بسم الله الرحمن الرحيم
30 يونيو 2013
ملف 316



د. أحمد المفتى المحامى وكيل وزارة العدل الأسبق

أوردنا فى مقالنا بالأمس أن ليالى سد النهضة الاثيوبى من الليالى حبالى تلدن كل جديد . ولم يكد مداد ذلك المقال يجف حتى حملت الاخبار ان البرلمان اليوغندى قد صادق على اتفاقية عنتبى ، وبذلك تصبح يوغندا هى الدولة الثانية بعد اثيوبيا التى تصادق على تلك الاتفاقية ، وتدخل تلك الاتفاقية حيز النفاذ عند بلوغ عدد الدول التى تصادق أو تنضم اليها الى ست دول . والعلاقة بين سد النهضة واتفاقية عنتبى ان اثيوبيا قد ارادت بتصديقها على اتفاقية عنتبى ان تجعل سد النهضة إحدى المنشآت المائية بموجب اتفاقية عنتبى وليس بموجب تعاون ثلاثى بينها وبين السودان ومصر ، كما يعتقد السودان .
ولكن ليس ذلك هو الخبر ، وانما الخبر هو وصف وزير المياه والبيئة اليوغندى ، عند مصادقة البرلمان اليوغندى على تلك الاتفاقية ، بانها اتفاقية "لاقتسام المياه" ، وليس "لاستخدامها" . وشتان ما بين "اقتسام المياه" الذى يؤدى الى اعطاء كل دولة حصة معلومة من المياه ، كما يعطيها الحق المطلق فى التصرف فى تلك المياه بالاستخدام أو البيع ، وبين "استخدام المياه" الذى يعطى الدولة كمية المياه التى ترغب فى استخدامها ، ولكنه لا يعطيها الحق فى بيعها .
ولا شك أن "اقتسام المياه" هو اكبر تهديد يواجه السودان صاحب اكبر اراضى زراعية فى افريقيا ، ولذلك فإن السودان قد كان حريصاً اثناء سنوات التفاوض حول تلك الاتفاقية على جعلها اتفاقية "لاستخدام" المياه بصورة منصفة ومعقولة دون تسبيب ضرر للآخرين ، وليس "لاقتسام" المياه . ولقد كان تحرك السودان ومصر فى ذلك الاتجاه عبر سلسلة مجاهدات تحفظها محاضر الاجتماعات . شارك فيها من الجانب السودانى شخصى الضعيف والمرحوم المهندس بخيت مكى ، وشارك فيها من الجانب المصرى المرحوم البروفسير صلاح عامر والمهندس محمد ناصر عزت ، متعه الله بالصحة والعافية .
ويبدو أن غياب السودان ومصر عن ساحة دول حوض النيل سوف يجعل تلك الدول تفسر اتفاقية عنتبى بالصورة التى تروق لها . وأقول غياب السودان ومصر وليس تغييبهما ، لأن وزراء المياه بدول حوض النيل قد اعطوا السودان ومصر فى اجتماعهم الذى عقد بروندا فى يوليو 2012 فرصة لتقديم وجهة نظرهم المتعلقة بالوصول الى توافق حول اتفاقية عنتبى للتفاكر حولها فى اجتماع يعقد خصيصاً لذلك الغرض فى سبتمبر 2012 . ولكن للأسف الشديد لم يهتم السودان ومصر بذلك ، ووضعا كل بيضهما فى السلة الاثيوبية ، على اعتبار ان 85% من المياه تأتى من اثيوبيا ، ولذلك فانه لا داعى للاهتمام بالوصول الى توافق حول اتفاقية عنتبى ، وانه لابد من التركيز على التعاون مع اثيوبيا .   
ولقد جاءت المفاجأة من العيار التقيل من أثيوبيا ذات نفسها كما توقعنا ، والتى ما ان ضمنت اشتراك السودان ومصر فى اللجنة الثلاثية الدولية لسد النهضة التى اكتملت اعمالها الصورية ، حتى سارع البرلمان الاثيوبى بالتصديق على اتفاقية عنتبى ، ثم اعقب ذلك فى ترتيب دقيق تصديق يوغندا على ذات الاتفاقية واعلانها انها اتفاقية "لاقتسام" المياه . وهكذا اصبحت المياه خلف سد الألفية قابلة للقسمة بإرادة اثيوبية منفردة ، دون ان تصرح اثيوبيا بذلك فى الوقت الراهن ، فى تصرف دبلوماسى لا نملك إلا ان نعجب به .
وتحسباً لذلك فقد كنا ومنذ مايو 2011 نحذر من الاشتراك فى اللجنة الثلاثية ونطالب بأن يشترط السودان لذلك المحافظة على الأمن المائى وحقوق واستخدامات كل دولة من دول حوض النيل ، ولكن لم تقدر نصيحتنا حق قدرها ، وهكذا وقع الفاس فى الرأس ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم . ولا شك أن التعامل مع ذلك التطور أصبح أكثر تعقيداً ، مقارنة مع اشتراط الأمن المائى الذى كان فى متناول اليد . ليس ذلك فحسب ، وانما الأسوأ هو ان كل يوم يمر ولا يعيد فيه السودان حساباته من جديد قد يأتى بمستجدات اكثر سوءاً مما يجعل التعامل لحفظ الأمن المائى للسودان اكثر صعوبة ، متجهاً تدريجياً نحو الاستحالة .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.