أصدرت المحكمة الإفريقية الخاصة، يوم الإثنين 30 مايو 2016، حكمها القاضى بإدانة الرئيس التشادى السابق حسين حبرى- ينطقها البعض هبرى- بإرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم تعذيب، وحكمت عليه بالسجن المؤبّد، وتبقّى أمامه " خمسة عشر يوماً " للطعن ضد قرار المحكمة، و قد جاء ذلك الحُكم بعد سلسلة طويلة من الإجراءات والتداعيات، والإنتظار الطويل، للإنصاف، خاصّة من أهالى الضحايا، والناجين، الذين لم يفقدوا الأمل يوماً فى تحقيق العدالة، وقد بقيت بجانبهم، منظومة حقوق الإنسان، تدعم جهود المناصرة، وتطرق على المسألة، بصبرٍ وثقة، تستحق التقدير والإحترام.
بهذا، تفتح محاكمة حبرى " إفريقياً "، باباً جديداً من التساؤلات المشروعة، حول سؤال العدالة والمساءلة والإنصاف، وجبر الضرر، فى القارة الإفريقية، التى بقيت على مدى عقود مسرحاً للإفلات من العقاب، والحصانات، وبلا شك فإنّ هذا المناخ، شجّع كثيراً على  مواصلة إنتهاكات حقوق إنسان، ممنهجة، يندى لها الجبين، ويتحمّل وزر إرتكابها، والمسئولية القانونية والإخلاقية فيها، رؤساء مازال بعضهم  يتربّع على دست الحكم، وغيرهم باتوا  فى مأمنٍ من المُساءلة لتمتُّعهم بمزايا "  الرؤساء السابقين "، وفق الحصانات الدستورية التى نظّروا لها، ورسّخوها على أرض الواقع، على مدى عُقود طويلة، من قهر الشعوب، فى قارّة شهدت، جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم تعذيب، مازال مرتكبوها يرزحون فى نعيم السلطة، دون مُساءلة، و لا حتّى " وخزة ضمير"، فيما بقى الملايين من الضحايا، فى بؤسٍ ينتظر بعضهم عدالة السماء، بعد أن صعُب - أو كاد يُغلق  - أمامهم، طريق عدالة الأرض!.
المسألة المرتبطة بالعدالة فى إفريقيا، ومنها العدالة الوطنية والدولية والإنتقالية، ظلّت محل جدال وصراع طويل، وهاهى العدالة القاريّة، تدخل حلبة السباق، فى الوقت الذى ظلّت مسألة العدالة الدولية مُمثّلة فى (( المحكمة الجنائية الدولية ))  تشهد حالة إستقطاب حاد، بين النُخب الإفريقية، بين مناصرة ومناصرة مُضادّة، حيث يُحاول " مُنتهكوا حقوق الإنسان" فى إفريقيا، االترسيخ، لإدّعاءات و أكاذيب بلغاء، مفادها أنّ (( المحكمة الجنائيّة الدولية)) تتعارض مع مبدأ السيادة الوطنية، وتستهدف القادة الأفارقة، لشىء فى نفس يعقوب " الغرب"، و قد وصل الأمر لحد أن بعض الرؤساء الأفارقة - مازالوا يواصلون الترويج والدعاية / البروباقاندا، ضد (( العدالة الدولية)) ، وبخاصّة ((المحكمة الجنائيّة الدولية)) ، ويُحاولون تصويرها بأنّها واحدة من أدوات " الإستعمار الجديد "!.
قصّة محاكمة الرئيس التشادى االسابق، فى السنغال، من " ألفها إلى ياءها"، وبكل تجاذباتها المحلية والإقليمية والدولية، تصلُح لأن تكون واحدة من القضايا، التى يتوجّب علينا -  وبخاصّة فى حركة المدافعين عن حقوق الإنسان والصحافة الحُرّة والمستقلّة - فتح النقاش حولها، وهى بلا شك - حتّى أشعار آخر- حالة إستثنائيّة، لا يُمكن الحكم المُتعجّل، عليها أو لها، ولكنّها محطّة، من محطات البحث الهامّة، عن تحقيق العدالة والإنصاف، وجبر الضرر، ومازال مشهد إدخال - المُتّهم حسين حبرى -  إلى قاعة المحكمة، بقصر العدل بداكار، بالقوّة، مخفوراً، ليمثل أمام المحكمة الإفريقية، التى أنشأها الإتحاد الإفريقى، بموجب إتفاق مع السنغال، التى وصلها فى حالة كونه " لاجئاً "، فى ديسمبر 1990، بعد أن أطاح بحكمه، أحد أقدم مساعديه- الرئيس التشادى الحالى إدريس دبّى – بعد توليه ارئاسة تشاد  لثمانية أعوام، من 1982 إلى 1990.
إنّها قصّة، ينبغى أن يتعلّم منها - أوّلاً وأخيراً- الحكّام الأفارقة، الذين يواجه بعضهم، العدالة الدولية، ويبقى الأهم - من قبل ومن بعد- مُناصرة الشُعوب، والدفاع عن الضحايا، ومواصلة النضال ضد إنتهاكات حقوق الإنسان، فى مقام الجلوس فى مقاعد مساعدة المنتهكين على الإفلات من العقوبة، فهل من صحافة جديدة وبديلة، تقوم بمهامها، رغم القمع والتنكيل؟!.   

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.