بسم الله الرحمن الرحيم
14 مايو 2013 
ملف 316

بقلم : د. أحمد المفتى مدير مركز الخرطوم الدولى لحقوق الإنسان (KICHR)


لقد استعرت قول الشاعر عنواناً للموضوع لأنه أدق تعبيراً عن خصوصية العلاقات بين السودان ومصر ، مما ينبغى ان ينعكس على كافة صور التعامل بين البلدين الشقيقين ، ومن باب أولى على النزاعات التى من الطبيعى ان تنشب من وقت لآخر ، مثل النزاع الذى نحن بصدد الحديث عنه فى هذا المقال وهو النزاع حول حلايب . ولذلك فإن تعامل مصر مع اسرائيل فى نزاعهما حول "طابا" ينبغى ان يكون مختلفاً عن تعامل مصر مع السودان فى نزاعهما حول حلايب .
وفى بدايات تسعينات القرن الماضى كنت عضواً فى اللجنة المشتركة السودانية المصرية للنظر فى موضوع حلايب ، والتى كان يرأسها من الجانب المصرى د. اسامه الباز . ولكننى لا اكتب هذا المقال بتلك الصفة أو باى صفة رسمية أخرى ، وانما فقط بصفتى مواطناً سودانياً يراقب الاحداث عن كثب .
وإن كنت فى مقال سابق قد ذهبت الى ان معيار العلاقة بين السودان واثيوبيا ينبغى ان يكون هو موقف البلدين من مياه النيل ، فإن ذلك يصدق بدرجة أكبر على العلاقة بين السودان ومصر ، لأن السودان يعتبر دولة منبع بالنسبة لمصر ، بمعنى ان المياه التى تسخدمها مصر تمر اولاً عبر السودان . وفى تقديرى ان تعامل السودان مع مصر فى مجال مياه النيل لا تستوعبه اى صفة من الصفات الجميلة سوى أنه قد كان تعاملاً "سمحاً" ، كما ورد فى حديث الرسول الكريم (ص)  "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى".
ولقد تجلت تلك "السماحة" منذ ان بدأ السودان فى استخدام مياه النيل للرى فى بدايات القرن المنصرم ، علماً بأن مصر كانت تستخدم مياه النيل للرى قبل ذلك التاريخ بسنوات عديدة ، والقناطر الخيرية التى شيدها محمد على باشا هى أحد الشواهد من التاريخ القريب . اما قرابين الفراعنة المصريين للنيل فإنها الأكثر تعبيراً عن حاجة مصر لمياه النيل فى ماضيها وحاضرها ومستقبل ايامها . ومن أبرز وجوه تلك "السماحة" اعتراف السودان باستخدامات مصر السابقة لمياه النيل ، ولقد حرص السودان على ان تتم كل استخداماته لمياه النيل دون الإضرار بمصر ، منذ انشاء خزان مكوار فى بدايات القرن الماضى وحتى تعلية خزان الروصيرص فى العام المنصرم .
ومن أوجه "سماحة" السودان الأخرى فى التعامل مع مصر فى مجال مياه النيل ، ان السودان ما اكتفى فى يوم من الايام بما يمنحه القانون الدولى لمصر من مياه النيل ، بل تجاوز ذلك بكثير من حقوقه ، والأشقاء المصريين المعنيين بمياه النيل يعلمون ذلك دون حاجة الى مزيد من التفصيل ، لأنه ليس كلما يعرف يقال . ولذلك فإننى اعتقد انه ينبغى أن لا يغيب ذلك عن ذهن الاشقاء المصريين فى تعاملهم مع كافة النزاعات التى تنشب بين السودان ومصر مثل النزاع حول حلايب .
وما يؤيد ما ذهبنا اليه من وجهة نظر بان تكون "السماحة" هى الكيفية التى ينبغى التعامل بها فى النزاع حول حلايب ، انه لو احتكمت مصر للقانون الدولى فى تعاملها المائى مع السودان طوال القرن الماضى لما امكن لمصر الحصول على كميات المياه التى حصلت عليها ، والتى كان السبب فيها هو تعامل السودان بـ"سماحة" . وفى تقديرى أن سبب تلك "السماحة" هو ان السودان يرى ان علاقته مع مصر علاقة استراتيجية أهم من ان تترك للقانون الدولى ليتحكم فيها . وذلك اتجاه أجد نفسى أؤيده بشدة على الرغم من تأهيلى القانونى وخبرتى القانونية .
والدعوة التى اوجهها فيما يتعلق بالتعامل حول حلايب بـ"سماحة" ، هى ليست موجهة فقط لمتخذى القرار فى السودان والشقيقة مصر ، وانما لكل قادة الرأى ووسائل الإعلام فى القطرين الشقيقين . وهى دعوة تتطلب إستبعاد الحلول القانونية التى قد تضر بمصالح الطرفين ، وفى ذات الوقت فإنها تتطلب تأسيس التفاوض حول حلايب على "السماحة" ، لأنه قد تم تجريب التفاوض غير المؤسس على "السماحة" من خلال اللجنة السودانية المصرية المشتركة حول حلايب والتى سبقت الاشارة اليها ، والتى لم تتوصل الى اى نتيجة . ولا شك أن البداية السليمة لذلك التوجه الجديد هى ايقاف كافة اشكال تصعيد الموقف ، علماً بأن دعوتنا هى مجرد إشارة لإتجاه الحل ، والتفاصيل متروكة لمائدة المفاوضات على اساس "السماحة" فى التعامل .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.