من الواضح، أنّه ليس من الحكمة والعقل، أن ندخل فى جدال سفسطائى مع السلطة وآلتها الإعلامية، وأبواقها الصحفية، حول تجربة العصيان المدنى، أو مشروعيته، و لا مدى نجاح تجربتى عصيان نوفمير وديسبمر 2016، وإن كان قد نجح أو حقّق أغراضه أو بعضها، ام لا ؟ الثابت أنّه ليس من الحكمة أن نناقشهم عن نسبة النجاح والفشل، لأنّ الحُكم المُطلق - الأوّل والأخير - على هذا الموضوع، من وجهة نظر السلطة، أطلقه الرئيس البشير، حين قال لصحيفة ( الخليج ) الأماراتية فى حوار حول الشان السودانى: " العصيان المدنى فاشل مليون بالمئة" وكان هذا التصريح الصحفى، بمثابة " توجيه" رئاسى ، حازم وقاطع، للتعامل مع القضيّة إعلامياً، إنطلاقاً من محطة التشكيك والنفى والإنكار، ولهذا يصبح من العبث والجنون، أن نتحاور مع الخطاب الإعلامى الذى، أطلقه الرئيس من منصّات أُخرى، وهى لغة وخطاب يعف اللسان عن ذكرها أو وصفها، وقد جاءت على الهواء مُباشرة حول " المطالعة"، و الدعوة لـ(المنازلة ) فى الشوارع، والتهديد والوعيد بإستخدام القوّة ضد المتظاهرين، والتحرض على القتل خارج القانون، والتذكير بتجارب حديثة، من عنف الدولة، وتعاملها بالقتل والسحل، مع الحق فى التظاهر السلمى، و فى هذا وذاك، إشارات واضحة لأحداث إنتفاضة سبتمبر 2013، وفى الحقيقة، هذه اللغة ليست غريبة على الإنقاذ، وليست جديدة عليها، وعلى خطابها الإعلامى، وقد سبقها من قبل الخطاب، الأمنى، بـ" قطع أوصال" مؤيدى المحكمة الجنائيّة الدولية، يوم أن كان صلاح قوش مديراً لجهاز الأمن!. نقول هذا، ونعيد قراءة بعض التصريحات الصحفية، لأنّه يصعُب الإحاطة بها كُلّها، فهناك تصريحات صحفية منسوبة، لقيادات جاءت بهم الإنقاذ من المجهول، إلى المعلوم، فى أعلى مراتب السلطة والحكم، وبعض هذه التصريحات الصحفية، ينفى وجود معتقلين سياسيين، وبعضها يتحدّث عن الرخاء والإستقرار، وبعضها يحاول أن يدغدغ المشاعر الوطنية، ويُصوّر – للعالم الخارجى وللإستهلاك المحلّى- أنّ بقاء السودان، هو فى بقاء الإنقاذ، وان زوال هذا النظام، يعنى الصوملة، وإعادة إستنساخ تجارب دول الربيع العربى، وكل هذا وذاك، ليس - بالضرورة - صحيحاً !. 

لهذا كُلّه، نجد أنّه من الأفيد أن نوجّه خطابنا حول تقييم تجربة العصيان المدنى، للشعب السودانى وللقطاعات المُجتمعية الفاعلة التى شاركت وساهمت فى عصيان 19 ديسمبر 2016، فى الخرطوم، وفى المدن التى يرزح سكّانها تحت وطأة الحروب والدمار، وفى مناطق ومعسكرات النزوح، ونخص هُنا المجتمع الصحفى الذى، تعاظمت فى الفترة الأخيرة حالة الجنون الامنى، ضد صحافته المكتوبة، فتصاعدت وتيرة المصادرة الأمنية للصُحف - بعد الطبع- ومع ذلك، دخل الصحفيون والصحفيات، ساحة النضال والتضامن والمناصرة، والتحدّى بـ( إعلان ) الموقف من العصيان المدنى، عبر حملة التوقيعات، المنشورة، وهى مرحلة مرحلة جديدة، سيكون لها – حتماً – ما بعدها، بتراكم الخبرات والمعارف والتجارب النضالية، ولن يغيب عن البال – ونحن ندخل منطقة جديدة فى النضال، التفكيرفى تمكين ( الصحافة البديلة )، وبناء وتطوير القدرات، فى استخدام ( الميديا الإجتماعية)، بوسائطها المتعدّدة، وهناك خبرات ومعارف ومهارات حول ( التامين الرقمى )، لا بُدّ من إجادة التعامل معها، و تجارب الشُعوب، أثبتت أنّ سلاح الكلمة أقوى من كل أشكال عنف السلطة، وهذا هو الدرس الذى علينا أن نتعلمه، من تجربتنا السودانية، وتجارب الشعوب الاخرى.
لشعبنا العظيم، ولهؤلاء وأولئك المؤمنين بحتمية التغيير للأفضل، وبمستقبل أنضر للوطن، وبحتمية سقوط وهزيمة الأنظمة الشمولية، والدكتاتورية، عبرالوسائل السلمية، نقول ما قاله المهاتما غاندى " فى البدء يتجاهلونك، ثُمّ يسخرون منك، ثُمّ يحاربونك، ثُمّ تنتصر " !.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.