بسم الله الرحمن الرحيم
ملف 316   

"دولة الظلم" ساعة و"دولة الحق" الى قيام الساعة:
تبسيط حقوق الإنسان لتكون فى متناول يد الجميع

د. احمد المفتى مدير عام مركز الخرطوم الدولى لحقوق الإنسان (KICHR)

إن الهدف الأساسى لثورة الحقوق ، التى أسسناها عبر مركز الخرطوم الدولى لحقوق الإنسان (KICHR) عام 2005 ، هو تنوير الجميع بحقوقهم وتمكينهم من المطالبة بها سلمياً ، لأنه من دون معرفة تلك الحقوق فانه لن يتيسر للمواطنين المطالبة بحقوقهم . وكما هو معلوم فإن النص على النظام الدولى لحقوق الإنسان قد ورد مجملاً في ميثاق الأمم المتحدة الصادر عام 1945 ، ولقد كان التناول موضوعياً فى المواد 1(3) و55(ج) و62(2) ، ومؤسسياً فى المادتين 68 و71 ، لعدم وجود توافق دولى حول اكثر من ذلك الحد الأدنى انذاك . وبصدور الأعلان العالمى لحقوق الإنسان عام 1948 توسعت تلك النصوص الموضوعية لتصبح ثلاثين مادة . وهكذا تواصل التوسع في حقوق الإنسان الي يومنا هذا . ولقد صدرت عشرات بل مئات الصكوك الدولية حول حقوق الإنسان ، إلا ان اهم وثيقتين فى النظام الدولى لحقوق الإنسان هما العهد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اللذين تم اعتمادهما من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة فى العام 1966 وسرى مفعولها فى العام 1976 . ولقد صادق عليهما السودان عام 1986 ، واعتمدهما في دستور جمهورية السودان الانتقالى لعام 2005 .
ويثير الإعلان العالمى لحقوق الإنسان موضوعا في غاية الاهمية ، ولن يتسنى لأى شخص فهم النظام الدولى لحقوق الإنسان دون فهم ذلك ، حيث ينص الاعلان علي انه "المستوى المشترك الذى ينبغى ان تستهدفه كافة الشعوب والامم" . ولا شك ان تلك الاشارة تجعل النظام الدولى لحقوق الإنسان نظام حد أعلى لا يوجد أفضل منه في اى دين من الأديان . ولو أستمر الأمر علي ذلك النحو لما وجد معتنقوا الأديان السماوية حرجاً في عدم قبول الاعلان ، لأنه بتلك الاشارة يصبح متعارضاً مع الدين ، خاصة الدين الإسلامى الذى اكمله الله سبحانه وتعالى ورضيه ديناً لنا .
ولكن لم يكد يجف المداد الذى كتب به الاعلان العالمى لحقوق الإنسان حتى اكتشف المجتمع الدولى ان الجهد الفكرى البشرى المقدر الذى تضمنه الاعلان يحتاج الي مزيد من التفصيل والتطوير بسبب قصور العقل البشرى مهما بلغ . وهكذا بدأت الجهود الدولية لصياغة العهدين الدوليين لحقوق الإنسان اللذين سبقت الاشارة اليهما .
ولقد أصبح من المتعارف عليه الاشارة الى الاعلان العالمى لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان “International Bill of Human Rights” ، اما "الشرعية الدولية" فهى تشير الي مجمل النظام الدولى خاصة مجلس الأمن الذى يتمتع بسلطات كبيرة . ومن الواضح أن العهدين قد تقاسما النص علي مجموعات حقوق الإنسان الخمس التى وردت فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان بحيث تضمن أحدهما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وتضمن العهد الآخر الحقوق المدنية والسياسية.

