بسم الله الرحمن الرحمن
9 يوليو 2013




د. أحمد المفتى المحامى وكيل وزارة العدل الأسبق


قد يفاجأ كثيرون بتناولى لموضوع المحافظة على الثروة المعدنية فى السودان ، بسبب حصر اهتمامى فى الآونة الأخيرة على المحافظة على الأمن المائى . ولكن لا غرابة فى الموضوع لأن اهتمامى بالموارد الطبيعية المختلفة فى السودان أقدم مما يتصور كثيرون ، لأن تأهيلى القانونى فوق الجامعى بالولايات المتحدة الأمريكية فى بدايات ثمانينات القرن الماضى قد كان منصباً على الموارد الطبيعية . وبالاضافة الى ذلك فإننى قد كنت المستشار القانونى لقطاع البترول فى السودان فى نهاية سبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضى ، بل إننى قد كنت مستشاراً للاستثمار العربى فى الموارد الزراعية السودانية عبر عملى بالادارة القانونية للهيئة العربية للاستثمار الزراعى بالسودانى فى منتصف ثمانينات القرن الماضى .
ولدى اعمال كثيرة منشورة فى ذلك الصدد أذكر منها على سبيل المثال كتاب اصدرته عام 2001 برقم ايداع (192/2001) بعنوان "الاطار القانونى للمحافظة على ثرواتنا البترولية" ، تفضل بنشره معهد التدريب والإصلاح القانونى الذى كان قائما آنذاك . ومناسبة هذا المقال أنه محاولة للمساهمة فى دعم الجهود الكبيرة التى تبذلها حالياً وزارة المعادن فيما يتعلق بإصلاح الأدوات القانونية لاستثمار الثروة المعدنية ، سواء كانت تلك الأدوات رخص بحث أو استكشاف او عقود تعدين أو اتفاقيات خاصة للتعدين .
ولا شك لدى فى ان الاستثمار فى التعدين أو خلافه ليس غاية فى حد ذاته ، وانما الغاية والهدف هو تحقيق اكبر عائد من ذلك الاستثمار ، لأنه وبخلاف ذلك فإن الاستثمار يصبح نقمة تبدد موارد البلاد الطبيعية ، وليس نعمة تعود خيراً وبركة على المواطن السودانى . وفى تقديرى أن أولى خطوات الإصلاح فى مجال التعدين هى إعادة صياغة الإطار القانونى والمؤسسى للتعدين فى السودان خاصة قانون تنمية الثروة المعنية والتعدين لسنة 2007 . وكما هو معلوم فانه يصعب المساهمة فى ذلك الإصلاح عبر مقال كهذا ، ولكنى رأيت المبادرة بتحديد أهم مجالات الإصلاح حتى تجد حظها من الأولوية عند متخذى القرار . وذلك المجال هو المرحلة التى تلى مرحلتى البحث والاستكشاف ، وهى مرحلة إبرام عقود التعدين أو اتفاقيات خاصة للتعدين .
وفى تقديرى ان عقود اقتسام الانتاج هى أفضل صيغة تناسب التعدين فى السودان وتحقق أكبر عائد للدولة. وهى تجربة فريدة تناسب كل الدول النامية جزى الله الماليزيين كل خير لابتكارها فى مجالات استثمار الموارد الطبيعية . وباختصار شديد فإن اتفاقيات اقتسام الانتاج تتطلب تحديد نسبة معينة من الانتاج حوالى 30% لتخصم منها تكلفة المستثمر كيفما كانت تلك التكلفة ، وتوزع النسبة المتبقية وقدرها 70% مناصفة بين الطرفين . وقد يتسغرق ذلك الخصم حوالى الأربع سنوات ، وبعد ذلك تعود نسبة الـ30% من الانتاج ليتم اقتسامها مناصفة بين الطرفين اضافة الى انصبتهما السابقة .
وتكمن عظمة اتفاقيات اقتسام الانتاج فى انها تحقق اقصى درجات العدل بين الدولة والمستمر ، فهى تكفل للمستثمر استرداد كافة تكاليفه ، وتحقيق عائد يساوى 50% من جملة الانتاج . وكذلك من تجليات عدالة اتفاقيات اقتسام الانتاج ان ارتفاع وانخفاض اسعار المواد التى تم تعدينها يتحملها الطرفان بالتساوى ، فإن زادت الاسعار استفاد الطرفان بالتساوى ، وان انخفضت الاسعار تضرر الطرفان بالتساوى . وبالاضافة الى ذلك فإن اتفاقيات اقتسام الانتاج تجعل كل طرف هو الذى يحدد التاريخ الذى يبيع فيه نصيبه .
اما الاشكال الأخرى من عقود واتفاقيات التعدين سواء كانت مشاركة فى رأس مال الشركة المنتجة او نسبة من الأرباح او ضرائب او رسوم ، فانها تدخل الدولة فى متاهات حسابات الارباح والتى تعظم الخسائر وتقلل الأرباح والتى أصبحت مهنة يصعب على الدول اجادتها ، كما تدخلها فى متاهات المشاركة الفاعلة فى الإدارة ، وهو أمر اكثر صعوبة على الدول النامية ، ولذلك وبظهور اتفاقيات اقتسام الانتاج اصبحت هى سيدة الموقف ، وإستناداً الى تلك الحيثيات فإننا نوصى باعتمادها صيغة وحيدة للتعاقد مع المستثمرين فى مجال التعدين بعد انتهاء مرحلتى البحث والاستكشاف .
وتتنوع الجوانب التى تحتاج الى اصلاح قانونى فى مجال التعدين ، إلا اننى رايت ان اقصر مساهمتى فى مقال اليوم على أهم تلك الموضوعات ، وهو أهمية العمل باتفاقيات اقتسام الانتاج حتى لا يفوتنا شرف المساهمة فى الإصلاح . ولنا عودة إنشاء الله لتغطية العديد من الجوانب الأخرى التى تحتاج الى إصلاح قانونى ، ولإيراد تفصيلات أكثر لتكملة الاستعراض العام الذى ورد فى هذا المقال حتى يصلح تضمينه فى التشريعات ذات الصلة . وكلمة أخيرة تضمن نجاح تجربة اتفاقيات اقتسام الانتاج ، وهى انه ينبغى على الدولة إصدار نظام محاسبى دقيق جداً لتلك الاتفاقيات لتفادى تضخيم تكاليف الانتاج والإدارة .




عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////