أبدأ كلامى وحديثى - وهو مكتوب - وعنوانه (( رحيل الأسرار : بين فضائين - حسن الترابى ( 1 فبراير 1932- 5 مارس 2016) نموذجاً )) ، بأنّه  محاولة صحفية، تنبُع من تتبُّع عاجل وسريع على طريقة المسح الضوئى لدور الصحافة والصحفيين فى نقل الأخبار، وفتح المجال لتصبح الصحافة " منصّات إعلامية " حُرّة لعرض وعكس ونشر الرأى والرأى الأخر، وتوثيق الأحداث الصُغرى والكُبرى على هُدى القاعدة الصحفية " الخبر مُقدّس والرأى حُر "، و دور الصحافة والأفراد والجماعات فى ممارسة حقّهم فى التعبير، والإمتناع فى ذات الوقت عن ممارسة الدعوة للكراهية والعنف والتطرُّف، وفى  مُقاومة خطاب الكراهية، أرجو مراجعة تعريف مُصطلح " خطاب الكراهية "  " . وبإختصار كيف للصحفيين والكُتّاب الصحفيين والكُتّاب، والقادة السياسيين والمُجتمعيين والدينيين، وغيرهم، والجمهور بصورة عامّة، الإنتباه للمعايير المطلوبة فى التعبير عن حرية التعبيرو الرأى وإحترام الخصوصية ؟.
لا شك أنّ حديثى اليوم مبعثه ومبتغاه  تذكير النفس والآخرين، ونحن فى مقام الموت وأخذ العبرة والإعتبار، بضرورة التمييز بين نقد الشخصيات العامّة ، والتعريض بها، والتفريق بين حريّة الرأى والتعبير، وعدم الوقوع فى فخاخ ممارسة خطاب الكراهية، والإساءة والتجريح.
منذ أن رحل الدكتور حسن الترابى، فى مساء يوم 5 مارس 2016، لاحظنا أنّ  خبر وفاته، حظى بتغطية خبرية صحفية محلية وعالمية، عالية، وبما أنّ الدكتور حسن الترابى، شخصيّة عامّة، لعبت أدواراً على مستوى السياسة والفكر والأحداث فى السودان، فى أزمنة مختلفة، كان من الطبيعى، والضرورى، أن يحتل خبر وفاته مساحة كُبرى فى الصحافة الرسمية والجديدة، والبديلة، و الميديا الإجتماعية، بوسائطها المختلفة، فقد ظلّ الدكتور الترابى، طيلة حياته السياسية فى قلب الأحداث والاخبار، وبقى إسمه مرتبطاً دوماً، بجدلٍ ساخنٍ وكثيف، ومصدر كُل ذلك، الآراء الداوية والجريئة التى يُطلقها، والمواقف ليست المألوفة التى يتّخذها، وبلا شك فإنّ مثل هذه الشخصيات - المثيرة للجدل- تكسب أعداء وخصوم، بقدرما تكسب، أصقاء ومُحبّين، ومن حق الناس فى / ومن المعسكرين،  أوخارجهما التعبير عن آرائهم ، ولكن وفق المعايير المعروفة، ومُراعاة مشروعية الإختلاف.  
حديثى عن وفاة الدكتور حسن الترابى، فى هذا اليوم ، سيكون موجّهاً فى فضائين، خاص وعام، فى الخاص، واجب التوجُّه لأسرته وعائلته الصغيرة، من زوجة وأبناء وبنات، و أحفاد، وعائلة ممتدّة، بأصدق التعازى والمواساة فى فقدهم الجلل، ولا أجد غضاضة أو حرجاً - هُنا، كما فى أىّ مكانٍ آخر- - فى أن أخُص بالعزاء تلاميذه  وعارفى فضله، وزملائه فى الفكر والسياسة، والتنظيم السياسى، ومن بينهم من جمعتنى بهم مواقف كثيرة فى الشان العام، فى " سرّاء " الديمقراطيات، و" ضرّاء " أزمنة الحُكم الشمولى، وهُناك " أيّام لها إيقاع "  وبخاصة ، فى الظروف الصعبة، وعلى سبيل المثال- لا الحصر-  كان لى رفقة مع زملاء المُعتقل " أبناء سجنتى " فى زنازين الأمن بسجن كوبر، حتماً ، ما يُعرف فى التاريخ السياسى السودانى بـ( المُفاصلة)- " وملح وملاح "،  فقد قابلت فى زنازين الأمن بكوبر، فى واحدةٍ من تلك الأيام، الأخ تاج الدين بانقا - وهو مدير مكتب الترابى حالياً- وبعد خروجنا من ضيق الزنازين، وصُحبة فئران السجن، إلى رحاب وإتّساع قسم العتقلين السياسيين بكوبر، زاملنا هناك لفترة من الزمان، " شعبيين"  منهم، حسن ساتى، موسى المك كور، بشير آدم رحمة، وغيرهم، وكان معنا فى تلك الفترة، معتقلين من أبناء دارفور، وشرق السودان، وبعض معتقلين من دول الجوار السودانى.
فى الخاص والعام، تعرّفت على الأخ والإنسان الخلوق صديق حسن عبدالله الترابى، بالتحديد، بواقع الجيرة الجغرافية، ثُمّ تطوّرت العلاقة وتمتّنت بيننا،  فى فضاء الشأن العام، حينما كان يمدّنى بقوائم و أوضاع وحالة المعتقلين السياسيين من حزبه، بوصفى صحفياً يُمكن الوثوق فيه، و ناشطاً فى حركة حقوق الإنسان، وهناك آخرين وأُخريات قابلتهم فى الشأن العام، بُحكم عملى فى الصحافة وحقوق الإنسان، منذ أيّام صحافة الديمقراطية الثانية، حيث كنت أعمل فى جريدة ( الميدان ) وكان لى زملاء مهنة فى ( الراية)، وبلا شك تطوّرت علاقة الزمالة مع البعض، لتصبح صداقة، ممتدة حتّى يومنا هذا، وعليه، فهؤلاء، وأولئك يُحتّم الواجب الإنسانى، مواساتهم، فى فقدهم، وأن أقرأ معهم على روحه الفاتحة.  
أشرت من قبل للقاعدة الذهبة " الخبر مُقدّس والرأى حُر" ، وعليه، لا أرى مانعاً فى أن أقوم بواجبى المهنى، فى نقل الأخبار، وفى ذات الوقت، أن أصدع بالرأى إتفاقاً كان أو إختلافاً مع أفكار وآراء ومواقف السياسى، حسن الترابى، وفى البال، أنّ فى كُل ما كُتب، وما قيل وما سيُقال، هناك أسرار، حتماً رحل صاحبها، قبل أو دون  أن يُحدّث عنها، وهذا هو دور الصحافة، ودور تلاميذ الدكتور الترابى، فى وضع الكثير من الحروف فى الزوايا التى تُركت برحيل صاحبها فى العتمة، مازالت تحتاج لإضاءات ، وهذا الأمر يتّسع ليشمل كل القادة السياسيين من جيل الترابى، فمنهم - حتماً- من رحل بأسرار، الواجب أن يعرفها الرأى العام، وهذا هو المطلوب.    
فيصل الباقر
 نيروبى – 13 مارس 201

ملحوظة : أُلقيت هذه الكلمة فى حفل حفل تأبين أقامته مجموعة من السودانيين بكينيا، فى فندق لايكو- ريجنسى/نيروبى يوم 13الأحد مارس 2016.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.