد طبيعة الدولة الأمنية، ويُعزّز الفهم الصحيح، فى أنّ فترة الهدنة الأمنية عن مصادرة الصحف، لم تدم طويلاً، ولن تدوم، وكان المقصود منها، ارسال رسالة للحكومة الأمريكية ولغيرها أنّ النظام قد تغيّر و بدّل سياساته المعادية للحريات، وذلك، بهدف رفع العقوبات الأمريكية، الذى ينتظره النظام وجهاز أمنه فى الشهر المقبل( يوليو)، ليعود جهاز الامن بعد " استراحة محارب " لفرض هيمنته وانقضاضه على ما تبقّى من حريات، وهذا ما يجب أن ينتبه له الجميع، كما أنّ هذه المصادرة/ات تؤكّد أنّ النظام لا يحترم تعهُّداته التى يقطعها للذين يصدّقونه ويدخلوا معه فى حوارات، تستمر لأعوام، ليتمخض جبل الحوارات الديكورية ليلد فأراً، وقد وضح ذلك فى تكوين الحكومة التى جاءت ، بعد كثير من المشقة و" اللت والعجِن" مخيّبة لآمال الذين يعوّلون على فكرة انتقال النظام خطوة للأمام فى طريق بسط الحريات.
لا نحتاج لأن نؤكّد أو نعيد ماظللنا ترديده فى أهمية الدفاع عن حرية التعبير والصحافة، فى وطننا الذى يرزح تحت حكم نظام مُستبد وفاسد نهب خيرات البلد، بصورة غير مسبوقة، و قد وصل الفساد فى عهده أعلى المراحل، وصار يعلم به العالم أجمع، هذا الفساد الذى استشرى وأزكم الأُنوف، وماعاد حتّى أقرب الناس للنظام، وأكثر المدافعين عنه، ينكره، والمطلوب من المؤسسات الصحفية الحُرّة والمستقلّة، تمليك الصحفيين والصحفيات المزيد من المعارف والمهارات فى " الصحافة الإستقصائية "، وغيرها من المعارف فى الفنون الصحفية ، ومن المهم جدّاً الإهتمام بسلامة وحماية الصحفيين، لأنّ حماية الصحافة لا يُمكن أن تتأتّى بدون ضمان حماية الصحفيين والصحفيات، وعلى المجتمع الصحفى أن يضعه فى مقدّمة أجندته، لأنّه هو ومقاومة مصادرة الصحف واجب المرحلة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.