مازالت دارفور تئن تحت وطأة الصراع المسلّح ، بسبب التعويل على منهج تغليب الحل الأمنى، على ماسواه، وهو نتيجة موضوعية لاستمرار سياسات الأرض المحروقة، وهو النهج الذى تتبناه الإتقاذ، معوّلةً على المليشيات والإحتراب القبلى، فى غياب المُساءلة والإنصاف والعدالة، والتى هى الضامن الوحيد - والأوحد - لأىّ سلام حقيقى يتطلّع له أهل الإقليم، وعموم السودان، والعالم أجمع. وللأسف يجىء قرار مجلس الأمن الدولى بتغيير تفويض بعثة ( اليوناميد ) فى دارفور، من ( حفظ السلام ) إلى ( بناء السلام ) وتخفيض وجودها على الأرض، وتقليل النفقات فى ما تبقّى من وجود أُممى، كتحفيز للحكومة السودانية والمليشيات القبلية المتحالفة معها، لمواصلة تكريس حريق دارفور، فى غياب الوجود والرقابة الأُممية، وهو وضع سيقود إلى استدامة الكارثة الإنسانية فى دارفور، وسيجعل من الممكن انتقال الصراع المُسّلح إلى مناطق أُخرى فى السودان، بدءاً بكردفان الكبرى، التى اصبحت مرشحة أكثر من أىّ وقتٍ مضى، للدخول فى قلب العاصفة. 

مرّةً أُخرى - وليست أخيرة – نؤكّد أنّ ما يحدث فى دارفور من عنف مُسلّح، واقتتال قبلى و حوادث اختطاف أفراد ونهب ممتلكات، وإن بدا فى بعض الأوقات وكأنّه " حوادث متفرقة " و بتدبير " فردى" هو فى الحقيقة، تعبير دقيق عن انعدام الأمن والأمان فى دارفور، وتأكيد قاطع على غياب سلطة الدولة وسيطرتها على الوضع فى الإقليم المُحترق. ولن نمل الحديث فى أنّ السلام الحقيقى فى دارفور، يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة، وهذا ما تفتقده الحكومة، ومن المهم أن ينتبه المجتمع الدولى، ومجلس الامن الدولى، أنّه من الخطأ الفادح التعويل على نظرية " توازن الضعف "، بين القوى المُتصارعة فى دارفور، كمُخفّف للنزاع، والذى - فى تقديرهم - سيقود لوقف الحرب، بعد أن تعجز الاطراف المشاركة فيها عن تمويل عملياتها العسكرية، وهذا احتمال غير وارد فى أزمة دارفور المسلحة، لأسباب كثيرة منها طبيعة الازمة وتجياتها، والواجب يُحتّم علي المجتمع الدولى مواصلة القيام بواجبه فى تحقيق السلام فى أىّ بقعة فى العالم تُهدّد السلام العالمى.
النظام السودانى، وجهاز أمنه، يواصل دعم و" تشوين " المليشيات و القبائل المتصارعة فى دارفور، ويغيّر ويُبدّل تحالفاته من وقتٍ لآخر حسب قوّة وضعف المجموعات المتواجدة فى الميدان فى اللحظة المحدّدة، وهدفه الرئيس هو الإعتماد على شرور مبدأ " الحرب بالوكالة "، وهو مبدأ - وأن نجح فى وقتٍ مُحدّد - لن يقوى على المحافظة على الوضع على المدى الطويل، ومن الممكن إن لم نقل المؤكّد أن يصبح " حليف اليوم " مع استمرار النزاع المسلّح " عدو الغد "، وستتواصل الدائرة الشريرة، ليبقى الإقليم فى حالة احتراق مُستمر، بدلاً عن سلام مُستدام ينشده ويستحقه أهل الإقليم.
الواجب يُحتّم على القوى الحيّة فى المجتمع السودانى، الانخراط فى عمل جماعى، لبناء أوسع جبهة وأكبر تحالف ضد الحرب، فى دارفور، وفى غير دارفور، وهو واجب مقدّم ينبغى بذل الجهد الفاعل والمستمر فى تحقيقه اليوم قبل الغد، فالسلام فى دارفور وفى كل السودان واجبنا جميعاً، وعلى الأحزاب السياسة وتنظيمات المجتمع المدنى، كما على الصحافة الحرّة والمستقلّة، القيام بالواجب المُقدّم فى معركة فرض السلام فى دارفور، وهى معركة لها تكلفتها الغالية فى تحمّل مسئولياتها و واجباتها التاريخية، ومن الأفضل أن نُشعل شمعة، بدلاً من أن نواصل لعن الظلام ... فهل نبدأ الآن؟!.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.