الإضراب عن الطعام، ليس غاية فى حدّ ذاته، ولكنه وسيلة معروفة ومُجرّبة، من وسائل المقاومة السلمية، والإحتجاج على المظالم، وهناك تجارب عالمية مشهودة، وموثّقة، وتجربة وخبرة سودانية، مُتراكمة، عالية التقدير. ولن نُطيل فى السرد والحكى، فى إالتذكير بالنماذج، عالمياً وسودانيّا، وسنكتفى - هنا - بتجربتين حديثتين سودانيتين خالصتين، الأولى نفّذتها ناشطات من أُسر معتقلين سياسيين، والثانية، نفّذها صحفيون.
فى يوم الحادى والعشرين من شهر أكتوبر 2013، ( لاحظ/ى دلالات اليوم )، دخلت مجموعة من ذوى المعتقلين من النشطاء السياسيين ( نشطاء الحركات الشبابية) ، وكانت مطالبهم/ن هى الإفراج الفورى عن المعتقلين السياسيين و وقف الإعتقالات التعسفية، وتقديم من قتلوا المتظاهرين فى أحداث سبتمبر 2013، للمحاسبة فوراً، وإيقاف التعتيم الإعلامى وضمان حرية الصحافة. وقد حقّق الإضراب بعض غاياته، وأهمّها التعجيل بإطلاق سراح معتقليهم، فيما مازال النضال مستمرّاً وجذوته مُتّقدة، لتحقيق الأهداف الأُخرى، ولو بعد حين.  
كان من بين أبرز المضربين عن الطعام - وقتها-  الناشطة ساندرا كدودة، زوجة المعتقل أمجد فريد، وتغريد عووضة زوجة المعتقل مهيد صديق، و معهن والدة المعتقل محمد حسن عالم ( البوشى) ، وقد وصل مجموع المضربين عن الطعام فى تلك الحملة 43 شخصاً، تضامن معهم نشطاء وناشطات خارج السودان، بتنظيم إضراب عن الطعام، و إعتصام أمام البيت الأبيض الأمريكى، ويومها حاول جهاز الأمن السودانى، عبر الرقابة الأمنية، فرض التعتيم الإعلامى، على ذلك الإضراب، بمنع وتخويف الصحافة الرسمية والمطبوعة، بشكلٍ خاص، من التغطية الحُرّة والمُستقلّة، للإضراب، فيما عجز عن تحجيم دور الصحافة الإلكترونية وبطبيعة الحال، الميديا الإجتماعية، وهاهى الأيّام تدور، ليدخل الصحفيون، فى إضرابٍ عن الطعام، وحتماً، لن يعدموا الحيلة، ولا الوسيلة التى يوصلوا بها أخبار إضرابهم للرأى العام.
وفى اليوم الأوّل من شهر مارس 2016، نفّذ صحفيوا جريدة (التيار)، " 30 صحافياً وصحفية" إضراباً مفتوحاً عن الطعام، رتّبوا له بتنظيم عالى الهمّة، وحشدوا  له تضامن ومساندة الرأى العام المحلّى والعالمى، عبرالإستخدام الأمثل للميديا - قديمة وجديدة- فى تجربة نوعية، فى المجتمع الصحفى، فى مقاومة الإستبداد الأمنى، الذى ظلّ ينتهك حريّة الصحافة والتعبير والنشر، فى السودان، بصورة ممنهجة، عبر الرقابة القبلية والبعدية ومصادرة الصُحف، وتعطيل صدورها وإغلاق دورها تعسُّفيّاً، وقد صل الصلف الأمنى إلى حد تجاهل حُكم و أمر القضاء، حتّى فى حال صدور حكم قضائى ببطلان، الإجراءات الأمنية ضد الصحافة، ( التيار ) نموذجاً.
 الجديد فى إضراب صحفييى (التيار)، أنّهم تلقُّوا وعوداً والتزاماً " مكتوباً " من شرطة الخرطوم بتأمين مقر الصحيفة خلال الإضراب، وهذا يُغلق الباب " فرضيّاً " أمام أىّ " بلطجة " مُتوقّعة، لفض الإضراب، عبر سيناريوهات، أُخرى، وقد كانت ( التيار) مسرحاً لعملية إقتحام مُسلّح، إنتهت بضرب رئيس تحرير الصحيفة ومالكها، وصحفيين آخرين، وسرقة ممتلكات، وفرار الجُناة من يد العدالة، نفّذتها جماعة قيل أنّها " مجهولة "، فشلت - للأسف الشديد - الشرطة والحكومة، حتّى الآن، من فك طلاسمها، أو القبض على الجناة وتقديمهم للمسائلة والمحاسبة والعدالة رُغم المُطالبة المُستمرّة من المجتمع الصحفى، والمجتمع بأكمله، بالتحقيق العادل والعاجل والنزيه فى تلك الواقعة.
إضراب صحفييى ( التيار ) تجربة تستحق التضامن، المتبوع، بالدراسة والتقييم الموضوعى للتجربة، وهو- من قبل ومن بعد- إضراب مشروع، يكفله الدستور، وتُكرّسه المواثيق الدولية، كونه وسيلة  سلمية، تستخدمها الجماعات والأفراد، ويُطالب عبرها بحقوق مسلوبة، وقد يختلف الناس فى تقييم إضراب الصحفيين، سلباً أو إيجاباً، وعلى تأثيره على مجرى الحركة الجماهيرية، وحق الصحفيين، فى إستخدام الأسلحة المشروعة، فى انتزاع الحقوق، ويبقى أنّه علامة فارقة فى نضال المجتمع الصحفى فى السودان، لإنتزاع الحقوق. فلنواصل النضال بكافّة أشكاله و سبله المشروعة، لإنتزاع الحقوق، وتسخين الأجواء لتحقيق التغيير.. وحتماً، ماضاع حق وراءه مُطالب.
فيصل الباقر
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.