بسم الله الرحمن الرحيم
9 يونيو 2013
23/61

د. أحمد المفتى مدير مركز الخرطوم الدولى لحقوق الإنسان (KICHR)

إن أصل المشكلة هو عما اذا كان يحق لكل دولة من دول حوض النيل التصرف بانفراد فى مياه النيل . ولقد تم الاتفاق على البت فى ذلك الموضوع من خلال لجنة خبراء (POE) تم الاتفاق على شروطها المرجعية فى اروشا بتنزانيا عام 1995 . ولقد تكونت تلك اللجنة من خبراء من كل دول الحوض عدا ارتريا . ولقد واصل متابعة ذلك الموضوع فى كل مراحله من جانب السودان شخصي الضعيف والمرحوم المهندس بخيت مكى الى ان توفاه الله . ومن الجانب المصرى المهندس محمد ناصر عزت والمرحوم البروفسير صلاح عامر الى ان توفاه الله .
ولقد تمكن السودان ومصر خلال مئات الجولات من المفاوضات والمشاورات والحوارات مع دول حوض النيل خاصة اثيوبيا من حل معظم النقاط الخلافية على كثرتها وتبقت ثلاث نقاط فقط . ومن النقاط الكثيرة التى تم التوافق حولها وفقاً للطرح السودانى المصرى رفض مبدأ بيع المياه وذلك من خلال رفض النص على المخاصصة والنص على ان المياه ليست سلعة اقتصادية فحسب واستخدام المياه داخل الحوض . وعلى الرغم من توقيع ست دول على اتفاقية عنتبى ، إلا أن الطرح السودانى الذى يهدف الى تجاوز الخلافات وصولاً الى توافق بين جميع دول حوض النيل ظل مستمراً حتى يوليو 2012 .
وللحقيقة والتاريخ فإن اداء السودان كان مؤسسياً اشتركت فيه كل الجهات الرسمية وغير الرسمية ، فقد كانت تشرف على الموضوع سياسياً لجنة وزارية عليا برئاسة النائب الأول لرئيس الجمهورية ، وتشرف عليه فنياً لجنة من وكلاء كافة الوزارات والجهات الحكومية المعنية برئاسة وكيل وزارة الرى . وكان الوفد السودانى تمثل فيه كافة التخصصات ذات الصلة الهندسية والقانونية والأمنية والدبلوماسية . كما كان يشترك فى الامر البرلمانيون من المجلس الوطنى ومجلس الولايات ، ولقد كان آخر المشتركين د. عمر من المجلس الوطنى ود. أمبلى من مجلس الولايات فى يوليو 2012 ، وبالاضافة الى ذلك كانت تشارك المنظمات غير الحكومية من خلال مجموعة اصدقاء النيل . وفوق كل ذلك كانت هنالك لجنة استشارية للوفد التفاوضى مكونة من كافة التخصصات بما فى ذلك الجامعات وكرسى اليونسكو للمياه وخبراء المياه الذين تقاعدوا من المنظمات الدولية .
ولقد كان الامر يسير فى الاتجاه الصحيح حتى 26 مايو 2011 عندما قبل السودان ومصر الاشتراك فى اللجنة الدولية الثلاثية من دون اى تحفظات ، على الرغم من ان اثيوبيا كانت قد اعلنت خلال مارس/ ابريل 2011 عن إنشاء سد الألفية ووقعت على العقود ووضعت حجر الاساس ومنذ ذلك التاريخ ارتكب السودان ومصر أربعة اخطاء استراتيجية عبرت عنا كتابة فى خطاب بتاريخ 21 مايو 2011 وافصل ذلك فى الاتى:
(1)    الخطأ الاستراتيجي الأول:
أن اعلان انشاء السد والتوقيع على عقود الانشاء ووضع حجر الاساس يعنى من الناحية القانونية ان اثيوبيا تؤكد موقفها القانونى بعدم الاعتراف باتفاقية 1902 بين السودان واثيوبيا التى تمنعها من اعاقة المجرى إلا بموافقة حكومة السودان ، كما انها تؤكد موقفها القانونى الذى عبرت عنه عام 1997 عند اعتماد اتفاقية الامم المتحدة حيث أوضحت اثيوبيا انها لا تلتزم باتفاقية 1902 وغيرها من الاتفاقيات المماثلة ، كما انها لا تلتزم بقواعد القانون الدولى التى تلزم الدول المشاطئة بعدم تسبيب ضرر وبالاخطار المسبق .
