قلنا- ومن قبل، قال شعبنا - إنّ سياسة اللعب والعزف على أوتار تربية المليشيات، ورعايتها واطلاق يدها فى دارفور- كما فى غير دارفور- والتفكير فى بناء تحالفات مصلحية، مع قادتها، أو تفاهمات مرحلية، أو استراتيجية، ستكون محصلتها، استطالة أمد دورة النزاع المسلّح، واتّساع رقعته، وتفاقم الأزمة، وقد تتحقّق بعض المكاسب المرحلية، هنا أو هناك، ولكن، سرعان ما تتبدّل الأحوال، وتتغيّر الأفعال، ويصبح " حليف وصديق الأمس، عدو اليوم" ، ليكتشف الجميع - وبعد فوات الأوان- صِحّة ورجاحة المقولة السودانية الحكيمة: " التسوّى بى ايدك، يغلب أجاويدك" !. 

هاهى سياسة تربية المليشيات، والاعتماد عليها فى خوض المعارك، ضد الآخرين، تصل لنهاياتها، وهى مرحلة حروب المليشيات، و"غزواتها " لـ(حواكير) و( استراحات) بعضها البعض، والتى لا تعرف مصطلحات القوات النظامية، ومنها عدم التقيُّد بالتعليمات والتوجيهات والأوامر، وعدم الإلتزام بقوانين الحرب، التى ينبغى على الجيوش النظامية مُراعاتها، والتحلّى بها، وما حدث فى الأيّام القليلة الفائتة، فى ((مستريحة ))، بوسط دارفور، من " عنف المليشيات" وما نتج عن ذلك، من انتهاكات حقوق انسان، وعدم الإلتزام بالقانون العسكرى المحلى والقانون الدولى، هو نتاج طبيعى، لما وصل إليه حال الوطن، من مرحلة خطيرة متردية، فى مسلسل العنف الذى ظلّ أصبحت دارفور، بوديانها وسهولها ورباها وجبالها، حاضنةً له، ولن يبقى – هذا العمق المجنون - مُنتظراً " إذن التحرُّك " من دارفور، لمنطقة أُخرى فى البلاد، إنّما سيتمدّد بقانونه الخاص، طال الزمن أم قصُر. والواقع يؤكّد أن عنف المليشيات سيتمدّد، وأنّ جبروتها سيتعاظم، وأنّ سلطنها ستتّسع دائرته، حتّى يصل الخرطوم " محلل الطيارة بتقوم، والرئيس بنوم "، ويومها سيعلم الذين أنشأوا ورعوا هذه المليشيات، أنّهم ليسوا ببعيدين عن عنفها !.
كل الأحداث السابقة واللاحقة، كانت مؤشّرات كافية، على أنّ دولة المليشيات قادمة، وأنّ المليشيات القبلية ستبقى قبلية، وإن أُطلق عليها مُسمّيات حديثة، أو مُنح قادتها أعلى الرتب العسكرية ، أو تمّ استيعابها " ككتلة " فى الجيش الرسمى للبلاد، ولن يُغيّر من طبيعة هذه المليشيات وتركيبتها، تسميتها رسمياً ( قوات الدعم السريع ) أو ( قوّات حرس الحدود)، أو دمج واحدة فى الأُخرى، فالولاء فى هذه المليشيات لن يكون للدستور، ولا لقانون القوات المسلّحة، ولا للداعمين والممولين والمدرّبين فى الجيش والأجهزة الأمنية، ، إنّما سيظل الولاء الروحى والوجدانى والمادّى والمعنوى، لقائد القبيلة، وكلمته هى النافذة !.
ماحدث فى " مستريحة "، فى الأيّام الفائتة، وما تبعه من تداعيات، وما سينتج عن كُل ذلك من عُنف مُتزايد ومُستدام ومتكرّر، فى دارفور، وفى غير دارفور، وما سيحدث من أفعال وردود أفعال عنيفة، يُشكّل - بلا شك - جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والمسئول الأوّل والأخيرعنه، وبإختصارشديد، (( الدولة ))، ولن تجدى محاولات " رتق الفتق"، أومباحثات تهدئة المشاعروالخواطر، أو الأحاديث المبذولة - بالمجّان - عن " الوساطة " بين أطراف الصراع، ولن تجدى معه محاولات تسريع أو تأخير حملات جمع السلاح، وهاهى دارفور تدخل مرحلة جديدة، من عنف المليشيات، ليصبح الحديث عن خروج اليوناميد أو بقائها مجرّد حديث فقط، للإستهلاك الخارجى، وهو حديث ليس معنى به أطراف الصراع، بأىّ حالٍ من الأحوال، ومالم يتم " جرد حساب " كامل، لكل ما جرى - وما يجرى- فى دارفور، ستدخل به دارفور، آخر مراحل المحرقة، وستتمدّد الأزمة، لتصل مناطق أُخرى فى السودان، وكذلك فى دول الجوار، وستكون المحصلة فى نهاية المطاف " درفرة " الإقليم والمنطقة، وستكون تكلفة مُحاصرة وانهاء الأزمة والصراع المُسلّح فى دارفور، أكبر بكثير، ممّا يتوقّع الجميع. وهذا ما يجب التنبيه له، لأنّ القادم - سيكون بلا شك - أفظع وأشنع وأمرّ. ومن الأفضل للسودان، وللإقليم، ولإفريقيا، وللعالم أجمع التفكير السليم فى اجراءات وتدابير عملية وفاعلة لفرض السلام، وعدم عدم الإنتظار، فى الرصيف، يتكون الخطوة القادمة، صوناً للسلم العالمى، وطلباً للسلام المستدام، الذى ينشده الجميع !.

فيصل الباقر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.