بسم الله الرحمن الرحمن
17 سبتمبر 2013




د. أحمد المفتى المحامى مدير عام مركز الخرطوم الدولى لحقوق الإنسان (KICHR)


بجانب انشغالنا المهنى الراتب بالقانون وحقوق الإنسان ، فقد وفقنا الله فى نشر وجهة نظرنا كاملة غير منقوصة حول سد النهضة الاثيوبى فى أكثر من عشرة مقالات ، تاركين الأمر بعد ذلك الى من بيده اتخاذ القرار ، سائلين الله له التوفيق والسداد ، لأننا لا نحتكر الحكمة ولسنا من من يدعون ذلك .
وندلف فى هذا المقال الى موضوع عام آخر لا يقل كثيراً فى أهميته عن سد النهضة الاثيوبى ، ألا وهو موضوع "الفساد المالى" . ولا اعتقد أنه يوجد خلاف حول أهمية القضاء على الفساد المالى ، لأنه طال الزمن أم قصر سوف يؤثر تأثيراً كبيراً على الاستقرار السياسى فى البلاد ، بل أنه قد يهدد أمنها الوطنى ، اضافة الى اثاره السلبية المعلومة ، والتى تتمثل فى إهدار المال العام خصماً على ما يمكن أن تقدمه الحكومة للمواطن من خدمات وفاء بحقوق المواطن فى كافة المجالات . اما حجم الفساد قل أو كثر فإنه أمر يخرج عن نطاق هذا المقال ، لأنه يخلق معركة فى غير معترك ، لأن الوضع الأمثل هو القضاء على الفساد المالى قل أو كثر .
ومع كثرة الحديث عن الفساد المالى داخل الدوائر الحكومية وغير الحكومية ، بل وعلى مستوى العالم ، فإن ما تم اتخاذه من خطوات على المستوى الوطنى للقضاء عليه يقل كثيراً فى تقديرى عن الطموحات . والأسباب تكمن فى عدم وجود توافق حول كيفية معالجة الموضوع ، خاصة وإن للفساد المالى قوة لا تقل عن قوة الجهات التى تنوى محاربته . ولكل دولة تجربة خاصة بها فى ذلك الصدد ، وأذكر من تلك التجارب تجربة يوغندا التى انشأت جهازاً خاصاً لمكافحة الفساد المالى له قواته النظامية الخاصة بالضبط ، ولقد مرت تلك التجربة بصعوبات جمة تمكنت من تجاوزها ، من بينها مواجهات عنيفة بين قوات مكافحة الفساد المالى والقوات النظامية الأخرى التى تتبع للجهة المتهمة بالفساد المالى . ولقد كنت شاهداً على أحد تلك المواجهات . وكذلك كينيا لها تجربة خاصة بها ، ومن الصعوبات التى واجهتها التجربة الكينية وتمكنت من تجاوزها ان الجهات الحكومية المتهمة بالفساد المالى تمكنت من رفع دعوى دستورية ضد مفوضية مكافحة الفساد .
وعلى المستوى الدولى يدور نقاش حول أهمية ابتكار طرق غير تقليدية لمكافحة الفساد المالى تستطيع أن تتجاوز قوة الفساد ، ومن ذلك بدأ المكافحة بدعاوى جنائية ضد صغار الموظفين ، على اعتبار ان قوة اؤلئك الموظفين الصغار على مواجهة الاجراءات الجنائية لمكافحة الفساد ضعيفة ، ولا تستطيع اجهاض تلك الاجراءات ، على ان تصعد تلك الاجراءات تدريجيا لكبار المسؤولين .
وبالاضافة الى تلك التجارب الوطنية والدولية فإنه من المفيد إستدعاء تجربة "العدالة الانتقالية" ، والتى لا وجود عملى لها فى السودان سوى تجربة لجنة سيواك الناجحة التى بدأت عام 1999 ، ورسالة دكتوراة لم تكمل بعد يقوم باعدادها بناء على تشجيعى زميل قانونى ، ومقال حولها نشرته فى مجلة العدل التى تصدرها وزارة العدل قبل اعوام ، بالاضافة الى دورة تدريبية مفصلة عن العدالة الانتقالية بمركز الخرطوم الدولى لحقوق الإنسان (KICHR) . ولذلك فانه عندما تمت الاشارة الى أحد عناصر العدالة الانتقالية فى القرار 1593 الذى احال موضوع دارفور الى المحكمة الجنائية الدولية ، لم ينتبه أحد الى ذلك حتى يومنا هذا ، ولكن تمت مؤخراً الاشارة الى العدالة الانتقالية فى بعض ترتيبات سلام دارفور .
والعدالة الانتقالية تجربة دولية لمعالجة أنواع معينة من الفساد وليس الفساد المالى وحده ، وذلك الفساد الذى تعنى به العدالة الانتقالية هو انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الأنسانى فى حالات النزاعات المسلحة الداخلية أو حالات الأنظمة العنصرية أو الشمولية التى ترتكب انتهاكات فظيعة فى حق شعوبها ، ولكنها تريد أن تضع حداً لتلك الانتهاكات . ولا شك أن العدالة "التقليدية" لن تستيطع أن تضع حداً لتلك الانتهاكات ، لأنه تكون لدى الذين ارتكبوا تلك الانتهاكات القدرة على أحباط اجراءات العدالة التقليدية ، ولكنهم فى ذات الوقت لا يمانعون من قيام عدالة انتقالية بصورة توافقية . وهكذا تبلورت فكرة العدالة الانتقالية وطبقت بصيغ مختلفة فى العديد من البلدان مثل جنوب افريقيا والمغرب والعراق .
وعلاقة العدالة الانتقالية بمكافحة الفساد المالى الذى نحن بصدد الحديث عنه هى انه ينبغى لنا التفكير فى عدالة انتقالية لمكافحة الفساد المالى الذى له قوة كبيرة بما فيها القوة المادية لأجهاض أى اجراءات عدالة تقليدية تعمل على مكافحته . والمقترح الذى اقدمه فى ذلك الصدد فى هذا المقال آملاً أن يجد توافقاً عريضاً هو "عدالة انتقالية لمكافحة الفساد المالى" تقوم على عنصرين اساسيين يتم تطويرهما تدريجياً بتوافق وطنى عريض خاصة بين القوى السياسية الحاكمة والمعارضة وهما:
العنصر الأول: الالتزام بانه لا فساد مالى اعتباراً من الأول من يناير عام 2014 أو اى تاريخ مستقبلى آخر ، والسبب فى تحديد تاريخ مستقبلى ، هو استخدام الوقت المتاح فى وضع الاطار القانونى والمؤسسى اللازم لانفاذ الالتزام بمحاربة الفساد المالى الجديد الذى يحدث بعد ذلك التاريخ محاربة لا هوادة فيها اعتباراً من ذلك التاريخ المستقبلى ، بموافقة الجميع وبشفافية على المستوى الوطنى والمستوى الدولى .
العنصر الثانى: إرجاء النظر فى حالات الفساد المالى الموجود حالياً ، لأنه من المعلوم أنه لايمكن قانونا وديناً صرف النظر عن الفساد المالى الذى يتم ارتكابه ، على أن يتم البت فيها تدريجياً وفق قواعد قانونية انتقالية توافقية تضمن عدم قيام الفساد بمناهضتها . ومن تلك القواعد القانونية التحلل من الفساد المالى ، واستخدام مفهوم "الأهمال الوظيفى" الذى يعالج بترتيبات مدنية ، وليس المفاهيم القانونية التقليدية التى تؤدى الى اتخاذ اجراءات جنائية . اما فترة ارجاء النظر فانها متروكة لظروف كل حالة ، لأن الارجاء فى حد ذاته قد يوفر حلاً ، كما يروى عن الشيخ فرح ود تكتوك .