ولذلك فإن الخطأ الاستراتيجى الأول الذى ارتكباه السودان ومصر هو تقاعسهما عن الاعتراض الرسمى على ذلك التصرف القانونى الذى ظلا يناهضانه منذ 1995 لأنه يكسب التصرفات الاثيوبية المنفردة الشرعية ، لأن التقاعس أو التراخى فى الاعتراض يؤدى الى ضياع الحقوق . وبذلك تكون اثيوبيا قد ضربت "بالامن المائى" وحقوق واستخدامات دول حوض النيل الأخرى عرض الحائط . ومن المعلوم ان مسعى السودان الاستراتيجى لأن يصبح سلة غذاء دول حوض النيل وافريقيا والعالم العربى والعالم بأكمله لن يتحقق بحصة السودان الحالية ، كما أنه لن يتحقق باسترداد السلفية المائية من مصر التى نصح بها د. سلمان ، ,انما يتحقق فقط بـ"الأمن المائى" الذى التزمت به اثيوبيا بموجب الاتفاقية المبرمة بين البلدين سنة 1902 .
وذلك الخطأ سوف يؤدى ، بالاضافة الى ذلك ، الى عدم استقرار الحدود الدولية بين السودان واثيوبيا ، لأنه عندما اعدت اثيوبيا اتفاقية 1902 فإنها قد ارفقت معها خريطة بالحدود الدولية بين السودان واثيوبيا حسبما ترى اثيوبيا ، وفى مقابل موافقة السودان على تلك الخريطة التزمت اثيوبيا فى تلك الاتفاقية بالأمن المائى للسودان . ولذلك فإن إنشاء سد الألفية من دون ضمان الأمن المائى للسودان يعتبر الغاءاً لذلك الجزء من الاتفاقية ، وفى ذات الوقت الابقاء على الحدود الدولية جسب الرؤية الآثيوبية . 
ومن المعلوم أن المياه خلف السد العالى والمخزنة داخل الأراضى السودانية هى تحت تصرف السودان ومصر بموجب اتفاقية 1959 ، وذلك ترتيب يحقق الأمن المائى للدولتين ، أما المياه التى سوف تخزن خلف سد الألفية والتى سوف تشمل وفورات مائية كثيرة بسبب قلة التبخر ، بخلاف التبخر الكبير خلف السد العالى والمقدر بعشرة مليار متر مكعب من الماء ، فانها سوف تكون تحت تصرف اثيوبيا بالكامل . ونوضح بأن اثيوبيا لا تعترف حتى بحصتى السودان ومصر فى اتفاقية 1959 ، ولذلك فإنه ليس فى ترتيبات سد الألفية ما يضمن للسودان ومصر احتياجاتهما المستقبلية سوى حسن النية الاثيوبية ، ولا اعتقد ان المصالح الاستراتيجية تتحقق بالاعتماد على حسن النوايا والحديث الدبلوماسى المنمق .
والمخاوف التى يمكن ان تساور مصر والسودان فى ذلك الصدد هى ان تحول اثيوبيا تلك المياه الكثيرة خلف سد الألفية الى المناطق الزراعية الشاسعة باثيوبيا خارج الحوض ، أو بيعها للسودان ومصر أو لجهات أخرى عبر النيل . وانه فى حالة رفض السودان للتعاون ، فانها سوف تعمل على تصريف تلك المياه فى اوقات لا يمكن للسودان الاستفادة منها ، وحينذاك سوف يجد السودان نفسه مضطراً لقبول الإملاءات الاثيوبية .
