يتساءل الناس فى ما الحكمة من العجلة والتسرُّع فى تعديل الدستور الحالى ( دستور 2005 الإنتقالى) والذى جرت عليه تعديلات أفرغته من مضمونه الديمقراطى، لتجعل منه دستور دولة شمولية، لا قيمة ولا معنى له، إذ لا- ولم - يكتفى بأن يخدم مصالح دولة الحزب الواحد، فحسب، بل دستور كرّست التعديلات الأخيرة التى تمّت فيه، كل السلطة فى يد الرئيس، وبصورة مُطلقة، ليصبح دستور دولة الحاكم الفرد، الذى يفعل ما يشاء، وقتما يشاء، وكيفما يشاء، غير عابىءٍ بأىّ مؤسسات، وغير عابىءّ بفلسفة فصل السلطات، لأنّ المؤسسات ( التشريعية والقضائية) أصبحت مؤسسات كرتونية، بلا قيمة، ولا وزن، تنتهى بأمر الرئيس، وتفعل ما يُريده منها، وهذا ما يجعل التفكير فى دستور جديد، مجرّد لهو، وعبث، لا طائل منه، ومضيعة للوقت والجهد والمال، إن لم نقل مُجرّد " لعب على الدقون"!.

نقول هذا، وندرك تماماً، كما يُدرك أهل الإنقاذ، ويُدرك المراقبون والعالم أجمع، أنّ ( دستور 2005 – الإنتقالى) ، تعرّض لتعديلات ، تستحق أن يُطلق عليها " الإنقلاب الدستورى"، على الدستور الإنتقالى، ليصبح ( الدستور الإنتقامى)، بعد أن منحت التعديلات جهاز الأمن والمخابرات، صلاحيات وسلطات واسعة، جعلت منه " الكل فى الكُل "، بعد أن كانت مهامه فى دستور 2005، " جمع المعلومات وتحليلها وتصنيفها "، ليقدمها للسلطة التنفيذية "، تفعل بها ما تشاء، كما منحت رئيس الجمهورية - الرئيس البشير- صلاحيات واسعة فى تعيين (ولاة الولايات)، كما أعطته - منفرداً- صلاحيات وسلطات تعيين رئيس القضاء وقادة الجيش والشرطة والأمن " وماخفى أعظم"، ليصبح أمر كل منظومات السلطات الثلاث، فى البلاد فى يد الرئيس، وتحت قبضته القوية.

وبدلاً من المحافظة على دستور 2005- الإنتقالى، والإبقاء عليه، دستوراً ( إنتقالياً ) من المفترض أن يُمهّد الطريق لإستكمال مهام المرحلة الإنتقالية، تنتقل بعدها البلاد لدولة ديمقراطية، يسودها الإستقرار، لينتج الشعب - وقتها- بإرادته الحُرّة، دستوراً ديمقراطياً كامل الدسم، تراجعت الإنقاذ بالدستور الحالى تراجعاً مُريعاً، ليصبح ( دستور دولة الرئيس )، والذى يكون فيه وبه البشير - وحده- الآمر، الناهى، وهذا يجعل من الدستور الحالى، دستور بلا قيمة.

ومن عجائب الإنقاذ، أنّه وفى هذا المناخ السياسى المضطرب، حيث الإنقسامات والإحتراب والنزاعات المسلحة، وانتهاكات حقوق الإنسان، وسيادة حكم الدولة البوليسية والأمنية، بدلاً عن سيادة حكم القانون، وحيث اتّسعت دائرة التفلتات الأمنية، وسيطرة المليشيات، يأتى الرئيس البشير، وبكل برود ليعلن عن رغبته الجامحة فى " صناعة " دستور جديد، يُجيز له تمديد فترة حكمه، ليصبح رئيساً مدى الحياة، غير عابىءٍ، بالدستور الحالى، الذى حدّد فترة " ولايته "، وهذا هو السبب الرئيسى فى فكرة الترويج المحموم لدستور " جديد"، يُحيكه " ترزيّة " صناعة القوانين القمعية، والدساتير الشمولية، بدلاً عن التفكير الجاد فى وقف الحرب، والتفاوض المخلص مع الحركات المسلحة، لوضع حد للنزاع المسلّح، وتمرير المعونات الإنسانية للمواطنين فى مناطق النزاع المسلح، واحترام صون الحريات وحقوق الأنسان، وفى مقدتها الحق فى التنظيم والتعبير، وجميعها من شروط " تهيئة المناخ "، للإنتقال الديمقراطى السلمى، الذى يمكن بتحقيقه الحديث عن صناعة دستور حقيقى، يُشارك فيه كل أهل السودان، يضع المبادرة فى أيدى المواطنين، لأنّ الدستور المطلوب، هو دستور ينقل الوطن والمواطنين من دولة القمع الإنقاذى، إلى المجتمع الديمقراطى، وهذا ما يتوجب مواصلة النضال رفى سبيل تحقيقه.

الواجب يُحتّم مناهذة تمرير دستور البشير، لأنّ تمريره يعنى المزيد من القمع والمزيد من الفساد، والمزيد من الحروب، وهذا ما يتوجّب على الجميغ معرفته، قبل أن يقع الفأس فى الرأس، أكثر ممّا هو ماقع الأن!.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.