لم تعد مسألة حماية الصحفيين وضمان سلامتهم شأناً داخلياً يخص الحكومات المستبدة، وأجهزتها الأمنية القمعية، تعتقل من تشاء، وتُعذّب من تشاء، وتطلق سراح من تشاء، وتترك الجناة أحرار بغير حساب، ليعودوا لممارسة ذات الفعل مرّة بعد مرّة، طالما هم فى مأمنٍ من المحاسبة والعقاب، يتمتعون بالحصانات الخاطئة التى توفّر لهم الإفلات من العقاب، فقد أصبحت قضيّة حماية وسلامة الصحفيين مسئولية دولية، يتولاها مجلس الأمن والآليات الأُممية، وهناك قرارات صادرة من مجلس الأمن، والمؤسسات والآليات الأُممية الأُخرى، يُمكن التعرُّف عليها بنقرة إصبح فى محرّك البحث الشهير " قوقل" وغيره، لمن أراد المزيد فى هذا الشان العظيم وهذا ما يتوجّب على حكومة السودان مراعاته والتقيُّد به، فى التعامل مع حرية الصحافة وسلامة الصحفيين. نقول هذا، وندرك - تماماً- العقلية التى يُفكّر بها نظام الإنقاذ، الذى لا تعبأ أجهزته الأمنية، بإحترام الدستور، ولا بالعهود والمواثيق والإتفاقيات الدولية، التى أصبح السودان طرفاً فيها، ولكنّها تنسى - أو تتناسى عمداً- أنّ الإفلات من العقاب، ماعاد ممكناً، وأنّ الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، لن تمر دون مساءلة، طال الزمن أم قصر، فلينتبه المنتهكون . 


فى يوم 16 يناير 2018، تمّ اعتقال زملاء وزميلات من موكب الإحتجاج السلمى على ميزانية حكومة الخرطوم للعام 2018، والذى دعا له الحزب الشيوعى/ العاصمة، وهو حق دستورى، مارسه الحزب الشيوعى وكل المشاركين والمشاركات فى الموكب، أحزاباً ومنظمات مجتمع مدنى، وأفراد وجماعات، وطلاب وشباب ونساء، ضد ميزانية الإفقار والتجويع، ومعلوم أنّ الحق فى التعبير عبر التجمع وتسيير المواكب السلمية، والتظاهر السلمى، حق من حقوق الإنسان الأساسية، التى تكفلها المواثيق الدولية، لكل المواطنين، وبالضرورة يصبح وجود الصحافة والصحفيين والصحفيات، فى تلك الأمكنة والأزمة، واجب مهنى، وضررة تفرضها طبيعة المهنة لتغطية الأحداث فى المكان والزمان المحددين، وكان رد فعل الأجهزة الأمنية، الإعتداء الأثيم على مبدأ حرية الصحافة، وحقّ الصحفيين فى التواجد فى الموكب، ليتم اعتقالهم غير المشروع، مُضافاً إلى الإساءة والتجريح والتحقير والتعذيب، وقد بقى بعض الزملاء والزميلات فى المعتقل لأيّام، فى ظروف وأوضاع مهينة، وحاطّة للكرامة الإنسانية، قبل أن يُطلق سراحهم، ولكن، مازال فى المعتقل، (( زميلة وزميل))، هُما أمل هبّانى وكمال كرّار، و المطلوب تعجيل اطلاق سراحهما فوراً، ولا بُد من مواصلة و تصعيد حملة المناصرة، حتّى ينعما بالحرية التى يستحقونها، وهذا حق وليس منحة.

وقف المجتمع الصحفى - وكل فئات وشرائح المجتمع الأُخرى - وقفة قوية وشجاعة فى التضامن والمناصرة والمطالبة بإطلاق سراح الصحفيين والصحفيات، وكافّة المعتقلين والمعقلات، ولعبت الميديا الإجتماعية والمواقع المستقلة والحُرّة، دوراً فى ذلك، فيما صمتت(الصحافة الأمنية وأُختها المُطوّعة أمنياً)،عن متابعة " الماجرى"، ولم تكتف بمجرّد الغياب عن التغطية الصحفية الحقيقية، بل، لجأت إلى نشر ما تتلقاه من تعليمات وتوجيهات وفبركات أمنية، ولجأ الأمن - كعادته القديمة - لأُسلوب مصادرة الصحف التى لا تلتزم بنشر الاكاذيب والتلفيقات الأمنية، وقد أثبتت المواقع المستقلة والحرة، والصحافة البديلة، والميديا الإجتماعية " صحافة المواطن "، انحيازها للحقيقة، بنشر الأخبار الصادقة من موثع الحدث، ورفع " الفيديوهات " التى أكّدت سلمية الموكب، وعُنف الشرطة وجهاز الأمن، وهذا دليل على أنّ الصحافة البديلة، ستكون دوماً موجودة، مهما حاول النظام – وأجهزته الأمنية جعل السودان منطقة " إظلام إعلامى"!.

التحية والتقدير والتهنئة للصحفيين والصحفيات الذين قاموا بمهامهم المهنية فى شجاعة وبسالة، و نختم بالقول : الصحافة ليست جريمة، وليس كافياً اطلاق سراح الصحفيين والصحفيات، إنّما المطلوب انصافهم، وتعويضهم عن الضرر الذى أصابهم من الإعتقال غير الدستورى، وكذلك، تقديم الجُناة للعدالة، لأنّ الصمت على الجرائم المرتكبة ضد الصحافة والصحفيين، ييُساهم فى تكريس ثقافة الإفلات من العقاب،وهذا ما يتوجّب علينا فى المجتمع الصحفى، مواصلة حملات التضامن والمناصرة، حتى تحقيق الانصاف .. ولن يتاتى ذلك، دون مواصلة النضال، ضد الدولة البوليسية وأجهزتها الأمنية القمعية، واحلال البديل الديمقراطى الذى يكفل للمواطنين وللصحافة والصحفيين الحقوق.

فيصل الباقر
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.