عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


بسم الله الرحمن الرحيم
ملف 316
تحويل اثيوبيا لمجرى النيل الأزرق دون مشاورات ومفاوضات
مع السودان ومصر إنتهاك للقانون الدولى

إتصل بى من واشنطن الاستاذ/ صلاح شعيب والذى لم التقيه من قبل وطلب منى بحس وطنى أغبطه عليه كتابة مقال أعجل ما تيسر عن قيام اثيوبيا بتحويل مجرى النيل الأزرق فى مسعاها لبناء سد الألفية .
ولقد طلب منى ذلك على الرغم من انه صديق شخصى للدكتور سلمان الذى يجاوره السكن فى واشنطن ، والذى دائماً ما يلوم السودان ومصر على تعسف مواقفهما من دول حوض النيل على الرغم من أن السودان ومصر قد اعترفتا بحقوق تلك الدول فى الاتفاقية المبرمة بين الدولتين عام 1959 ، حتى قامت اثيوبيا بالاعلان عن تحويل مجرى النيل الأزرق فى تجاوز خطير وغير مسبوق للتعاون الدولى على النحو الذى سوف نوضحه لاحقاً فى هذا المقال ولا يخفف من غلواء ذلك التجاوز إلا عدم توقيع السودان على اتفاقية عنتبى التى وقعت عليها اثيوبيا مع دول الهضبة الاستوائية التى لا يربطها أى رابط مائى مع اثيوبيا . وقبل ان أدلف الى الموضوع أحب ان أوضح انه قد كان لى تواصلاً فكرياً مع الاستاذ/ صلاح شعيب لأننى اشرت الى مقال نشره بعنوان "الإصلاح العربى" بصحيفة الصحافة بتاريخ 9 أغسطس 2007 وذلك فى كتابى الذى نشرته عام 2007 بعنوان "تحالف الحضارات ... قمة الفكر الغربى وتجاوز محددات الفكر البشرى" .
ولقد ترددت كثيراً فى الاستجابة لطلب الاستاذ/ صلاح شعيب لأنه قد سبق لى ان كتبت عشرات المقالات وشاركت فى عشرات المحافل متحدثاً عن الموضوع ناصحاً قومى بمنعرج اللوى ، إلا ان الحراك والانزعاج الذى أبداه الجانب المصرى فور انتشار خبر تحويل اثيوبيا لمجرى النيل الأزرق بالأمس قد أكد لى أهمية كتابة هذا المقال ، خاصة وأنه لم يصدر تصريح رسمى من السودان حتى الآن .
وابتداءاً أحمد الله كثيراً ان الحكومة السودانية لم توقع على اتفاقية عنتبى حسبما كان ينصح د. سلمان ، لأن عدم التوقيع على تلك الاتفاقية يعطى السودان الحق الكامل فى الاعتراض على التصرف الاثيوبى استناداً الى القانون الدولى الذى عبرت عنه المادة 12 من اتفاقية قانون استخدام المجارى المائية الدولية فى الأغراض غير الملاحية التى اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1997 والتى تنص على الآتى: "قبل ان تقوم دولة من دول المجرى المائى أو ان تسمح بتنفيذ تدابير مزمع اتخاذها يمكن ان يكون لها أثر سلبى جسيم على دول أخرى من دول المجرى المائى ، عليها ان توجه الى تلك الدول اخطاراً بذلك فى الوقت المناسب". وتكمل المادة 17 من ذات الاتفاقية ذلك الالتزام على اثيوبيا بالنص على الآتى: "على الدولة التى وجهت الاخطار ان تمتنع ، أثناء المشاورات والمفاوضات ، عن تنفيذ التدابير المزمع اتخاذها أو السماح بتنفيذها لمدة ستة اشهر ...".
وأعلم تماماً ان اثيوبيا قد تحفظت على المادتين المذكورتين أعلاه ، كما أعلم تماماً ان تلك الاتفاقية لم تدخل حيز النفاذ كما يحب ان يؤكد د. سلمان ، ولكنننى فى ذات الوقت أقول بثقة تامة ان المادتين المذكورتين تلزمان اثيوبيا لأنهما تكشفان عن القانون الدولى العرفى الملزم لكل الدول ، بما فى ذلك اثيوبيا وانهما لم يأتيا بجديد ، ولقد أيدت ذلك الرأى محكمة العدل الدولية . وبالاضافة الى ذلك فان اثيوبيا ملزمة بذلك بموجب اتفاقية 1902 التى ابرمها الامبراطور منليك مع حكومة السودان ، وبموجب مبادرة دول حوض النيل التى تقوم على الرؤية المشتركة وليس التصرفات المنفردة للدول .
