من الأقوال المأثورة الحكمة الخالدة التى قالها أحد ابرز قادة المقاومة ضد النازية د. مارتين نيمولر، إذ قال (( عندما ألقى النازيون القبض على الشيوعيين، بقيت صامتاً،لاننى لم أكن شيوعياً، وعندما اعتقلوا الكاثوليك، لم أحتج، لأننى لم أكن كاثوليكياً، وعندما اعتقلونى، لم يكن قد بقى أحد ليحتج ))...وهكذا تُعلّمنا دروس التاريخ وحِكمه الخالدة، التى يتوجّب علينا الإنتباه لمعانيها ومغازيها، علّها تساعدنا فى فهم الواقع الماثل أمامنا اليوم، فى التعامل مع حملة الإعتقالات الشرسة التى يُمارسها جهاز الأمن، ضد أحزاب معارضة، وبخاصّة ضد الحزب الشيوعى، بمواصلة استهداف قيادته ودوره، ويجىء ذلك الاستهداف المُركّز، رُغم الحديث عن الحريات " وما أدراكما الحريات". فقد قام جهاز الأمن أكثر من مرّة، وبمناسبة، وبلا مناسبة، بإظهار العداء المستحكم والمستبطن ضد الحزب الشيوعى، تلميحاً وتصريحاً، وقد بدأت محاولات تهيئة المسرح، لمؤامرة ( حل الحزب الشيوعى)، بتصريحات صحفية، جاءت بالمانشيت فى صُحف النظام، وهى من شاكلة " مدير الامن : " رفض الشيوعى للتوافق وتمتعه بحرية النشاط معادلة لن تدوم طويلاً " صحيفة (السودانى ) 22 ديسمبر 2016، فيما حمل مانشيت صحيفة (الرأى العام ): " مدير الأمن : الشيوعى حزب ديكتاتورى وسنردع من يهددون الإستقرار"، أمّا صحيفة (المستقلة ) فقد جاء عنوانها الرئيس : " مدير جهاز الأمن يُلوّح بحظر نشاط الحزب الشيوعى"... حدث هذا " التمهيد " فى عهد مدير جهاز الأمن السابق محمد عطا، والذى تمّت إقالته فى 11 فبراير 2018، من منصبه كمدير لجهاز الأمن، ليذهب " سفيراً " بوزارة الخارجية، وليحل مكانه فى قيادة جهاز الأمن المدير السابق، صلاح قوش، ومن سخرية الأقدار، أنّ المدير العائد قوش كان قد أُقيل من منصبه فى ظروف غامضة، فى عام 2009، ثُمّ أُتُّهم فى عام 2012، بتدبير انقلاب وأعتقل ثمانية أشهر، قضاها حبيساً، وبقية القصّة مبذولة فى الأسافير لمن أراد تتبُّعها..

هاهو صلاح قوش " القديم / الجديد" يبدأ عهده الجديد - غير الميمون- بمواصلة ذات النهج الاستبدادى الذى كان سبّاقاً فيه، وهو قمع الحريات التى كفلها الدستور، بالمزيد من التضييق على الصحافة والصحفيين، وبمواصلة التعدّى على الحريات الأساسية الأُخرى، وفى مقدمتها حرية التنظيم والتعبير، ومنها حرية تسيير المواكب والتظاهرات السلمية....إلخ، وهاهو قوش (( " يشترط " للإفراج عن باقى المعتقلين السياسيين، " تحسين سلوك " الأحزاب التى ينتمون إليها، والتخلّى عن برامجها الساعية للتظاهر والتخريب لإسقاط النظام بالقوة، حسب تعبيره))، وهكذا يعود صلاح قوش على طريقة " عادت حليمة إلى قديما "، ليواصل نفس الخط فى معاداة الحريات، واحزاب المعارضة، وفى معاداة الحزب الشيوعى بالتحديد، بإعتباره المُحرّض الرئيسى على الثورة ضد النظام، وبإعتباره الحزب الأكثر تنظيماً، وقدرة فى التأثير على الجماهير، وما موكب 16 يناير 2018، إلّا تاكيد على قدرة الحزب الشيوعى فى الوصول للجماهير، والإحساس بنبض الشارع، والإستعداد للدفاع عن مصالح الشعب.. وهاهو جهاز الأمن تحت قيادة المدير العائد قوش، يُمارس" تمييزاً " واضحاً وصريحاً ضد الحزب الشيوعى بمواصلة اعتقال قيادته وعضويته، ليقوم فى النهاية بـتنفيذ مُخطّط (حل الحزب الشيوعى)، وبلا شك فإنّهم - فى المخابىء السرية للحزب الحاكم وجهاز أمنه - يُعدُّون ( سيناريوهات ) مختلفة، لتنفيذ عملية ( حل الحزب الشيوعى)، وهو مخطط وتدبير ليس بجديد على الساحة السودانية، فقد سبقهم إلى ذلك آخرون، وفشلوا فى سعيهم، وعادوا إلى رشدهم، وبقى الحزب الشيوعى " راكزاً " فى ساحات النضال، مُصادماً وقويّاً، ومتين..

للسيد قوش نقول : لا يحتاج الحزب الشيوعى، لمواصلة وممارسة نشاطه " الإستئذان " من أحد، وسيقوم بدوره فى كل الظروف، سواء ظروف العمل العلنى، الذى انتزعه بنضاله، أو العمل السرّى الذى خبر دروبه وعلم فنونه، ولا - ولن- يحتاج الحزب الشيوعى لـ( منحة من أحد)، و- بلا شك - لا يحتاج لـ(تحسين سلوكه)، ليكسب اعتراف جهاز الأمن أو النظام به شرعيته، التى انتزعها بنضاله الجسور.. وهذا، ما يجب أن يعرفه السيد قوش، ومن معه، وهم يخطّطون- بليلٍ- لحل الحزب الشيوعى، وجعل نشاطه فى الدفاع عن مصالح الشعب والوطن، غير قانونى، وذلك – ببساطة- لأنّه حزب غنى بشعبه وعصى على التركيع. فهل، ومتى يفهم هؤلاء؟ّ!.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.