وفيما يتعلق بمحددات الفكر البشرى التى لم يفطن لها الاعلان العالمى لحقوق الإنسان الذى جعل نفسه نظام "حد اعلى" بالنص علي انه هو "المستوى المشترك الذى ينبغى ان تستهدفه كافة الشعوب والأمم" كما سبق أن أوضحنا ، نص العهدان صراحة علي ان النظام الدولى لحقوق الإنسان هو نظام "حد أدنى" وذلك من خلال النص علي انه "لا يجوز تقييد اى من حقوق الإنسان الحقيقة المقررة أو القائمة في أية دول طرف في العهد الحالى استناداً الي القانون او الاتفاقات او اللوائح او العرف او التحلل منها بحجة عدم اقرار الاتفاقية الحالية بهذه الحقوق او اقرارها بها بدرجة أقل" ، وكذلك من خلال النص علي جواز تعديل احكام العهدين .
ولا شك ان ذلك الامر يوضح بجلاء تام ان القول بان النظام الدولى لحقوق الإنسان يمنع تطبيق حقوق الإنسان التى وردت في الاسلام هو قول تنقصه الدقة علي أقل تقدير . ولا شك ان كون النظام الدولى لحقوق الانسان قد أصبح نظام "حد أدنى" بموجب العهدين الدوليين فان ذلك يوفر فرصاً كبيرة لاصحاب الاديان خاصة الدين الاسلامى لتطبيق النظام الإسلامى لحقوق الإنسان باعتباره نظاماً افضل من النظام الدولى ، وباعتباره كذلك يستوعب كل ايجابيات النظام الدولى لحقوق الإنسان ، عملاً بقول الرسول (ص) في حلف الفضول بانه لو دعى له لاجاب ، وعلى أساس أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها . وفي تقديرنا ان مفهوم "تحالف الحضارات" الذى اصدرنا كتاباً حوله ، والذى يؤسس عليه النظام الدولى لحقوق الإنسان الذى يحمل ذات مفهوم حلف الفضول . وبما ان النظام الدولى لحقوق الإنسان قد أصبح نظام "حد أدنى" فان ذلك يمكن اصحاب الاديان خاصة المسلمين من دعم النظام الدولى لحقوق الإنسان بالحقوق والحريات الاساسية والمفاهيم الكلية الموجودة في النظام الاسلامى لحقوق الإنسان والتى تشمل :
(1)    توسيع نطاق الحقوق الموجودة في النظام الدولى لحقوق الإنسان ، فالحق في الحياة أوسع نطاقاً في النظام الإسلامى ، لأن من قتل نفساً بغير حق او فساداً في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً . كما أن حق الاستجارة في الاسلام أوسع نطاقا من حق اللجوء في النظام الدولى لحقوق الإنسان حيث انه يشمل اعادة اللاجئ الي مأمنه . وهكذا بالنسبة لكل حقوق الإنسان التى وردت في المواثيق الدولية ، وهو أمر يتطلب مجهوداً كبيراً من المسلمين . ومما يجعل ذلك الأمر ممكناً من الناحية القانونية أن العهدين الدوليين قد نصا صراحةعلي انه يمكن تعديلها وحددا اجراءات ذلك صراحة .

(2)    اضافة حقوق جديدة لا توجد في النظام الدولى لحقوق الإنسان . ولاثبات ان ذلك أمراً ممكناً نشير الى ان المادة 20 من اتفاقية حقوق الطفل قد نصت صراحة علي اعتماد نظام الكفالة الموجود في الإسلام . ولقد كان ذلك ممكناُ لأن بعض الخبراء المسلمين قد اتخذوا زمام المبادرة وقاموا بما يلزم من اعداد ، بدل الاقتصار علي تمجيد الماضى او القاء الخطب الرنانة او الاكتفاء بنقد جهود الآخرين ، فاستجاب المجتمع الدولى لجهودهم . ولو اقتصر جهد اؤلئك الخبراء علي رفض النظام الدولى لما تمكنوا من احداث ذلك الأثر الكبير الذى ينبغى الاقتداء به واتخاذه مثالاً لامكانية اضافة المسلمين حقوقاً جديدة للنظام الدولى لحقوق الإنسان مثل حقوق الوالدين وحقوق الجار ، وكذلك إضافة مفاهيم جديدة مثل "الإيثار" و"الإحسان" و"العفو" ، وخلافها والتى افرد لها القرآن الكريم حيزاً مقدراً .

(3)    ترسيخ وبلورة مفهوم ان ربط حقوق الإنسان وحرياته الاساسية بالدين يؤثر ايجاباً علي تطبيقها علي أرض الواقع لأن الالتزام بها يصبح دينياً كذلك بعد أن كان قانونياً فقط . ولا شك ان الالتزام الدينى اقوى من الالتزام القانونى لأنه يجعل الالتزام أقوى ، إذ أنه يجعل ان الافلات من الرقابة الدنيوية غير مجد لأنه سوف تكون هنالك عقوبة في الآخرة لكل انتهاك لحقوق الإنسان ، ولذلك يكون الالتزام قوياً .

(4)    المفهوم الإسلامى الذى يؤسس حقوق الإنسان علي روابط أبوة وبنوة واخاء ، وهى روابط مقبولة دولياً ، والذى وردت الاشارة اليه فى القرآن الكريم بأن الكرامة هى "لبنى آدم" وليس "لشعوب العالم" او "لاعضاء الاسرة الدولية" ، ولا يؤسسها فقط علي رابطة الحق التى تعتمد على رابطة القانون وحدها .

