بكل أسف، عادت عبارة (( حسم التمرد )) مرّة أُخرى، إلى الواجهة، وقد مللنا، و ملّ الناس- كل الناس-  وخاصة الضحايا والناجين- فى مناطق النزاع المسلّح، سماعها.وكُنّا قد سمعنا ذات العبارة، من قبل، مقرونةً بـ(دارفور)، وقبل ذلك بسنوات، فى ( جنوب السودان)، كما ظللنا نسمعها - مرّات ومرّات- مقرونةً بمناطق الحرب فى المنطقتين ( النيل الأزرق وجنوب كردفان) ، وهذا مؤشّر لحملات تصعيد جديدة، تُخطّط لها حكومة الإنقاذ، وتنوى تنفيذها على المدى القريب، والمتوسط والبعيد، فى مناطق النزاع المُسلّح، وهاهو شعار (( حسم التمرُّد)) " قبل نهاية الخريف "، وفى روايات أُخرى " قبل نهاية العام"،يطل برأسه من جديد!، وهذا وذاك كُلّه خطل وجنون، لا بُدّ من مواجهته، بتكوين وتفعيل أكبر ((جبهة للسلام والديمقراطية وإحترام وتعزيز حقوق الإنسان)). وعلى القوى المومنة بهذه القيم الخيّرة، تنظيم نفسها، لفرض إرادة السلام، فى وجه مجانين الحرب والدمار، فمناصرة قضايا السلام فى السودان، فرض عين على الجميع، فى قوى المجتمع المدنى، والأحزاب السياسية، والقوى الحية فى المجتمع السودانى.
هاهو (إستفتاء دارفور)، المقرّر له أبريل المقبل، يصعد إلى حلبة المواجهة، بين القوى المؤيّدة لقيامه، والقوى الداعمة، لفكرة تأجيله، فيما تزعم الحكومة، أنّه وفاء بالعهود، والمواثيق، لكونه من مستحقّات إتفاقية أبوجا الموقّعة فى العام 2006، ترى " غالبية " الحركات الدارفورية المسلّحة، إن لم نقل أقواها، أنّ فى ذلك، إستباق مكشوف، لإتفاقية السلام التى يُمكن الوصول لها عبر عملية التفاوض التى - مازلات لم تراوح مكانها – منذ سنوات، فى الدوحة، أو فى غير الدوحة. والأعجب، فى الأمر، أنّ بعض الحركات المنشقّة من الحركات الأصل، والمتواجدة بصورة أو بأخرى، فى مؤتمر الحوار فى الخرطوم، صارت تدعم، قيام الإستفتاء، فى الموعد الذى قررته الحكومة، فيما، مازال بعضها مُتردّداً، فى إعلان موقف حاسم، بينما الحركات الكبرى، ترفض قيام الإستفتاء، بصورة واضحة، وحاسمة.
فى هذا الجو، المفُترض أن تقوم فيه الحكومة، بتهيئة المناخ السياسى، للإستفتاء، حول المصير الإدارى للإقليم، تأتى – من أعلى هرم السلطة- للأسف، إشارات وشعارات و توجيهات، بل، و أوامر، مواصلة الإحتراب والعنف، وإعلان موسم العمليات العسكرية، إذ يأتى التبشير بحملات (( حسم التمرّد ))، وهذا وحده، لكفيل بنسف الإستفتاء، وجعله فى عداد المستحيل، لأنّه ببساطة عملية تحتاج لسلام وإستقرار وتهيئة أجواء، ولا يمكن فرضها بقوّة السلاح والنار والبارود!.
فى هذا المناخ الملبّد بغيوم الإحتراب- فى دارفور وفى غير دارفور - يستجد طرح السؤال المشروع عن (( إستفتاء دارفور))، وإن كان تنفيذه فى الوقت الراهن، والإصرار الحكومى، على قيامه، يأتى كإيفاء بإستحقاق، أم كخطوة، تعنى إستباق الأحداث، بما فيها نتائج الحوار المزعوم فى الخرطوم.
الواقع يؤكّد أنّ قرار الحكومة، وإصرارها وشروعها فى تنفيذ إجراءات إستفتاء دارفور، فى هذا التوقيت غير المناسب إطلاقاً، يفتح أبواب دارفور،على نيران جهنّم إستمرار الإحتراب والإستقطاب والفتنة والمزيد من العنف والشرزمة..ومن حقّنا أن نسأل كيف يُقام و يُنظّم " إستفتاء" فى وجود معارك قتالية فى منطقة جبل مرّة وغيرها، وفى وجود عدم إستقرار تشهد عليه، إحصاءات أعداد النازحين الفارين من أتون الحرب، فى دارفور،  واللاجئين فى تشاد، إذ لا تزال دارفور، غير مستقرة أمنيّاً، وهذا ما يعرفه، رعاة الضأن فى الخلاء، وما يتوجّب أن يعرفه، متّخذوا القرار السياسى فى الخرطوم.. صوت العقل، يُنادى بإعادة التفكير والتدبير حول قرار تنفيذ إستفتاء دارفور، فى غياب سلام حقيقى، و هذا ما يجب أن تدركه الحكومة اليوم، قبل الغد، وقبل فوات الأوان !. فهل من مجيب؟!.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.