فى أقلّ من اسبوع جرت مياه كثيرة فى نهر محاولات قمع وترهيب وترغيب الصحفيات السودانيات أمنيّاً، فكانت مهزلة محاكمة الصحفية والناشطة الحقوقية أمل هبّانى، معلماً بارزاً فى مُحاولات صناعة وتسويق صورة ذهنية جديدة لجهاز الأمن، فى المجتمع، بتصويره بأنّه جهاز أمن مهنى ومُحترم، يلجأ للتقاضى ويحتكم للقضاء، مع الخصوم، وهى فكرة سخيفة، تسعى لتصويرجهاز الأمن الشرّير، وعناصره بأنّهم " ضحايا " وليسوا " جلّادين "، وهى صورة كاذبة، يهزمها الواقع المُعاش، والتجارب المعروفة، فى تعامل جهاز الأمن وصلفه وعُنفه الموثّق، مع الخصوم الفكريين والسياسيين للنظام.
ثُمّ جاء استدعاء الصحفية هنادى الصديق، والتحقيق معها ليومين كاملين، بسبب كتابتها فى عمودها الراتب بصحيفة ( الجريدة )، مقالاً فى المناصرة لزميلتها أمل هبّانى، والإشادة بها وبقضيتها العادلة، وقبل أن يجف الحبر الذى كُتب به الإنتهاك الأمنى لحقوق الصحفية الثانية، استدعى جهاز الأمن صحفية ثالثة، هى الصحفية مها التلب، ولأغرب سبب، لكونها أجرت حواراً صحفياً خارج البلاد، نشرته صحيفة (التيار)، مع شخصية " انقاذية " أثارت قضيتها لغطاً كبيراً، فى الميديا الإجتماعية، فى الأسابيع الفائتة، بعد أن منع جهاز الأمن الصحافة المطبوعة من مواصلة النشر فى الموضوع كمحاولة للـ" غتغتة" ، بعد أن فاحت رائحة ملفّات الفضائح و الفساد الذى كان يرعاه و ممسكاً بخيوطه، المدعو طه عثمان، والذى ما أن " قلع " صاحبه طاقيّة وظيفته المحليّة كمدير لمكاتب رئيس الجمهورية، ظهر بين عشيّة وضُحاها، فى العاصمة الأإثيوبية، أديس أبابا، مُستشاراً للحكومة السعودية، إذ جاءها ضمن وفدٍ لها فى اجتماعات الإتحاد الإفريقى، وهذا حديث يطول، و( طه ) هذا - لمن لا يعلم – هو واحدٍ من عناصر الأمن السودانى، يحمل رتبة كبيرة فى جهاز الأمن، أمّا الغريب فى التحقيق الأمنى مع الصحفية مها، أنّ الجهاز طلب منها مدّه بالتسجيل الصوتى للّقاء الصحفى، المنشور أصلاً فى الصحيفة، وهذا طلب غريب، يتناقض كُليّاً مع أخلاقيات مهنة الصحافة، وواجبات الصحفيين فى حماية مصادرهم وعدم الإفشاء بمعلومات عنهم، وهاهو جهاز الأمن يُقبض عليه متلبّساً بجريمة مُطالبة الصحافة والصحفيين بالـ(تعاون ) معه كـ(مُخبرين أمنيين) بجهاز الأمن، يمدُّونه بأسرار وأخبار المصادر الصحفية !.
من المؤكّد أنّ الإستهداف الأمنى للصحافة والصحفيين عموماً، والتركيز على الصحفيات - على وجه الدقّة والتحديد - ليس صُدفة، ولكنّه جزء من مُخطّط طويل، جرى اعداده فى مخابىء صناعة القرار فى الحزب الحاكم، ويتم تنفيذه بغباءٍ شديد بأقبية جهاز الأمن، والهدف المقصود من هذا المخطّط الدنىء، هو كسر عزيمة الصحفيات وابعادهن من حلبة النضال المُشترك لنصرة مهنة الصحافة، وذلك بمحاولة عزل نصف المجتمع ليسهُل كسره على نظرية " فرّق تسُد " التى أتقن فنونها النظام المستبد، وجرّبها - وكثيراً جدّاً- مع قوى سياسية كثيرة منها أحزاب وحركات مُسلّحة، وتجمُّعات مهنية، وشخصيات عامّة، ولكنّها فشلت، ولم تنجح فى اطفاء جزوة المقاومة الشعبية، ولن تنجح !.
نعلم أنّ مواصلة الكتابة فى فضح المُخططات الأمنية لتركيع الصحافة الحُرّة يُزعج بالضرورة - وكثيراً جدّاً - جهاز الأمن، ويبدو أنّ الكتابة النابهة المُستمرّة ومواصلة التوثيق والمناصرة فى قضايا الصحافة والصحفيين والصحفيات، وحقوق الإنسان، يُزعج البعض، ويُقلق مضاجعهم، ولكنّه قدرنا و مهمّتنا، بل، واجبنا الذى ارتضيناه، فى مُناصرة قضايا شعبنا ونُصرة مهنتنا، وسنواصل مشوار الكتابة حتّى النصر، ولن نحيد، مهما كانت الصعوبات والتحدّيات، وسنواصل مع شعبنا و مجتمعنا الصحفى السير فى ذات الطريق الصعب، وسنكمل المشوار، فى " طريق الشعب " وندرى أنّ هذا الطريق " صعب وشوك عسير"... وأنّ " الموت على جانبيه، ولكنّنا سنسير".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.