ولصعوبة الإلمام بذلك الكم الهائل من صكوك حقوق الإنسان فى النظام الدولى رأيت التركيز على حقوق الإنسان التى وردت فى العهدين الدوليين ، لأن النظام الدولى لحقوق الإنسان يعتمد عليهما اعتماداً اساسياً ، ولأن التفاصيل التى وردت لاحقاً فى صكوك تفصيلية عن التفرقة العنصرية والمرأة والطفل والعمالة المهاجرة ومنع التعذيب والمعاقين والمفقودين وغيرها ، ليست هى فى واقع الأمر حقوقاً جديدة بل هى تفاصيل للحقوق التى وردت مجملة فى العهدين الدوليين . علماً باننى قد أصدرت العديد من الكتب ، وكتبت العديد من المقالات حول كافة الصكوك الدولية لحقوق الإنسان لتكون تحت تصرف كل من يريد معرفة المزيد .
ولتسهيل التوعية بالحقوق التى تضمنها العهدان الدوليان لحقوق الإنسان اكثر ، فاننى قد لخصتهما فى صفحة واحدة تمنح لكل شخص ، خاصة اللذين يرغبون فى الانتساب لعضوية المركز وتتضمن 37 حقاً وهى :
1    الحق في تقرير المصير
2    الحق في التصرف في الثروات والموارد الطبيعية
3    الحق في تحقيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تدريجيا وبالتعاون الدولى
4    الحق في عدم التمييز
5    الحقوق الإقتصادية لغير المواطنين
6    الحق في مساواة الرجال والنساء في التمتع بكل الحقوق
7    الحق في عدم تقييد الحقوق
8    الحق في تطبيق حقوق الإنسان الوطنية إذا كانت أفضل
9    الحق في العمل
10    الحق في تشكيل النقابات
11    الحق في الضمان الاجتماعى
12    الحق في حماية الأسرة والامهات والاطفال
13    الحق فى مستوى معيشى مناسب (غذاء وملبس ومسكن)
14    الحق فى الصحة البدنية والعقلية
15    الحق في التعليم
16    الحق في المشاركة في الحياة الثقافية والتمتع بالتقدم العلمى وحماية الانتاج العلمى او الادبى او الفنى
17    الحق في وجود تشريعات تحمى الحقوق المدنية والسياسية
18    الحق في عدم تحلل الدولة من حقوق معينة في حالات الطوارئ
19    الحق في الحياة
20    الحق في عدم التعذيب
21    الحق في عدم الاسترقاق والاستعباد والعمل الجبرى
22    الحق في الحرية والسلامة الشخصية
23    الحق في معاملة المحروم من حريته معاملة إنسانية
24    الحق في عدم السجن بسبب عدم القدرة علي الوفاء بالتزام تعاقدى فقط
25    الحق في حرية الانتقال واختيار محل الاقامة
26    الحق في ابعاد الأجنبى
27    الحق في المساواة امام القضاء وفي محاكمة عادلة وحقوق المتهم الأخرى
28    الحق في عدم التجريم بأثر رجعى
29    الحق في الاعتراف بالشخص امام القانون
30    الحق في حماية الخصوصيات
31    الحق في حرية الفكر والضمير والديانة
32    الحق في حرية الرأى والتعبير والنشر
33    الحق في عدم الدعاية للحرب والكراهية
34    الحق في التجمع السلمى
35    الحق في المشاركة في الحياة العامة والانتخاب والخدمة العامة
36    الحق في المساواة امام القانون
37    الحق في حماية الأقليات


واضافة الى ذلك وحتى لا يقتصر التنوير على معرفة اسماء الحقوق الـ37 المشار اليها اعلاه ، فقد اصدرت كتيباً يتضمن تفسيراً موجزاً لكل حق من تلك الحقوق ، تمنح نسخة منه من الحاسوب مجاناً لكل من يرغب .
وفى الختام نوضح بأن ما يحتاجه انسان العصر فى كافة بقاع العالم هو "دولة حقوق الإنسان" وليس "دولة مدنية" ، لأن الحقوق "المدنية" هى جزء فقط من حقوق الإنسان التى تتضمن حقوقاً أخرى فى غاية الأهمية ، وهى الحقوق الإقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية . كما أن مفهوم "الدولة المدنية" قد يتساوى فى ضعفه مع مفهوم "دولة المواطنة" وهو مفهوم هلامى لا يعنى أكثر من التواجد فى حيز جغرافى واحد والتساوى فى الحقوق ، سواء كانت تلك الحقوق ، كاملة أو ناقصة ، ويصدق ذلك القول على مفهوم "الدولة العلمانية" ومفهوم "الدولة الدينية" . ولذلك يرفع المركز شعار "دولة حقوق الإنسان" ، لأنه يوجد توافق على أن "دولة الظلم" ساعة و"دولة الحق" الى قيام الساعة .



--- 0 ---

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.