بالأمس القريب - والغريب جدّاً - خرج علينا حاكم زيمبابوى الرئيس روبرت موقابى، وعلى شعبه الطيّب، بمسرحية جديدة، فى مسرح اللامعقول الأفريقى، فى نسخة مستحدثة فى فنون و( تاكتيكات ) " التوريث "، ويبدو أنّ - الجِد موقابى، وهو من مواليد ( 21 فبراير 1924) " برج الحوت"، لم يُحسن اخراج مسرحيته، أو لنقل خانته الذاكرة " التسعينية "، لأنّ الجمهور الزيمبابوى، أذكى بكثير- وبما لا يدع مجالاً للشك- من الحاكم، الذى مازال يحسب نفسه " مُخلّص الأُمّة الزيمبابوية وحكيم القارة الإفريقية، ورمزها النضالى الأوحد "، وبالتالى غابت عن المسرحية عناصر التشويق والدهشة والإدهاش، التى عجز موقابى الإتيان بها، وهو - الآن- على مقربة من الإنتقال لعالمٍ آخر، طال الزمن أم قصُر!. 

أعلن الرئيس التسعينى قراره غير المفاجىء، والذى- رُبّما- كان مخبوءاً فى " صدره " أو بالأصح فى " غرفة نومه" لفترة طويلة من الزمن، وقراره بإختصارهو التخلُّص من نائبه - نائب الرئيس- السيد (إيميرسون منانقاقوا) لمصلحة زوجة الرئيس، السيدة (قريس موقابى)، ليُهيّىء لها المسرح لحكم البلاد، قبل أو بعد انتقاله لـ" دار البقاء من دار الفناء"، رغم أنّه القائل، قبل أشهر قليلة، من مسرحيته هذه " أنّه لا يحتضر، ولن يتنحّى " !.
السيدة قريس - والتى تصغر زوجها موقابى بـ(41 سنة) - لها تاريخ طويل، فى الصراع السياسى، ولها قصص ومغامرات كثيرة فى الشأنين العام والخاص، ويُمكن- لمن أراد/ت- الحصول على تفاصيله الوصول للهدف بـ(نقرة كى بورد)، وهذا ما سنتركه للقرّاء ولفطنتهم، وللتاريخ، ولكن يبقى أنّ الصراع السياسى فى زيمبابوى- كما فى مناطق أُخرى فى القارّة - لن يتوقف برحيل زعيم، أو بمجرّد تنفيذ إجراءات ترتيبات نقل الحكم والسلطة من حاكمٍ مُستبد، لأحد أفراد أُسرته، أو بعمليات الإستغناء عن خدمات بعض أعضاء النادى السياسى، كما يجرى فى زيمبابوى، وهذا هو الدرس الذى علي الجميع التعلُّم منه من التجربة الزيمبابوية.
التهمة التى أطلقها الرئيس موقابى، بحق نائبه، جاءت - كالعادة - " عدم الولاء "، وما أدراكما " الولاء"، لدكتاتور حكم البلاد والعباد، بالحديد والنار، لعقود طويلة، وحتماً يتم تنفيذ الخطّة بمساعدة فريق عمل كامل، ولن يكون السيد نائب الرئيس " المخلوع "، بمنأى عن تحمُّل مسئوليته فى القمع والإضطهاد الذى يمارسه - ومارسه - النظام، ضد معارضيه، لأنّ السيد منانقاقوا - أيضاً - ظلّ لاعباً أساسىاً فى ذات المؤسسة التى تتحمّل كامل المسئولية عن كل ماجرى ويجرى فى زيمبابوى.
وهاهى الأحداث تتطوّر، بسرعة فيدخل الجيش المسرح ليتسلّم - عملياً- مقاليد الحكم، ويفرض سيطرته وكلمته على الحزب الحاكم، تحت دعاوى (مكافحة الفساد)، واستهداف ( المجرمين الموجودين حول الرئيس)، قاطعاً بذلك الطريق أمام المدنيين، لمواصلة الصراع المحتدم حول خليفة موقابى، وهذا السناريو - إن نجح - سيفتح شهية قادة الجيوش فى بلدان إفريقية أُخرى، للعودة بالقارة لعهود الحكم العسكرى المباشر، وهاهم قادة جيش زيمبابوى، يمضون خطوة للأمام، بعد سنوات من الانتظار والمراقبة اللصيقة، لما يحدث فى المسرح السياسى، رغم أنّ الجيش ليس بعيداً عن الفساد، ولا عن إدارة البلاد من خلف ستار، وهاهى الشقيقة الكُبرى جنوب أفريقيا " تدخل " المسرح عبر سيناريوهات الوساطة بين الأطراف المتصارعة على الحكم !.
يبقى أن نضيف أننا حينما نتحدّث عن التجربة الزيمبابوية، لا نبتعد - كثيراً- عن المُشترك بين وطننا السودان و زيمبابوى، رُغم اختلاف السيناريوهات، وعلينا الإمساك - دوماً- بلب القضية، لأنّ مسألة الصراع على الحكم، بين أعضاء النادى السياسى فى أفريقيا، بما فى ذلك سيناريوهات " التوريث"، و " تمكين " ( حُكم العائلة ) أوعبر سيناريوهات تعديل الدساتير – أى اللعب على ذقون الدساتير- لتمكين الرؤساء الحاليين، من مواصلة الحُكم، جميعها سياسات بائرة، وإن تغيّرت أو تبدّلت مفرداتها أو حبكات الوصول لتحقيقها ، فهى فى نهاية المطاف واحدة. ويتوجّب رفع الصوت ضدّها، ومقاومتها بكل السُبل المشروعة " سلمياً "، لأنّ تركها تمر، يجعل من عملية الوصول للحكم عبر المواثيق المكتوبة، أمراً مستحيلاً، ويفتح الطريق للعنف، الذى يجب أن نُجنّب أوطاننا مآلاته.

فيصل الباقر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.