بسم الله الرحمن الرحيم

27 أبريل 2013

ملف 11/61

مراجعات الطاهر وسلمان للموارد المائية تحتاج الى مراجعة


د. أحمد المفتى مدير عام مركز الخرطوم الدولى لحقوق الإنسان (KICHR)

المستشار العام للقانون الدولى الاسبق وكيل وزارة العدل الاسبق


تفاجأت والعديد من المهتمين بالموضوع اللذين اتصلوا بى فى أمسية الجمعة الماضية 26 أبريل ببرامج "مراجعات" للاستاذ الطاهر حسن التوم يستضيف د. سلمان محمد أحمد وحده فى حوار حول الموارد المائية ، لأنه قد سبق للاستاذ الطاهر ان استضافنى و د. سلمان فى برنامجه "حتى تكتمل الصورة" حول نفس الموضوع . ولقد بينت فى ذلك البرنامج خطل فهم د. سلمان للقانون الدولى والوقائع وموقف المفاوض السودانى من اتفاقية عنتبى . ولقد كان من المنطقى والطبيعى انه لو كان فى الحوار بقية ان يواصل الاستاذ الطاهر الحوار بوجود الطرفين ، ولكن فى مفاجأة من المعيار الثقيل ، لا أعرف دوافعها ، اختار الاستاذ الطاهر توظيف كل برنامجه للدكتور سلمان لمهاجمة المفاوض السودانى فى مجال الموارد المائية ، خاصة شخصى الضعيف والمهندس كمال على وزير الموارد المائية الأسبق ، على الرغم من عدم اشتراكنا فى الحلقة ، بل أن الاستاذ الطاهر وعد بمواصلة تخصيص الحلقات القادمة لدكتور سلمان منفرداً حول نفس الموضوع .
وفى هذا المقال ولمواجهة ذلك التعسف من قبل الاستاذ الطاهر سوف اتناول أهم ثلاثة موضوعات ظل يكررها د. سلمان بلا كلل أو ملل ، علماً بأن وجهة نظره لا سند لها من المنطق أو من القانون أو من الوقائع . ولا يهمنى السبب الذى يجعل د. سلمان يفعل ذلك ، سواء كان جهلاً أو مكابرة أو مكايدة سياسية ، وانما الذى يهمنى هو أن أحول بينه وبين تضليل الرأى العام السودانى فيما يتعلق بموضوع الموارد المائية المشتركة . 
وفيما يلى نستعرض توضيحاً للموضوعات الثلاث التى ظل د. سلمان يكررها مكثفاً ذلك التكرار فى الحلقة الأخيرة من برنامج "مراجعات":
الموضوع الأول: يتحدث د. سلمان عن اتفاقية عنتبى حديث الخبير العارف بتلك الاتفاقية ، وهو قد يكون خبيراً بالموارد المائية فى القطب الشمالى أو الجنوبى أو امريكا اللاتينيى أو جزر الواغ واغ ، ولكنه دون شك من أجهل الناس بتلك الاتفاقية للأسباب الاتية:
(1)    عقدت دول حوض النيل بتعاون وتمويل المانحين بقيادة البنك الدولى الذى كان يعمل به د. سلمان عشرات الاجتماعات ، بما فى ذلك اجتماعات داخل مفوضية نهر الميكونج واجتماعات داخل مفوضية نهر السينغال ، وذلك منذ  عام 1995 وحتى 5 يوليو 2012 . ولقد كانت نتيجة تلك الاجتماعات صياغة اتفاقية عنتبى والتوقيع عليها من قبل ست دول . ولقد حضرت كل تلك الاجتماعات بلا استثناء ، ولم يحضر د. سلمان أى واحد من تلك الاجتماعات ، ولا أعرف الاسباب التى جعلت البنك الدولى يحرم د. سلمان من حضور تلك الاجتماعات ، ولكنى اعتقد أن قرار البنك الدولى كان موفقاً .
(2)    كنت الخبير القانونى الوحيد المكلف من قبل جميع دول حوض النيل للذهاب لواشنطن لمفاوضة البنك الدولى فيما يتعلق بتمويل مبادرة دول حوض النيل (NBI) . ولم يسمح البنك الدولى لدكتور سلمان بالاشتراك فى تلك المفاوضات ، على الرغم من انه كان يعمل بالبنك الدولى آنذاك ، وكان موجوداً بواشنطن . وان كانت هنالك جهة تستحق أن يحقد عليها د. سلمان لحرمانه من حضور كافة الاجتماعات المتعلقة باتفاقية عنتبى فإنه البنك الدولى وليس شخصى الضعيف .
الموضوع الثانى: يدعى د. سلمان زوراً وبهتاناً ان موقف المفاوض السودانى من اتفاقية عنتبى مرتبكاً ، ولا يعترف بحقوق الدول الأخرى فى مياه النيل . وذلك الادعاء محض افتراء واختلاق ، لأن المفاوض السودانى غير مرتبك ، وواضح وموقفه موثقاً ومكتوباً جزءاً من اتفاقية عنتبى منذ عام 2007 وحتى يومنا هذا . وفى ذلك الموقف يعترف المفاوض السودانى بحقوق دول حوض النيل الأخرى على قدم المساواة مع حقوق السودان ومصر ، ونص ذلك الموقف كالآتى:

