ضربت الكوليرا مناطق واسعة فى البلاد، ولم تكتف بولاية النيل الأبيض والزحف نحو ولاية الخرطوم، وكفى، ولكنّها اتسعت رقعتها لتصل ولايات أُخرى شمالاً وجنوباً وغرباً، فى غياب فعلٍ حقيقى من الدولة يوازى الفعل الذى أحدثه الوباء فى الناس، وكالعادة، واصلت الدولة التهرُّب من مسئولياتها فى حماية المواطنين، بدءاً من الإنكار السخيف، تلاه الإعتراف الخجول، ومحاولة اللجوء لتسمية الوباء بأنّه " اسهالات مائية "، والهدف من كل ذلك، أنّ عقلية السمسار تخشى إن أعلنت ( الكوليرا) بإسمها ورسمها المعروف، سيترتّب على ذلك، إجراءات قد تطال الإقتصاد، وحركة الصادر، وهو الأهم، عند الجماعة أكثر من حياة الناس، وهذا لعمرى لبؤس شديد فى التفكير والتدبير. وبمناسبة الصادر، فإنّ جريمة تصدير إناث الأنعام، مازالت مستمرة، وهى فى ازدياد، وبمتوالية متصاعدة، وقد قرأنا فى الصُحف تداعياتها، وراينا كيف تتصارع مراكز القوى، فى النظام فى الإلتفاف على القوانين واللوائح والأوامر الواضحة، بتصدير إناث الضأن " النعاج"، لمصلحة " القوى الامين "، وكيف تغادر " إناث الإبل " البلاد، رغماً عن أنف الشرطة والنيابات، ومنفذى القانون!
غابت الدولة - كعادتها- غياباً كاملاً عن مواجهة الكوليرا، وشهدنا غياباً ملحوظاً لحزب السلطة ومؤسساته الشبابية والنسائية، وفى الجانب الأخرمن المشهد، حشدت قوى المجتمع المدنى من أطباء ومنظمات مجتمع مدنى ومواطنين عاديين جهودهم، فكان الحضور الكبير للأطباء ممثلين فى نقابتهم الشرعية، وتجمعاتهم الفئوية، فشكّلوا جبهة مقاومة ملهمة، معتمدين على تراثهم فى العمل المجتمعى الخيرى، وخبراتهم فى مكافحة الأوبئة، وتجلّت إرادة الخلق والإبداع فى قطاعات الشباب - من الجنسين- فجعلوا من طاقات " الميديا الإجتماعية " منصة عالية لتقديم النصائح والإستشارات الطبية، إلى جانب دورها فى نشر المعلومات والأخبار، وشكّلت أحزاب المعارضة الحقيقية حضوراً نوعياً فى التوعية والتصدّى للوباء، وفى مقابل هذا تواصل وزارة الصحة الإتحادية تصريحاتها السالبة، وبعد لأى و " جرجرة " و بعد " خراب سوبا " يضطر الوزير المركزى للإعتراف بالوباء الخطير، مع اصرار غريب على التسمية " المضلّلة "، ولا ينسى - الوزير أبوقردة- أن يعبّر عن العداء الحكومى المعروف والمستدام للميديا الإجتماعية، فيطالب سيادته ( الناس ) " بأخذ المعلومات عن المرض من ( مصادرها ) وليس ( الواتساب )" وهو حديث مردود، لأنّ الدولة الأمنية تعرف كيف تُخبّىئ المعلومات الحقيقية بخبرتها الطويلة، بوضع بوابات كابحة، يُمنع الحديث للميديا عبر قنوات أُخرى دونها، ويُطلق على المُتحّث بإسمها " الناطق الرسمى " وهو فى الحقيقة " الصامت الرسمى "، مُضافاً إلى ذلك سطوة جهاز الأمن وسيطرته على الصحافة والإعلام، وتوجيهاته المانعة، فيما يُعرف بالـ( خطوط الحمراء)، وهذا أمر أصبح من المعروف بالضرورة لراعى " النعاج " فى الخلاء.
فيما تواصل دولة الإنقاذ وحكومتها وجهاز أمنها القمعى، سياسة فرض " الإظلام الإعلامى "، نجد دولة جنوب السودان وحكومتها تتعامل مع وباء الكوليرا بصورة مغايرة ومختلفة، فتعترف بالوباء، وتنشر الحقائق عن المرض بكل شفافية، و تُناشد الشركاء المحليين والخارجيين بالمساعدة المطلوبة، وهو نهج صحيح فى التعامل مع الأزمات، وبخاصّة الأزمات الصحية، فهل تتعلّم حكومة السودان من حكومة جنوب السودان هذا الدرس؟
نختم بالقول، على المجتمع المدنى بكل فصائله مواصلة جهوده فى نشر الوعى والتنوير بمخاطر وباء الكوليرا، ومساعدة المرضى، وكشف الحقائق، والبحث الجماعى عن أنجع السُبل لتحقيق المساعدة الفعلية للمرضى والمجتمعات التى تعانى من خطر هذا الوباء الفتّاك، والمطلوب من الصحافة أن تمتلك - ولو قليلاً - الجُرأة للقيام بدورها، لأنّ نشر الوعى واحد من واجبات الصحافة المحترفة. فهل نقوم بواجباتنا تجاه شعبنا، بعيداً عن " الدغمسة " الحكومية ؟ .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////