سجّل القضاء الكينى فتحاً جديداً فى تاريخ القارّة الإفريقية، بالحكم القضائى – الأوّل من نوعه أفريقياً، والثالث عالمياً – الذى أعلن فيه أربعة قضاة، من أصل ستّة، نقضهم لنتيجة الإنتخابات الرئاسية التى جرت فى أغسطس 2017، وفاز فيها الرئيس الحالى أوهورو كينياتا، على منافسه التقلديى راييلا أودينقا، حيث أمر القضاة، مفوّضية الإنتخابات، بإعادة الإنتخابات الرئاسية، للمتنافسين الرئيسيين فقط ( أوهورو و راييلا)، على منصب رئاسة الجمهورية فى ظرف ستين يوماً، وفق الدستور الكينى، ومن المقرّر أن تجرى " انتخابات الإعادة " فى السابع عشر من أكتوبر المقبل، إذا ما سارت الأمور والأوضاع فى كينيا، على ما يُرام، دون مفاجآت، تُعقّد المشهد السياسى، المُلتهب سياسياً، لدرجة الغليان والإحتقان، حيث تواصلت حُمّى التعبئة الإنتخابية، بشراسة بين الطرفين المتنافسين، وفى ذاكرة الشعب الكينى التجربة المريرة لـ( عنف الإنتخابات ) الذى تفجّر فى انتخابات ( 2007- 2008 )، مُخلّفاً وراءه حالةً من الغُبن المجتمعى والقبلى والجهوى، لوجود ضحايا - قتلى، وجرحى، ونازحين- لم تُحل قضيّة انصافهم بعد!.
بنقض القضاء الكينى، لنتيجة الإنتخابات الرئاسية، وقراره التاريخى، نستطيع أن نقول بكل اطمئنان: لقد دخلت كينيا - والمنطقة، وكل بلدان القارّة الإفريقية - عصراً جديداً، فى علاقة " السلطات الثلاث " – التنفيذيّة والتشريعية والقضائيّة – من حيث طبيعة العلاقة، بين ( التنظير ) الذى يقر نظرياً ( مبدأ فصل السلطات )، وبين (الممارسة ) التى تجعل من غالبة البرلمانات والسلطة القضائيّة، فى بلدان القارّة السمراء، مجرّد " ديكورات " و مؤسسات " تجميلية " و" تمومة جرتق "، تابعة ومُباركة للسلطة التنفيذيّة، التى تُسيطرعلى السلطتين الأُخريتين بمختلف الأشكال، ترهيباً وترغيباً، مستخدمةً عصا وجزرة التعيين والتمويل، لتطويع البرلمان و تركيع كثير من القضاة، وهذا باب من الجدل الفقهى، يحتاج سبرأغوره للمزيد من الدراسات والبحوث التى تعنى بشؤون الحكم وصناعة الدساتير فى القارّة الأفريقية، التى تعانى معظم بلدانها من " شموليات " مُتنكّرة و متدثّرة برداء الديمقراطية الشكلية والهشّة، التى سرعان ما ينكشف عنها الغطاء، عند الشدائد والمحن، وهاهى التجربة الكينية، تفتح الباب للمزيد من النقاش والحوار فى علاقة السلطات الثلاث ببعضها البعض، ومدى استعداد ورغبة وقناعة السلطة التنفيذية، فى بلداننا الإفريقية، لاحترام السلطة القضائية واستقلاليتها وتوقير قراراتها وأحكامها، لمصلحة التطوُّر الديمقراطى، فى إفريقيا.
هاهى الديمقراطية فى كينيا، أمام منعطف جديد، وهى - بلا أدنى شك- تواجه تحديّات وصعوبات جمّة، ليس باليسير تجاوزها، بالتمنيات فقط، ولكن، حينما نقرأ التطوُّرات التى حدثت فى مسيرة تجربة الإنتقال من الحكم الشمولى ( حُكم دانيال أراب موى / 1978- 2002) إلى رحاب السير فى طريق تمكين الديمقراطية فى كينيا، وحينما ندرس تجربة الصراع الطويل والنضال الجسور، والتضحيات الجسام، التى قدّمها الشعب الكينى، بمختلف فئاته، لتحقيق مبدأ فصل السلطات، واحترام الدستور، وتعزيز حُكم المؤسسات، نشعر ببعض الإطمئنان على امكانية عبور كينيا لجسر التحدّيات المرحلية الحالية، التى تواجهها اليوم، طالما فيها بقى قضاء مستقل، ونستطيع أن نقول أنّ شمس الديمقراطية الحقّة، لن تغيب عن سماوات القارّة الإفريقة، وأنّ وطننا - السودان- موعود - أيضاً - بالإنتقال، من الحكم الشمولى إلى الديمقراطية الحقّة، و يبقى موضوع النضال لتحقيق استقلال القضاء هو المحور الذى يتوجّب العمل فيه، من كل المجتمع، وفى مقدمتهم المجتمع المدنى والقضاة والمحامين، والاحزاب السياسية، والصحافة الحُرّة والمستقلة ، فيا أهل السودان أجمعين، ويا معارضته الديمقراطية، ويا قضاته المؤمنين بمبدأ استقال السلطة القضائية ، تعلّموا من التجربة الكينية !.

فيصل الباقر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.