بسم الله الرحمن الرحيم
22 يوليو 2013   ملف 316



د. أحمد المفتى المحامى وكيل وزارة العدل الأسبق

هذا هو المقال الرابع والعشرين فى سلسلة مقالاتنا التى بدأنا فى نشرها منذ مايو 2012 عزاءاً فى "الأمن المائى وحقوق واستخدامات" السودان ومصر ، والتى نرى أنه كان ينبغى على اثيوبيا الاعتراف بها مقابل موافقة السودان ومصر على سد النهضة . ومناسبة هذا المقال هى الاستياء الشديد الذى عبرت عنه السلطات المصرية بسبب عدم انعقاد الاجتماع الثلاثى بين السودان واثيوبيا ومصر لمناقشة تقرير لجنة سد النهضة ، على الرغم من ان وزير خارجية مصر السابق كان قد أخذ وعداً عند زيارته لأديس أبابا بانعقاده قبل اكثر من شهر .
وفى طريق عودته من اثيوبيا حط وزير خارجية مصر السابق رحاله بالخرطوم مبشراً بعقد ذلك الاجتماع ، وحينها كتبنا مقالاً حول الموضوع متوقعاً بان يكون الوعد بانعقاد ذلك الاجتماع خداعاً استراتيجياً جديداً من قبل اثيوبيا ، وان اثيوبيا سوف تتلكا فى عقد الاجتماع ، وأنه عندما ينعقد ذلك الاجتماع فانها لن تلتزم باى شئ ، لأنها قد حصلت من السودان ومصر على كل ما تريده ، وهو الموافقة على انشاء سد النهضة وعدم المطالبة بايقاف الانشاءات الى حين الانتهاء من اعمال اللجنة الثلاثية .
ولا شك ان استياء مصر هو بكاء على اللبن المسكوب نتوقع المزيد منه كلما ظهرت مساوئ سد النهضة ، إلا اذا كان ذلك الاستياء بداية لعودة الوعى للموقف المصرى لوضع اثيوبيا امام التزاماتها الدولية ، وذلك بالموافقة على الأمن المائى وحقوق واستخدامات السودان ومصر .
والموقف الاثيوبى واضح وضوح الشمس فى رابعة النهار ، ويتلخص ذلك الموقف فى انه قد انتهى العزاء حول "الأمن المائى وحقوق واستخدامات" السودان ومصر برفع اللجنة الثلاثية لتقريرها ، بغض النظر عن مضمون ذلك التقرير . وبالاضافة الى ذلك ترى اثيوبيا أن اللجنة الثلاثية اجراء صورى لتأكد للعالم انها قد استوفت كل مطلوبات القانون الدولى . اما الدراسات المتعلقة بإنشاء السد فإنها قد فرغت منها قبل ان تبدأ تلك اللجنة اعمالها ، والشاهد على ذلك أن اثيوبيا قد وقعت على عقود انشاء السد ووضعت حجر الاساس واعلنت عن السد فى مارس /ابريل 2011 . اما الحديث عن انشاء اللجنة الثلاثية فقد بدأ فى مايو 2011 ، ولم تباشر تلك اللجنة اعمالها إلا فى العام 2012 ، علماً بان العمل فى انشاء السد قد ظل متواصلاً بلا توقف منذ ابريل 2011 .
وخلال الاثنى عشر شهراً المنصرمة حققت اثيوبيا كل ما ترجوه فى مجال الموارد المائية المشتركة وهو الآتى:
(1)    الحصول على موافقة غير مشروطة من السودان ومصر على انشاء سد النهضة ، بناء على اشتراكهما فى أعمال اللجنة الثلاثية . وعلى الرغم من ان ذلك الاشتراك لا يعتبر قانوناً موافقة على إنشاء السد ، إلا ان اثيوبيا لن تعدم خبيراً قانونياً يؤيد موقفها بأن ذلك الاشتراك يعتبر موافقة على انشاء سد النهضة ، كما ادعى د. سلمان ، والذى تصدينا له فى حينه مفندين لرأيه .
(2)    الحصول على رضاء دول الهضبة الاستوائية بالتصديق على اتفاقية عنتبى بواسطة البرلمان الاثيوبى .
(3)    أوهمت اثيوبيا السودان ومصر بالتوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية ثلاثية فى نوفمبر 2012 بانها توافق على انشاء آلية للتعاون الثلاثى بديلاً لاتفاقية عنتبى ومبادرة دول حوض النيل ومكتب النيل الشرقى (ENTRO) . وبعد الحصول على موافقة السودان ومصر على انشاء سد النهضة صرفت النظر عن اتفاقية نوفمبر 2012 ، ولم تعرضها على البرلمان الاثيوبى للتصديق عليها ، بل عرضت اتفاقية عنتبى ، على الرغم من تحفظ السودان ومصر على اتفاقية عنتبى .
ونذكر بانه لا فائدة من عقد الاجتماع الثلاثى إلا إذا كان انعقاده عاجلاً ، واجندته هى إيقاف انشاء السد ، الى حين الاتفاق حوله ، وربط الموافقة على انشائه باعتراف اثيوبيا بالأمن المائى وحقوق واستخدامات السودان ومصر ، ووضع جدول زمنى لتنفيذ توصيات اللجنة الثلاثية .
ومن أوجه مواصلة العزاء الذى ندعو له حتى يتم اعتراف اثيوبيا بالأمن المائى وحقوق واستخدامات السودان هو التصدى للآراء القانونية غير السليمة حول الموضوع التى ظل د. سلمان يروج لها ، وذلك من خلال مناظرة قانونية مفتوحة تديرها لجنة تحكيم من ثلاثة من كبار القانونيين السودانيين . ونناشد فى ذلك الصدد اتحاد المحامين السودانيين بقيادة النقيب شيخ المحامين السودانيين د. إبراهيم الخليفة ومراكز الدراسات والصحف الى تبنى ورعاية تلك المناظرة ، وذلك لأن البرامج التلفزيونية التى اشتركت فيها مع د. سلمان لا تعطى الفرصة للتوضيح لقلة المام المقدمين بالموضوع والقانون ، مما أدى الى فهم الموضوع وكانه اختلاف فى وجهات النظر القانونية بينى وبين د. سلمان ، فى حين ان الأمر هو اخطأ قانونية فادحة ارتكبها د. سلمان . ولا شك أن المناظرة القانونية على النحو المقترح سوف تمكن هيئة التحكيم القانونية التى تدير المناظرة من الفصل فى الموضوع بعد الاستماع لرأى كل منا . وتشمل آراء د. سلمان القانونية غير الصحيحة والتى اقترح وضعها على أجندة المناظرة ، بالاضافة الى اى موضوعات أخرى يقترحها د. سلمان ، الآتى:
(1)    ان الاشتراك فى اللجنة الثلاثية يعتبر موافقة من قبل السودان ومصر على انشاء سد النهضة .
(2)    إن موافقة السودان على اتفاقية عنتبى تضمن له الأمن المائى حقوقه واستخداماته المائية .
(3)    إن موافقة السودان ومصر على سد النهضة تضمن لهما الأمن المائى والحقوق والاستخدامات .
(4)    انه ينبغى على السودان الغاء اتفاقية 1959 مع مصر او اعادة النظر فيها .

