ظلّ معرض الخرطوم الدولى للكتاب، فى عصر الإنقاذ مناسبة كُبرى لممارسة أكبر انتهاكات للحق فى ( التعبير ) والحق فى( النشر)، ففى كل دوراته السابقة، تمّت مصادرات كُتب، ومطبوعات، من صالات العرض، وقد تمّت أمام أعين الجمهور، وبصورة مكشوفة ومفضوحة، سبقتها - فى فترة التجهيزات - إصدار قوائم بالكُتب والعناوين الممنوعة، والتى لم يُسمح لها مُسبقاً الوصول لمنافذ التوزيع، فى أرض المعرض، وهناك دُور نشر معروفة، ظلّت مُستهدفة، 

 لتبقى فى خانة (( الممنوع )) فى التواجد فى ( الخرطوم )، ولن نُحيل الوزير لسنوات مضت، لإرشيف توثيق الممنوعات والمُصادرات، فى معرض الخرطوم، إنّما سنُعيد للأذهان - للتذكير فقط - بعض ممّا تمّ فى العام الماضى - 2015- من حجرٍ ومنعٍ و مصادرة لحرية الرأى والتعبير والنشر، حيث شهدت الدورة الحادية عشرة حملة (( مُصادرات )) و(( منع ))، مُكثّفة، نورد منها - على سبيل المثال لا الحصر- مصادرة " ستّة عناوين " من (( دار أوراق للنشر والتوزيع))، من بينها رواية " سيرة قذرة " لمحمد خير عبدالله، و رواية " ساعى الريال المقدود" لمبارك أردول، و رواية " هل أخطأ السلف " لمحمد بدوى مصطفى .. وكذلك ( منع ) روايتى " أسفل قاع المدينة " لإيهاب عدلان، و " بستان الخوف " لأسماء عثمان الشيخ .. وهذه الممنوعات، والمصادرات، تمّت بحق مواطنين سودانيين، أُنتهكت حقوقهم الدستورية، فى التعبير، أمّا العناوين الأجنبيّة، فـ(الوزير و لجانه أعلم )، بما تمّ من منع ومصادرات، و تحذيرات وتنبيهات، و ما تمّ من ترغيب وترهيب، لدور النشر والتوزيع، فى أثناء مرحلة الإجراءات لقبول طلبات المشاركة فى المعارض... وهذا حديث يطول !.
هذا العام، تشهد الخرطوم المعرض ( الدورة الثانية عشرة ) فى الفترة بين 17 – 29 أكتوبر 2016، وقد سبق ذلك بيومٍ واحد تصريح صحفى منسوباً لوزير الثقافة، الطيب حسن بدوى، فى مؤتمر صحفى، عُقد يوم الأحد 16 أكتوبر الجارى، ننقل التصريح لأهميته، وللتوثيق : " وجّه وزير الثقافة الطيب حسن بدوى، الجهات المشرفة على الدورة الثانية عشرة لمعرض الخرطوم الدولى للكتاب، بعدم مُصادرة أىّ كتاب فى المعرض، إلّا بعد الرجوع إليه شخصياً "، وقال الوزير فيما قال " أنّ المعرض مفتوح لكل دُور النشر دون حجر على أىّ دُور".
لا نُريد أن نزحم القُرّاء بمسائل جانبية، مرتبطة بالمعرض، رُغم أهميتها، مثل رسوم الإشتراك بالمعرض، ولا " الترتيبات " و لا " التجهيزات" ، ولا بالحديث عن جعل المعرض مناسبة للدعاية و الترويج " لمؤتمر الحوار الوطنى لـ(( حوار الوثبة))، وقد قال الوزير - بعظمة لسانه- فى مؤتمره الصحفى: " أنّ المعرض يُعد المشروع الأكبر بعد انتهاء الحوار الوطنى" ، مُشيراً إلى " أنّ الخرطوم أصبحت من المُدن التى تكتُب وتطبع وتقرأ، بعد أن كانت تقرأ فقط" وفى هذا إشارة للمقولة التاريخية، المعروفة، وسنتجاوز كل هذا وذاك، لنركز على وعد الوزير و تعهُّده، وهو تعهّد " منقوص " (ظاهره رحمة، وباطنه، عذاب)، فقد منح الوزير نفسه، وشخصه، السلطة الوحيدة، التى تُقرّر فى مصير الكتاب، فبدلاً من أن أن يُعلن الوزير، بصورة واضحةٍ لاغُموض ولا لبس فيها، عن (( عدم مصادرة الكُتب ))، جعل من نفسه، وشخصه، " مرجعاً " - أوّلاً و أخيراً- للموافقة على المُصادرة أو رفضها !. وهُنا من حقّنا أن نتساءل : وماذا لو قامت جهات بمصادرة كتاب أو كُتب دون الرجوع إليه ؟ !. تُرى هل نعتبر أنّ المصادرة، تمّت بموافقة الوزير؟ . وهاهى الأخبار المؤكدة والموثوقة، تترى، من أرض المعرض، عن مصادرة رواية الكاتب الكولمبى غابرئيل غارسيا ماركيز (( الحب فى زمن الكوليرا))، قبل أن يجف الحبر الذى كُتب به تصريح الوزير!!.. كما من حقّنا أن نتساءل عن المعايير، التى تتم بها المُصادرة، والمنع، سواء عبر اللجان، أو أفراد " المُصنّفات" أو بإيعاز من " الجهات الأُخرى "، وأن نتساءل عن مشروعية، أن يقوم شخص – حتى وإن كان الوزير- أو جماعة أو هيئة أو لجنة، بالتفكير نيابة عن القُرّاء، وتحديد ما ينفعهم، وما يضرّهم من الأفكار والآراء والروايات والكتب ...إلخ !.
فليكن، مقالنا هذا، بمثابة بلاغ للناس - وللوزير- عن المصادرة الأولى، و لا نريد أن نستبق الأحداث، حول مُسلسل مُصادرة الكُتب، من المعرض، وهى بمثابة " رقابة بعدية "، أو منع التصديق بعرض " بعض " الكُتب فى مراحل ما قبل إفتتاح المعرض رسمياً للجمهور، أو " الرقابة القبلية " ؟!..و سننتظر - مع الجمهور - نهاية المعرض، لنعود للوزير، و تعهداته، وعندا سيكون لكل حدثً حديث !.
بلا شك، فإنّ مواسم معارض الكُتب فى البلدان والأقوام الأُخرى، وفى العواصم المُتمدّنة، هى بمثابة أعياد ينتظرها محبّى القراءة والتنوير، ويحكم عليها التاريخ، من نوعية وكمية الكُتب المعروضة، وكذلك المبيعات، والأنشطة المُصاحبة، وهى مناسبات ثقافية كُبرى، تعود للأفراد والجماعات والدول، بخيرٍ وفير، أمّا معرض الخرطوم الدولى و " مخرجاته "، فحدّث ولا حرج !.. وحتّى إشعار آخر، دعونا، ننشد مع المتنبىئ، أبيات من بعض أشعاره الخالدة : " عيدٌ ..بأىّ حالٍ عُدت يا عيد.. بما مضى.. أم لأمرٍ فيك تجديد " !.
فيصل الباقر
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.