وفى الختام وبما ان فكرة العدالة الانتقالية لمكافحة الفساد المالى التى اطرحها عبر هذا المقال هى فكرة جديدة وغير مسبوقة وما زالت تفاصيلها فى طور التبلور داخل الذهن ، فاننى أقترح على أى جهة تروق لها الفكرة أن تبدأ فى دراستها بورقة مفاهيمية مختصرة تطرح الفكرة وحيثياتها ومخرجاتها . وبعد إجازة الورقة المفاهيمية من حيث المبدأ ، تقدم على ضوءها عناصر محددة لخطة عمل ، وبعد إجازة عناصر خطة العمل ، توضع خطة عمل العدالة الانتقالية لمكافحة الفساد المالى ، وتجاز من قبل الجهات التنفيذية والسياسية العليا . ولا شك أن العنصر الأول من عناصر العدالة الانتقالية لمكافحة الفساد المالى المذكور أعلاه يعالج 50% من المشكلة ، اما العنصر الثانى فإنه سوف يعالج نسبة أخرى قلت أو كثرت من نسبة الـ50% المتبقية من الفساد المالى ، وعليه يضمن ذلك نجاح فكرة العدالة الانتقالية لمكافحة الفساد المالى بنسبة تفوق الـ50% ، وقد تصل الى ما يقارب الـ100% . والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.