أثبتت أحداث الجنينة، أن (الصحافة البديلة) ، متمثلة فى الصحافة الإلكترونية السودانية " المواقع "، وصحافة المواطن، والميديا الإجتماعية (السوشيال ميديا)، لقادرة على تحقيق السبق الصحفى، ونشر الأخبار الموثوقة، بالسرعةٍ الفائقة، والمصداقيةٍ العالية، مُضافاً إلى أنّها إنتصرت فى معركة  التحرُّر من السيطرة الأمنية، ونجحت – بأمتياز- فى إختراق وتخطّى كُل الحُجب والأسوار الأمنية، المفروضة على (الصحافة التقليدية)، فأنتشرت مقاطع الفيديو ساخنة وطازجة، من موقع الحدث، لتؤكد الحقيقة الناصعة " ليس من رأى، كمن سمع"، فظهرت الحقيقة للناس، عارية من أىّ مساحيق إعلامية، وقبل أن تتمكّن الأجهزة الأمنية من طمس معالمها، بتوجيه (صحافة الأجهزة المُختصة)، بـ(دغمسة) الحدث، عبر تحديد محتوى الرسالة الإعلامية الرسمية المُفترض بثّها للجمهور، فلم يبق أمام (الصحافة الحكومية )، سوى السير فى طريق اللحاق بقطار الأخبار الواردة من الجنينة، والسعى لتهدئة الخواطر، وامتصاص الغضب الشعبى ، بالتركيز على ردود فعل الحكومة فى المركز والهامش، الذى تمخّض جبل تفاعله مع الأحداث، ليلد فأراً ميّتاً، فى شكل تكوين ( لجان )، فجاءت لجنة أولى شكّلها وزير العدل لتقصّى الحقائق حول أحداث الجنينة، ولجنة ثانيةأعلن عنها والى غرب دارفور، ومرّة ثانية شكراً للميديا الإجتماعية، التى تمكّنت من نشر وثيقة أمر تشكيل لجنة الوالى السباعية، عبر تطبيقات " الواتساب" وغيره، ليتّضح الهدف الرئيس من وراء تشكيلها، إذ خلا - للأسف الشديد- أمر تشكيلها من الإشارة - ولو العابرة- للقتلى والضحايا، فيما تمّ التركيز على " حرق ونهب ممتلكات منزل الوالى وأمانة الحكومة "، وإذا عُرف السبب، بطل العجب!. وليس بمستبعد أن يدخل البرلمان القومى، الخط، فى حُمّى اللجان، فيُشكّل لجنة ثالثة (برلمانية) ، ويبعث بوفد منه للجنينة، مصحوباً بـ(هيلمانة) إعلامية، تعود حتماً بـ( خفّى حُنين )، وهناك سوابق معروفة فى سفر لجان برلمانية، خرجت لـ(جهاد) التحقيق البرلمانى، فى أحداث مُشابهة، ولم تعد بعد!.

ما يهمنا فى هذه المرحلة لجنة وزير العدل - وهى برئاسة مستشار كبير وعضوية مستشارين آخرين، وممثلين من وزارة الدفاع والداخلية وجهاز الأمن والمخابرات الوطنى والمجلس الأعلى للحكم اللامركزى - التى قضى أمر تشكيلها بالقرار الوزارى ، أن تقوم " بتحديد الخسائر فى الأرواح والأموال "، على أن ترفع تقريرها للوزير خلال إسبوع من تاريخ بدء أعمالها....إلخ".... وأوّل ما يُعاب على هذه اللجنة، أنّها لجنة برئاسة " مستشار " وليس ( قاضى)، والفرق واضح بين ( الصفتين)، وكل ما نخشاه، أن تغرق - اللجنة- العدلية فى حصر الخسائر التى تعرّضت لها المبانى الحكومية، لتكون فى النهاية، إنّ المحصلة النهائية للحدث الكبير، تتلخّص فى أنّ المتضرّر الرئيس من هذه الأحداث هو الحكومة لتصبح الدولة هى ضحية  " التخريب "، و " الحرق " و " النهب " ، وعندها لن تعجز (حصافة) صحافة الأجهزة ، من إغراق المشهد العبثى، بأحاديث عن " العناصر المندسّة " و " مُثيرى الفتنة " و" المحرضين" و ستجد صحافة الأجهزة المختصة، من المسؤولين فى المركز والهامش، من يتبرعون بمدها بالتصريحات النارية، مع " شوية " حديث عن " ضرورة رتق النسيج الإجتماعى، وثقافة السلام !.

فى الجانب الآخر من المسرح، يواصل وزير الإعلام أحمد بلال، مسلسل تهديداته " العنترية " للصحافة الإلكترونية، فى إطار الحملة الإعلامية الأمنية المُعدّة مُسبقاً، لمحاربة الصحافة الإلكترونية والميديا البديلة والميديا الإجتماعية، وقد بدأ بالفعل، يرغى ويُزبد - كعادته- متوعّداً، خصمه اللدود، بالويل والثبور وعظائم الأمور، فقذف - إبتداءاً- بتهمةً " بث الأكاذيب وتهديد الأمن" ضد الصحافة الإليكترونية، والميديا الإجتماعية، وما هذا بجديد، على الوزير، فقد سبق أن أعلن فى أغسطس 2015، عن " إنشاء مجلس للإعلام الإليكترونى معنى برصد ومتابعة ما يُنشر على الإنترنيت "، وهاهو يستمر - بجرأة يُحسد عليها- فى العداء للصحافة الإليكترونية، ولكن هيهات !.

الواجب يُحتّم على الجميع، وبخاصّة الصحافة المحترمة، التركيز ( الأصول ) وليس (الفروع ) وعلى كشف ورفض وفضح (عنف الدولة )، وأجهزتها القمعية، فى أحداث الجنينة، وهو العنف الرئيس الذى تسبّب فى مقتل المواطنين، والمطلوب العدالة والإنصاف، وليس ذر الرماد على العيون، وصرف الأنظار عن الحدث الكبير، بتحقيقات شكلية، تُركّز لجانها على حرق المنشآت، وتترك قتل الأنفس التى حرّم الله، إلّا بالحق . ولتواصل الصحافة الإليكترونية والميديا الإجتماعية معركتها، ضد مُخطط قتلها بالمزيد من الدقّة فى تناول الأخبار والأحداث، والمهنية والإحترافية والمصداقية، وهو المطلوب.

فيصل الباقر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

www.sudansreporters.net