نص المادة 14(6) التى صاغها المفاوض السودانى والتى يوافق عليها السودان ومصر:

“Not to adversely affect the water security and current uses and rights of any other Nile Basin state”.

وترجمة ذلك النص كالآتى: "عدم التأثير السلبى على الأمن المائى والاستخدامات الحالية وحقوق اى دولة أخرى من دول حوض النيل" .


وهنا نوجه سؤالين مباشرة للاستاذ الطاهر ليجيب عليهما فى الحلقة القادمة من برنامجه "مراجعات" ، لأنه لا فائدة من توجيه السؤالين للدكتور سلمان ، لأنه سوف يواصل المغالطة والمكابرة ، والسؤال الأول هو: أين هو الارتباك فى موقف المفاوض السودانى والمضمن داخل اتفاقية عنتبى والذى ظل على ذلك النحو منذ ان انتهى التفاوض حول اتفاقية عنتبى فى العام 2007 وحتى الآن؟ . والسؤال الثانى هو: "أين نكران السودان ومصر لحقوق دول حوض النيل الأخرى فى موقف المفاوض السودانى الوارد أعلاه ، والذى يتحدث عن حقوق واستخدامات كل دول حوض النيل؟ ، علماً بأن عدم قبول دول اتفاقية عنتبى لذلك النص المقترح من قبل المفاوض السودانى للمادة 14(b) هو السبب الوحيد الذى جعل السودان لا يوقع على اتفاقية عنتبى . ولذلك فإننى استغرب من الذين يطالبون السودان بالتوقيع على اتفاقية عنتبى بصورتها الحالية ودول اتفاقية عنتبى ترفض تضمين موقف المفاوض السودانى المتوازن فى الاتفاقية .
الموضوع الثالث: يدعى د. سلمان ان اتفاقية 1959 بين السودان ومصر وكافة الاتفاقيات التى أبرمت قبلها مجحفة ، وأنه ينبغى الغائها جميعاً والانضمام لاتفاقية عنتبى . وذلك رأى فطير لأن دول اتفاقية عنتبى ذات نفسها لا تطالب بذلك ، حيث أنه قد اتفقت جميع دول حوض النيل منذ يونيو 2006 على عدم التطرق الى "الاتفاقيات السابقة" بما فى ذلك اتفاقية 1959 بصورة مباشرة ، وانه ينبغى ان ينحصر الحديث حول ذلك الموضوع فى مفهوم اشمل وهو مفهوم "الأمن المائى" . ولذلك فإنه لا توجد أى اشارة فى اتفاقية عنتبى ولا فى موقف المفاوض السودانى والمصرى المشار اليه اعلاه الى "الاتفاقيات السابقة" . ولكن بسبب جهل د. سلمان بذلك التطور ظل يكرر الحديث عن "الاتفاقيات السابقة" وخلق معركة فى غير معترك . فالاختلاف الآن بين دول حوض النيل هو حول تفاصيل صياغة مفهوم "الأمن المائى" ، ولقد قدم المفاوض السودانى صياغته بصورة واضحة منذ العام 2007 على النحو الذى اوضحناه أعلاه ، وعلى د. سلمان ان يوضح رأيه حول تلك الصياغة ، ويوضح لنا اين هو الارتباك الذى يتحدث عنه بدل الحديث عن "الاتفاقيات السابقة" ، والتى أصبحت هى الآن فى حكم الغول أو العنقاء أو الخل الوفى ، لأنه قد حل محلها مفهوم "الأمن المائى" لعلم د. سلمان والطاهر حسن التوم .

