كتبنا أكثر من مرّة- وكتب غيرنا- وسنواصل الكتابة، دون كلل أو ملل، عن قوانين زيادة القبضة الحكومية على الصحافة السودانية، هذه القوانين التى تأتى بها عبقرية الحكم الشمولى الإنقاذى، فى كل " عشرية " لمواصلة مُخطّط وأد حرية الصحافة والتعبير فى السودان، وقد وصلت مُعاداة حرية الصحافة والتعبير أقصى مراحلها، حيث يُسيطر جهاز الأمن، ويفرض ارادته - بالكامل- على الصحافة الورقية بالرقابة القبلية والبعدية، بما فى ذلك، سياسة مصادرة الصُحف من المطابع، واصدار قرارات وتوجيهات مُلزمة لإدارات الصُحف بمنع صحفيين محدّدين من الكتابة، وهناك اغلاق الصُحف إدارياً، وغيرها من السياسات التى تجعل من العمل فى صناعة الصحافة، مُغامرة، وجريمة كبرى، وأمر مستحيل، ومن بين السياسات التى تُقعد بالصحافة، يقف حائط الإعلان الحكومى، والذى يُستخدم كسلاح نافذ للترويع والتركيع، حيث تُحرم الصحف المستقلّة والمعارضة من الإعلان الحكومى، وحتّى غير الحكومى، وفق سياسة اعلانية معروفة، للجميع.

كُل هذا وذاك، جعل الصحافة الورقية، فى غير مأمن من شرور جهاز الأمن، والذى وصل به الصلف، لمقاضاة الصُحف، بالنيابة عن اشخاص طبيعيين (( قضيّة محاكمة صحيفة التيار على خلفية مقال ناقد لأسرة رئيس الجمهورية – نموذجاً ))، والغريب فى هذه القضيّة - بالذات - أنّ أحداثها جرت فى العام 2012، وعاقب جهاز الأمن – وقتها - الصحيفة بالمُساءلة الإدارية والمُصادرة من المطبعة، ثُم تابع بالذهاب للقضاء، والذى حكم على الضحية، بعد سنوات من الصمت، فى أكتوبر 2017، بالغرامة المالية، وبالعدم السجن، ولمّا آثر مالك و رئيس تحرير صحيفة التيار عثمان ميرغنى- الذهاب للسجن " حبيساً "، دخل اتحاد الصحفيين – السلطوى- على الخط، ليُسدّد الغرامة، دون مشورة أو حتّى طلب موافقة الطرف المتضرّر، فى مشهد أقرب للكوميديا الهزلية، والمهزلة ، ولكنّها الإنقاذ ومؤسساتها السلطوية، لا تستحى، وتحاول أن " تفلق وتداوى "، ولا عزاء للحقوق والحريات !.

هاهى السلطة الباطشة، تمضى فى طريق صناعة قانون صحافة " جديد " القصد منه " سد الفرقة " التى احدثتها ظاهرة نشوء و استحداث صحافة إليكترونية، عبّرت عن نفسها فى العديد من المواقع الإخبارية الجديدة، التى نشأت بمبادرات فردية، وأُخرى جماعية، فى السنوات الماضية، وقد شكّلت تلك المواقع الصحفية الجديدة، خطورة حقيقية ومُنافسة صعبة الإحتمال، على الصحافة الورقية المملوكة للأجهزة الأمنية، ولمراكز القوى فى الحزب الحاكم، وتحالفاته المعروفة، وقد بدأت رياح الانعتاق من السيطرة الأمنية المباشرة على الصحافة، تهُب من اتجاهات مختلفة، فقرّرت السلطة، قطع الطريق أمام الصحافة الإليكترونية، بتعديل قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية الحالى، لتُدخل الصحافة الإليكترونية " بيت الطاعة "، وهاهى مسودة القانون الجديد تُسمكر فى مجلس الوزراء و مجلس الصحافة والمطبوعات الصحفية، وجهاز الأمن، قبل خروجها للعلن - قريباً- بصورتها النهائية، فيمرّرها برلمان الرئيس، لتصبح قانوناً قمعياً كامل الدسم ، ليجُبّ ما قبله، ولكن هيهات !.

بقى أن نقول أنّ مسودة قانون الصحافة المقترح، لم يُشرك في صُنعها " طبخها " المجتمع الصحفى، بصورة حقيقة، ولا المجتمع العريض، صاحب المصلحة الحقيقية فى حرية الصحافة والتعبير، وهذا - وغيره - يجعله " عملة ليست مبرئة للذمّة "، والمطلوب من المجتمع الصحفى أفراداً وجماعات، ومؤسسات صحفية ومجتمعية، مقاومته، وفضحه " قبل أن يقع الفأس، فى الرأس"، لأنّ تمرير هذا القانون القمعى، يعنى دق آخر مسمار فى نعش الصحافة السودانية. فلنصعّد حملات مقاومة هذا القانون القمعى، ولنجمع الصفوف، فى كل جبهات المقاومة، حتّى تحقيق النصر لصحافتنا، ولشعبنا المُحب للحرية، وفى مقدمتها حرية الصحافة والتعبير.

فيصل الباقر


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.