ولان السودان كان يعى تلك الحقيقة جيداً ، فإن المفاوض السودانى قد ربط موافقته على اتفاقية عنتبى بتضمينها نص لتحقيق "الأمن المائى والمحافظة على حقوق واستخدامات كل دول حوض النيل" ، لأن ذلك هو السبيل الوحيد الذى سوف يؤمن "الأمن المائى" للسودان . ومن البدهى أن "الأمن المائى" للسودان هو الذى سوف يحقق "الأمن الغذائى" لدول حوض النيل من خلال مبادئ وحدة المصالح بين دول حوض النيل Community of interests  واقتسام المنافع  Sharing of Benefits التى حرص السودان على تضمينها فى صلب اتفاقية عنتبى .
(2)    الخطأ الاستراتيجى الثانى:
الخطأ الاستراتيجى الثانى هو موافقة السودان ومصر على المشاركة فى اللجنة الفنية الدولية دون أى تحفظات ، لأن تلك الموافقة تعضد الموقف القانونى الاثيوبي المشار اليه اعلاه والذى اخفق السودان ومصر فى مناهضته ، وتضعه موضع التنفيذ الفعلى . وذلك الخطأ الاستراتيجى الثانى هو خطأ مركب لأنه تضمن اخطاء فرعية أخرى عديدة ، ومن ذلك انه قد فات على السودان ومصر الاستفادة من الأجزاء الأخرى فى محضر اجتماع رئيس الوزراء الاثيوبى مع رئيس الوزراء المصرى فى اجتماعتهما بتاريخ 12 – 13 مايو 2011 الذى تكونت بموجبه اللجنة الدولية والتى تشير الى “WIN-WIN” و “framework” ، والاحترام والمنافع المتبادلة ، حيث انه كان يمكن لتلك الاجزاء فى حالة فهمها على الوجه الصحيح وبلورتها ان تعالج الموقف . ولقد كان نص المحضر كالآتى:
2. The Nile issue should be treated on a win-win basis and agreed on the need to package a framework based on mutual respect and benefit”.
3. Ethiopia will delay ratification of the CFA until there is permanent government in Egypt.
4. “Both sides agreed that an Independent Technical Committee of Experts from Ethiopia, Egypt and the Sudan together with International experts should look at the technicalities and impact of the new Ethiopian Renaissance Dam. The Terms of reference should be agreed in due course”.

ومن الواضح ان السودان ومصر قد فات عليهما أهمية الفقرة (1) من المحضر ، ووافقتا اثيوبيا على تكوين اللجنة الثلاثية بموجب الفقرة (4) ، كما ارتكبتا خطأ فرعياً آخر بالموافقة على ان يتم وضع الشروط المرجعية لتلك اللجنة لاحقاً باتفاق الثلاث دول ، وليس وفقاً للقانون الدولى الذى يحدد الشروط المرجعية للاخطار المسبق . ولذلك فإننا نتساءل عن جدوى اشتراك السودان ومصر فى أعمال تلك اللجنة الصورية ، وجدوى النقاش الدائر حالياً حول مخرجات اللجنة ، خاصة وأن اثيوبيا قد اعلنت انها غير ملزمة بها . ولتأكيد ذلك الموقف الاثيوبى نشير الى انه وفى ندوة مفتوحة قبل شهر اقامها الاتحاد العام للطلاب السودانيين تحدثت فيها عن التعاون بين دول حوض النيل وعن سد الألفية ، وتحدث فيها كذلك السفير الاثيوبى بالخرطوم فإنه قد اعترف امام الجميع بان اثيوبيا قد فرغت من دراسات سد الألفية فى العام 2008/ 2009 ، إلا انها لن تعطى تلك الدراسات للسودان أو مصر لأنهما لم يطلعاها على دراسات السد العالى وخزان سنار وخزان الروصيرص .