وفى الختام ، فإننى لا اطالب بتكميم فم د. سلمان  ، ولا ينبغى لى ، ولكننى أطالب الاستاذ الطاهر بتخصيص حلقة من برنامجه "مراجعات" للمفاوض السودانى ، مقابل كل حلقة يخصصها الاستاذ الطاهر لدكتور سلمان عن الموارد المائية ، لأن الموارد المائية شأن قومى يهم الوطن ولا يمكن ان نتركه لدكتور سلمان لينفرد حوله برايه ويتولى الاستاذ الطاهر الترويج لذلك ، بعلم أو بغير علم ، ونظل نحن الذين خبرنا الموضوع لسنين طويلة وحضرنا كل اجتماعاته ووثقنا كل تفاصيله بكتابين ، نتفرج على تلك المسرحية سيئة الإخراج . ولكن وبما أننا لا نملك سلطاناً على الاستاذ الطاهر فإنه فى حالة عدم منحنا فرصة فى برنامجه فإننا سوف نكتب مقالاً مقابل كل حلقة يخصصها لدكتور سلمان حول الموارد المائية لدحض كل الآراء غير السليمة التى ترد فى كل حلقة من تلك الحلقات ، حتى يكون الرأى العام على بينة من الأمر .
ولعلم الاستاذ الطاهر فإن القانون الدولى للموارد المائية الذى يفتخر د. سلمان بأنه خبير فيه قد اعادت صياغته لجنة القانون الدولى ILC ورفعت مسودة بمواده للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1994 . وبعد أن فرغت كافة دول العالم من إبداء ملاحظاتها ، بما فى ذلك ملاحظات حكومة السودان التى تشرفت بصياغتها ، تمت صياغة ذلك القانون فى اتفاقية قانون إستخدام الموارد المائية فى الأغراض غير الملاحية التى ناقشتها باستفاضة واعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1997 . ولقد شاركت فى كل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك ، وكذلك لم يشترك د. سلمان فى تلك المناقشات ، كما لم يشارك فى اجتماعات اتفاقية عنتبى ، لاسباب لا أعلمها ، وإن كنت على يقين بأن مشاركته لن تكون مفيدة ، لأنها عبارة عن نظريات ، لا مكان لها على أرض الواقع الذى تحكمه مواقف الدول . ولقد كتبت كتاباً أشرح فيه اتفاقية الامم المتحدة بتكليف من معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية عام 2001 ، ولم يكن ذلك التكليف لأننى اكثر الناس فقهاً بالموضوع ، ولكن لأننى شاركت فى صياغة تلك الاتفاقية .
اما التشريعات والسياسات المائية فى السودان والتى سوف تكون هى محط الأنظار فى المستقبل القريب ، فإننى قد كتبت وشاركت فى العديد من الدراسات حولها بتكليف من صندوق الأمم المتحدة الانمائى (UNDP) ومنظمة الزراعة والأغذية العالمية (FAO) والصندوق الالمانى للتنمية (GTZ) . ولا أستبعد ان يستفيق د. سلمان من نومه ليدعى ، كما يدعى الآن فيما يتعلق باتفاقية عنتبى ، أن موقفنا من تشريعات المياه مرتبك كذلك رغم كل تلك الدراسات ، ليس بسبب ارتباك حقيقى فى موقفنا ، ولكن بسبب ارتباك د.سلمان نفسه .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.