وأحمد الله كثيراً ان الايام اصبحت تحمل كل صباح جديد تأكيداً للآراء القانونية التى أبديها حول مختلف الموضوعات القانونية على الساحة الدولية ، ومن ذلك ان المفوض السابق لحقوق الإنسان لويس آربور وعضو اللجنة الدولية للتقصى فى احداث دارفور عام 2004 قد صرحت مؤخراً بان "احالة" مجلس الأمن لقضية دارفور الى المحكمة الجنائية الدولية ، والتى ترتب عليها اتهام الرئيس البشير ، قد كانت غير صحيحة . علماً بأننى ، وفى اكثر من مقال منشور ، اوضحت انه ينبغى على السودان التركيز على مهاجمة "احالة" مجلس الأمن لموضوع دارفور للمحكمة الجنائية الدولية ، وليس مهاجمة المحكمة او مدعيها العام ، حتى لو أدى الأمر الى تجاوز مجلس الأمن وطرح الأمر على الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ولا شك لدينا اطلاقاً فى ان الايام سوف تثبت صدق ما ذهبنا اليه من آراء قانونية فيما يتعلق بسد النهضة واتفاقية عنتبى ومبادرة دول حوض النيل واتفاقية 1959 مع مصر . وقديماً قال الشاعر ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالاخبار من لم تزدود .  
--- 0 ---
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.