فى اليوم التاسع والعشرين من شهر سبتمبر 2016، اطلقت منظمة العفو الدولية " أمنيستى إنترناشيونال" ، تقريراً نوعياً خصّصته للسودان، إتّهم التقرير الحكومة السودانية، بإستخدام أسلحة كيميائية فى دارفور. وبلا أدنى شك، فإنّ أىّ قراءة مُتأنّية، وموضوعية للتقرير، تُرجّح الإفتراض القائل بأنّه تقرير مخدوم ، وعلى درجة عالية من الدقّة، والمصداقية، سيّما أنّ اعداده استمرّ ثمانية أشهر، وأنّ ( أمنستى ) ارسلت نسخةً من تقريرها إلى الحكومة السودانية، ولكنّها لم تتلقّ أى رد منها، وهى عادة مُتأصلة فى تعامل الحكومة السودانية، مع تقاير حقوق الإنسان، وقد كشف هذا التقريرالنوعى عن عمليات " حرق أرض، وإغتصاب جماعى، وقتل وتفجيرات " فى منطقة جبل مرّة فى دارفور، وجميع هذه المزاعم، موثّقة بصورة دقيقة، بحيث يجعل من الإتهامات، مسألة تستحق الإهتمام، وتُحتّم التفاعل الإنسانى، مع ضحايا تلك الإنتهاكات الفظيعة، وتؤيّد المُناداة بالتحقيق الأممى والدولى المستقل والعاجل، فى الإتهامات التى جاء بها التقرير، وبخاصّة أنّ السودان موقّع على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وهذا يُحتّم على الحكومة، الإلتزام بتلك الإتفاقية. 

كعادتها إكتفت الحكومة بالإنكار المُتعجّل، والنفى المجّانى، والتقليل والتبخيس من استنتاجات التقرير، وقد جاءت بذات العبارات واللغة التى ظلّت تُقابل بها الحكومة كُل تقارير منظمات حقوق الإنسان، فوصفت ردود الفعل الحكومية، التقرير بأنّه " غير صحيح ومُفبرك" ، فقال المتحدّث بإسم الخارجية السودانية قريب الله الخضر للـ(بى بى سى) إنّ المنظمة " استندت على معلومات خاطئة ومغلوطة، بغرض تشويه سمعة البلاد"، ومضى فى ذات الإتجاه وزير الخارجية السودانية ابراهيم غندور، الذى التقاه مراسل قناة الجزيرة " الإنجليزية " فى مقر الأمم المتحدة، فى نيويورك، بعد ساعات قلائل من نشر التقرير، تبعه المندوب الدائم للسودان، مُدشّنين بذلك، حملة الإنكار، بأقوال مُتعجّلة، مأخوذة من حزمة " ردود جاهزة " وتبريرات فطيرة، درجنا على سماعها، بذات العبارات، ونفس النغمات، والنبرات الخطابية، منذ عشرات السنوات، فى الرد على أىّ مزاعم بإنتهاكات حقوق إنسان فى السودان.
محليّاً - أو سودانياً- حصل تقرير أمنستى على تفاعل ممتاز، من منظمات المجتمع المدنى السودانى، وناشطى وناشطات حقوق الإنسان، فى الوطن والمنافى، وأصدرت العديد من تجمعات السودانيين فى الدياسبورا، بيانات، مُطالبة بالتحقيق الدولى، ومُندّدة بالوحشية التى ظلّت تنتهجها القوات الحكومة، فى دارفور، كما فى غير دارفور، فى منطقتى النيل الأزرق وجنوب كردفان، حيث هناك مزاعم وشواهد كثيرة لإستخدام ذات الأسلحة الكيميائية فى المنطقتين، كما حصل التقرير على مقروئية عالية، فى وسائط الميديا الجديدة، والميديا الإجتماعية، ودخلت المعارضة سباق إعلان المواقف، والتنديد بإستخدام السلاح الكيميائى فى دارفور، وقد اعاد هذا الحراك، قضيّة دارفور، وإنتهاكات حقوق الإنسان، المستمرة فيها، إلى الواجهة، بعد أن أعلن النظام السودانى، إنّ ملف أزمة دارفور قد طُوى، وأنّ السلام قد حلّ بالإقليم، وهذا إدّعاء حكومى، لم تثبت صحته بعد، بل، اتّضح خطله تماماً، إذ مازالت الأزمة فى دارفور تُراوح مكانها.
عالمياً، بادرت فرنسا بالمطالبة بالتحقيق الدولى، وسارعت على إعلان موقفها، وهذا مؤشّر جديد بأنّ العلاقة بين " باريس" و" الخرطوم"، تتّجه نحو مواجهة جديدة، ومن المتوقع أن يفتح ذلك، جبهات جديدة على نظام الإنقاذ، فتدخل للساحة دول أُخرى، فى المطالبة بالتحقيق الدولى، فى الإتهامات، التى حملها تقرير أمنسيتى، وحتماً، سينتقل ملف حقوق الإنسان فى السودان إلى منطقة جديدة، ومرحلة جديدة، إذا ما أثبتت التحقيقات الأممية، صحّة مزاعم استخدام أسلحة مُحرمة دولياً فى النزاع المُسلّح والأزمة المستمرة فى دارفور...بلا شك، فإنّ كل هذا وذاك، يؤكّد أن منهج الحكومة السودانية فى إدارة الازمة فى دارفور، يُعانى من خلل فى التفكير الحكومى، بتغليب الحل العسكرى الأمنى، وإن أدّى ذلك فى الدخول فى المحرمات، وإلى مواجهة جديدة مع العالم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.