(3)    الخطأ الاستراتيجي الثالث:
لقد حقق السودان نجاحات باهرة فى اجتماع وزراء المياه بدول حوض النيل الذى عقد برواندا فى يوليو 2012 ، ونتيجة لذلك طالب رئيس المجلس الوزارى منذ أغسطس 2012 السودان ومصر بتقديم رؤيتهما التوافقية حول اتفاقية عنتبى والتى وعدا بتقديمها فى اجتماع وزارى طارئ ، ولكن حتى تاريخه لم يستجيب السودان لتلك المطالبة التى كان قد سعى لها ، وهكذا أصبح موقف السودان ومصر من اتفاقية عنتبى متجمداً فى مكانه ، على الرغم من ان الخلاف حول اتفاقية عنتبى هو ذات الخلاف الدائر حالياً حول سد الألفية الاثيوبى . وسوف يطل ذلك الخلاف برأسه كلما سعت اىدولة من دول حوض النيل الى انشاء اى مشروعات مائية . ولذلك ما كان ينبغى للسودان ومصر ان يتركا أمر اتفاقية عنتبى معلقاً ، وذلك هو ما أشرنا اليه فى هذا المقال بالخطأ الاستراتيجى الثالث .
(4)    الخطأالاستراتيجى الرابع:
الخطأ الاستراتيجى الثالث من قبل مصر هو الاتجاه لحل الموضوع عن طريق القوة أو زعزة الاستقرار السياسى فى اثيوبيا ، لأن ذلك من الامور غير المشروعة ، وبالاضافة الى ذلك فانه لن تؤدى الى تحقيق الاهداف الموحدة . أما الخطا الأستراتيجى الثالث الذى تشير المعلومات الى ان السودان قد شرع فى ارتكابه فهو التحرك للوصول الى توافق بين الدول الثلاث سواء كان ذلك على مستوى الوزراء او المستوى الرئاسى دون ان يكون ذلك التحرك تحركاً "مستنيراً – Informed" ومبنياً على تلافى الاخطاء الاستراتيجية المشار اليها اعلاه ، لأن التحرك بدبلوماسية الثقة وحسن النوايا لا تحقق المصالح الاستراتيجية القومية والتى هى ليست ملكاً لأى فرد أو حكومة بل ملك للوطن والمواطنين .
ومن المعلوم انه ليس لأحد الحق فى الاعتراض على استفادة اثيوبيا من الموارد المائية لنهر النيل ، لكن بشرط ان تكون تلك الاستفادة دون تسبيب ضرر ولتحقيق الأمن المائى للسودان وأثيوبيا ومصر وجنوب السودان . وينبغى أن يكون الغرض من اى تحرك سودانى هو الوصول الى اتفاق رباعى بين السودان واثيوبيا ومصر وجنوب السودان لتحديد الاطار القانونى والمؤسسى والفنى للسد على ضوء اتفاقية 1902 والقانون الدولى ، وبما لا يتعارض مع التعاون مع كافة دول حوض النيل من خلال الوصول التى توافق حول النقاط الخلافية فى اتفاقية عنتبى .
وفى الختام فإن كل تلك الأخطاء الاستراتيجية يمكن للسودان ومصر تداركها من خلال الجلوس حول طاولة المفاوضات ، والعمل من خلال اطار قانونى ومؤسسى موسع على مستوى الرئاسة والوزراء والفنيين والخبراء يناقش الموضوع بفهم مستنير لكيفية تدارك الاخطاء الاستراتيجية المشار اليها أعلاه ، وصولاً الى اتفاق يؤمن لاثيوبيا احتياجاتها من الكهرباء ، وفى ذات الوقت يوفر الأمن المائى للسودان ولمصر ، وعدم التعويل على حسن النوايا والوعود السياسية غير الملزمة ، ولابد ان يشرك السودان فى ذلك التحرك كافة القوى السياسية المشاركة فى الحكم والمعارضة . وداخل ذلك الاطار الموسع يمكن النظر فى تقرير اللجنة الدولية ومتابعة تنفيذ ما ورد به من توصيات ، وبذلك يكون السودان قد وضع الحصان امام العربة ، لأنه لا يعقل المشاركة فى عضوية اللجنة الفنية التى اعلنت اثيوبيا مسبقاً عدم الالتزام بمخرجاتها خارج اطار قانونى ومؤسسى موسع يناقش ضمن اشياء أخرى ماذا تعنى اثيوبيا بعدم التزامها بمخرجات عمل اللجنة الفنية .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.