ومن ناحية أخرى فقد يقول قائل بان اثيوبيا قد اخطرت السودان ومصر من خلال اللجنة الثلاثية المشكلة من خبراء من الدول الثلاث ، ولكن كما سبق أن أوضحت مراراً وتكراراً ان تلك اللجنة صورية ومخرجاتها غير ملزمة لاثيوبيا ، كما صرح بذلك العديد من المسؤولين الاثيوبيين ، كما أن تلك اللجنة على علاتها لم تفرغ من تقديم تقريرها حتى الآن ، وعلى الرغم من ذلك فإن اثيوبيا مستمرة فى إنشاء السد ، وما تحويل مجرى النيل الأزرق إلا دليل ناصع على ان اثيوبيا تتصرف بانفراد ، كما أوضح السفير الاثيوبي بالخرطوم فى ندوة اشتركت معه فيها وعقدها الاتحاد العام للطلاب السودانيين ، حيث أوضح ان دراسات اثيوبيا لسد الألفية قد انتهت عام 2009 وان اثيوبيا لن تعطى تلك الدراسات للسودان ومصر لانهما لم يمنحاها دراسات السد العالى وخزان سنار وخزان الروصيرص .
وتربطنى علاقة زمالة مهنية قوية مع د. سلمان ولكننى ناهضت آراءه التى تدعو للتوقيع على اتفاقية عنتبى خشية اعتماد اثيوبيا عليها فى تصرفاتها المنفردة فى مياه النيل على نحو ما حدث مؤخراً. كما أننى قد ناهضت اشتراك السودان ومصر فى اللجنة الثلاثية لأنها لا تملك أى صلاحيات . وطالبت بأهمية وجود إطار قانونى ومؤسسى لسد الألفية ، يمكن اثيوبيا من انتاج كميات الكهرباء التى تريدها ، وفى ذات الوقت يتم تأمين الأمن المائى للسودان ومصر ، سواء كان ذلك من خلال الملكية المشتركة للسد كما هو الحال فى سد مننتالى على نهر السنغال ، أو خلال الادارة المشتركة كما هو الحال فى سد اوين بيوغندا .
وحتى لا يقتصر تناولنا للموضوع على البكاء على اللبن المسكوب فإننا نوصى بتحرك سودانى مصرى عاجل من خلال مذكرة قانونية باللغة الإنجليزية ضافية لا تترك شاردة ولا واردة تطلب من اثيوبيا التوقف فوراً عن اى اجراء يتعلق بانشاء سد الالفية سواء كان ذلك بتحويل مجرى النهر أو خلافة لمدة لا تقل عن ستة أشهر ، والدخول فوراً فى مشاورات واذا اقتضى الامر مفاوضات مع السودان ومصر للبت فى الموضوع بما يحقق مصالح الدول الثلاث ، وانه ينبغى ارسال صورة من تلك المذكرة لبقية دول حوض النيل وللأمين العام للأمم المتحدة وللاتحاد الافريقى ولكل الدول المانحة وصناديق وجهات التمويل الدولية والإقليمية ولكل المستثمرين فى سد الألفية .  
وبالاضافة الى الحفاظ على الحقوق القانونية للسودان ومصر ، والتى يؤثر عليها سلباً التراخى فى المطالبة فإن فائدة تلك المذكرة تكمن فى أنها سوف تجعل كل المانحين والمستثمرين يفكرون كثيراً قبل الاقدام على المساهمة فى تمويل سد الألفية ، لأن المذكرة سوف تشرح لهم بان ذلك سوف يكون مخالفاً للقانون الدولى . كما ان تلك المذكرة سوف تكون هى الاساس لتوحيد الخطاب الإعلامى الرسمى حول الموضوع ، حتى لا يضعف تضارب التصريحات الرسمية موقف السودان . وكذلك سوف تكون تلك المذكرة هى الاساس للتنسيق مع مصر حول الموضوع ، ولذلك فان اى ضعف فى مضمون او صياغة تلك المذكرة سوف يصعب تدارك آثاره .
وهذا الرأى الذى أعبر عنه الآن قد عبرت عنه منذ مايو 2011 عندما ظهرت فكرة اللجنة الثلاثية الى حيز الوجود لأول مرة ، وفيما يلى مقتطفات من مذكرات ومقالات سبق ان كتبتها حول الموضوع:
(1)    مذكرة بتاريخ 23 مايو 2011 أوضحت فيها أهمية اعطاء اللجنة الثلاثية اختصاص فيما يتعلق بملكية سد الألفية وتشغيله ، وان اساس عمل اللجنة ينبغى ان يكون هو المصلحة المشتركة للدول الثلاث وان تعمل اللجنة من خلال اطار مؤسسى وقانونى .
(2)    خطاب لوزير الموارد المائية بتاريخ 26 مايو 2011 يوضح أهمية الاتفاق على عدد من الامور قبل تشكيل اللجنة الثلاثية من بينها اتفاقية 1902 .
(3)    فى مقال نشرته بصحيفة التيار بتاريخ 25 مايو 2012 بعنوان "حقوق السودان ومصر المائية فى مهب الريح بعد سنوات من الصمود". ذكرت الآتى عن اللجنة الثلاثية: "وهى لجنة صورية الغرض منها استيفاء مطلوبات الاخطار المسبق الذى يتطلبه القانون الدولى ، ولقد انطلى ذلك التدبير على مصر والسودان...".
