بسم الله الرحمن الرحيم
20 يوليو 2013    ملف 316



د. أحمد المفتى المحامى وكيل وزارة العدل الأسبق

تنطق كلمة "شليل" الواردة فى العنوان أعلاه بكسر حرف الشين ، ولأننى من مواليد اربعينيات القرن الماضى ، فانه من المتوقع ان يكون العنوان أعلاه مألوفاً لمواليد ثلاثينات وخمسينات القرن الماضى . ولكن ، ولأن هذا المقال قد يجذب انتباه فئات أقل عمراً ، كان لابد من الشرح . فالعنوان مأخوذ من مفردات لعبة تسمى "شليل" بكسر حرف الشين ، كانت معروفة فى شمال السودان فى الأمسيات ، وتفضل الأمسيات المقمرة . وهى لعبة للذكور عبارة عن قذف عظم قديم فى الظلام لمسافة قدر استطاعة اللاعب الذى يقوم بقذف العظم ، ثم بعد ذلك يجرى الجميع نحو مكان سقوط العظم ، والاعب الذى يجد العظم هو اللاعب الفائز . وقد يمتطى اللاعب الفائز ظهور اللاعبين الآخرين الى حيث بدأ اللعب ، لتبدأ جولة جديدة من اللعبة .
ولقد سبق أن ذكرت فى مقالات سابقة ان ليالى سد النهضة من الزمان حبالى يلدن كل جديد ، وها هى تلك الليالى تلد لنا جديداً ، وهو الاتفاق المائى الذى وقع بالأحرف الأولى باديس أبابا بتاريخ 8 نوفمبر 2012 بين السودان واثيوبيا ومصر ، على أمل ان يعقب ذلك تصديق برلمانات الدول الثلاثة عليه . وبما انه لم تصدر اى افادات رسمية عن ذلك الاتفاق المائى ، على الرغم من ان المياه أمر يهم الرأى العام بكل قطاعاته ، فإنه وبناء على المعلومات الشحيحة التى تسربت عن ذلك اتفاق فإنه يهدف ، كما أوردت فى مقالنا الأخير المنشور بتاريخ 15 يوليو 2013 بموقع سودانايل ، الى انشاء آليات تعاون دائمة بين دول حوض النيل الشرقى ، وهى السودان واثيوبيا ومصر ، ليكون بديلاً لمكتب حوض النيل الشرقى المعروف باسم الانترو “ENTRO” ، وبديلاً لمبادرة دول حوض النيل NBI ، وبديلاً لاتفاقية عنتبى ، والتى كان من المتوقع ان يقدم السودان ومصر رؤية حولها تحل محل النقاط التى ما زالت محل خلاف بين دول حوض النيل ، حسب التزامهما خلال اجتماعات المجلس الوزارى لدول الحوض الذى عقد بكيجالى فى يوليو 2012  
ولا شك انه ليس من حسن التقرير ان يتجاهل السودان دول الهضبة الاستوائية التى تمتده بحوالى 14% من المياه (قابلة للزيادة) ، علماً بأن اثيوبيا التى لا تصلها أية مياه من دول الهضبة الاستوائية قد سارعت واصبحت اول دولة يصدق برلمانها على اتفاقية عنتبى التى تربط اثيوبيا بتعاون مائى مستدام مع دول الهضبة الاستوائية . والعجيب فى الامر ان تصديق اثيوبيا قد جاء مؤخراً بعد ان وقعت على الاتفاق المائى الثلاثى مع السودان ومصر بتاريخ 8 نوفمبر 2012 ، مما يجعلنا نزعم بأن ذلك التوقيع قد كان خداعاً استراتيجياً اضافياً من قبل اثيوبيا .
ومؤخراً وبعد كتابة مقالى الأخير حول الموضوع أفادنى من لا أشك فى صدق افادته ، أنه وعقب التوقيع على الاتفاق الثلاثى بالأحرف الأولى فإن مصر قد استفسرت اثيوبيا عن بعض الموضوعات التى وردت فى ذلك الاتفاق ، وأنه قد اتضح لمصر من الردود الاثيوبية ان ذلك الاتفاق ليس اكثر من حبر على ورق ، ولذلك صرفت مصر النظر عن التصديق عليه .
وبما أن السودان يبنى كل استراتيجيته المائية الجديدة على التعاون المائى مع اثيوبيا ، فإنه من المتوقع أن يكون ذلك الاتفاق هو أول وثيقة تأطر لذلك التعاون قانونياً ومؤسسياً . ولكن بما ان اثيوبيا قد حصلت على كل ما ترجوه من السودان فى مجال الموارد المائية ، وهو الموافقة على سد النهضة ، فإنه لا يوجد أى سبب يجعل اثيوبيا تبرم اتفاقاً مائياً مع السودان . ولذلك فإن "شليل" الذى نقصده فى هذا المقال هو ذلك الاتفاق المائى الثلاثى بين السودان واثيوبيا ومصر الذى تم التوقيع عليه بتاريخ 8 نوفمبر 2012 .
وكل ما أخشاه ، على الرغم من أننى اتوقعه ، أنه اذا ما سألنا عن ذلك الاتفاق أن تأتى الاجابة ممن نثق فى روايته بأن شليل "اكلوا الدودو" بضمة على كل حرف دال . و"الدودو" كائن أسطورى يزعم بانه يأكل "شليل" عندما يفشل اللاعبون فى العثور على "شليل" ، ولكن لم يعرف عن "الدودو" من قبل أنه يأكل الاتفاقات المائية . ولكننا دون شك نفضل افادة رسمية تضع النقاط فوق الحروف ، وتطمننا بأن الكلام المعسول الذى ظل يردده المسؤولون الاثيوبيون عن التعاون المائى مع السودان قد تم وضعه فى اتفاق يستطيع ان يعتمد عليه السودان فى المحافظة على أمنه المائى ، والذى لا يمكن أن يؤسس على الكلام الشفاهى المعسول.
واذا لم يكن الأمر كذلك ، كما تيقنت مصر ، فإن على السودان ان يعيد النظر فى استراتيجيته المائية الجديدة وكل ما بنى عليها ، وما ذلك بالأمر اليسير ، حتى لا يجد نفسه أنه قد اعطى موافقته على سد النهضة دون قيد ودون شرط ودون النظر الى مصالحه المائية . ولا أعتقد أن اثيوبيا سوف تكون حريصة على توقيع اتفاق مائى جديد مع السودان بعد أن حصلت على موافقته على سد النهضة .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.