(4)    فى مقالات نشرت بموقع سودانايل أوردت الآتى عن الموضوع:
(‌أ)    بتاريخ 30 مارس 2013 "....وبصفة خاصة فان سد الألفية باطاره التفاوضى الحالى عبر لجنة فنية ثلاثية ...هو اكبر مهددات الأمن المائى السودانى ، لأن اللجنة الثلاثية ليس لها أى صلاحيات ...".
(‌ب)    بتاريخ 19 ابريل 2013 : "وللذين يتعاملون بحسن نية مع الموقف الأثيوبى نوضح لهم بأننا لسنا سئ الظن ، بل ندعو للحيطة والحذر بناء على حيثيات كثيرة لا يعلمها كثيرون تبرر ذلك ، ومنها أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اعتمدت بتاريخ 28 يوليو 2010 قراراً حول حق الانسان فى الماء بأغلبية 122 صوتاً ودون معارضة من أى دولة ، إلا أن اثيوبيا كانت من بين الدول التى امتنعت عن التصويت . ومن تلك الحيثيات كذلك ان اثيوبيا عند اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة لاتفاقية قانون إستخدام المجارى المائية الدولية فى الأغراض غير الملاحية بتاريخ 21 مايو 1997 قد قدمت أربعة تحفظات فى غاية الأهمية توضح اهتمامها بالأمن المائى الاثيوبى فقط ، ولا تكترث للأمن المائى للدول المشاطئة ، الأخرى حتى ولو كان ذلك الاهتمام يتعارض مع مبادئ القانون الدولى المتفق عليها . والشاهد فى ذلك أن تلك التحفظات الآثيوبية كانت عن أهمية أن تلغى الاتفاقية الجديدة الاتفاقيات السابقة ، وأن أثيوبيا لا تعترف بمبدأ عدم تسبيب ضرر للآخر (هذا المبدأ تضمنته إتفاقية عنتبى التى وقعت عليها اثيوبيا نتيجة للجهود التى بذلها السودان خلال التفاوض حول اتفاقية عنتبى) ، وانها لا تعترف كذلك بمبدأ الأخطار المسبق ونتائح لجان التحقيق . فكيف يستقيم تكوين لجنة فنية ثلاثية مع دولة لا تعترف بعدم تسبيب ضرر للآخرين ، كما انها لا تعترف بالاخطار المسبق (راجع شرح اتفاقية الأمم المتحدة فى دراستنا التى اعددناها بتكليف من معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية عام 1999) ".
(‌ج)    بتاريخ 13 ابريل 2013: "وينبغى ان يكون تشكيل اللجنة .... لتحديد الإطار القانونى والمؤسسى والفنى للسد على ضوء اتفاقية 1902".
(‌د)    بتاريخ 20 ابريل 2013: "إتفاقية 1902 باللغة الأمهرية ... لتوثيق اواصر الصداقة عن طريقة استقرار الحدود الفاصلة بين السودان والحبشة وعدم اعتراض مياه النيل الازرق وبحيرة تانا والسوباط ما لم توافق حكومة بريطانيا هى وحكومة السودان ....وتكون الاتفاقية ملزمة كذلك لورثة العرش واللذين يؤول لهم الحكم فى اثيوبيا".
(5)    وفى مقال نشر بصحيفة السودانى بتاريخ الأول من ابريل عام 2013 بعنوان خارطة طريق للأمن المائى السودانى أوردت الآتى: "....أنه ليس من مصلحة السودان مناقشة سد الألفية خارج إطار مفهوم الأمن المائى ... وكما هو معلوم فإن الأمن المائى ليس مفهوماً هندسياً تناقشه لجنة فنية ، بل هو مفهوم يشمل الأطر القانونية والمؤسسية التى تشمل الملكية المشتركة والتشغيل المشترك للسد ، وهى أمور لا تختص اللجنة الثلاثية حالياً بمناقشتها".
وفى الختام فإننى قد سبق ان اشرت الى ان الفقرة التى وردت فى البيان المشترك للمباحثات السودانية المصرية بالخرطوم بين البشير ومرسى بتاريخ 4 – 5 ابريل 2013 والتى تنص على: "إتفق الجانبات على الاستمرار فى التنسيق والتعاون المشترك بخصوص مياه النيل ، مؤكدين وحدة موقفهما المشترك بالتعاون مع دول حوض النيل". ينبغى ان تنزل الى أرض الواقع اعجل ما تيسر خاصة فيما يتعلق بسد الألفية . وتكمن أهمية تلك الاشارة الآن فى أن اثيوبيا العضو فى اللجنة الثلاثية قد تصرفت منفردة ولم تنتظر تقرير اللجنة التى تشترك فى عضويتها ، ولذلك ينبغى على السودان ومصر الاعتراض على النحو الموضح أعلاه واعادة النظر فى جدوى تلك اللجنة ، وأن يكون الموقف من مياه النيل هو اساس العلاقة مع أثيوبيا .