سالم أحمد سالم

باريس

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

تظاهرة يوم الاثنين السابع من ديسمبر، برغم ضآلة عدد المشاركين وقمعها في مهدها، إلا أنها أحدثت تغييرا جذريا أعاد تشكيل كل واقع وفصول مستقبل السودان السياسي ..

فقد وقع انقلاب عسكري فعلي قاده رئيس الحكومة بنفسه وأطاح جناح نيفاشا الذي كان يقوده علي عثمان طه واستولى جناح القهر بقيادة نافع علي نافع على كامل مقاليد الحكومة. وأصبح على جناح نيفاشا تقديم فروض الولاء والطاعة لجناح القهر الذي صار تحت زعامة رئيس الحكومة المشير عمر حسن أحمد البشير وتحت إمرة نافع على نافع الذي انضم إليه الجنرال صلاح قوش ..

تظاهرة السابع من ديسمبر الصغيرة المقموعة أحدثت تحولا عميقا في مجرى العلاقة بين الحكومة وبين الحركة الشعبية يكاد يكون قد وضع حدا لعلاقة الشراكة. فقد قررت الحكومة الجديدة فصل الجنوب من جهة الشمال بصورة مسبقة وقبل موعد الاستفتاء! ..

تظاهرة السابع من ديسمبر بدّلت العلاقة بين الحركة الشعبية وبين أحزاب المعارضة تبديلا تاما أعادها إلى نقطة ما قبل تشكيل ما كان يعرف بالتحالف الوطني الديموقراطي، وهو التحالف الذي أهملته الحركة وتوجهت إلى إبرام اتفاقات نيفاشا ..

 

كيف لحركة السابع من ديسمبر المحدودة المقموعة في مهدها أن تؤدي إلى وقوع انقلاب عسكري وتخلط الأوراق وتعيد توزيعها وتحدث كل هذه التقلبات في الواقع السياسي السوداني؟

 

نبدأ بالانقلاب لأنه الحدث الأساسي الذي أثر في كل المجريات الراهنة وبالتالي تداعياتها الوشيكة منها والبعيدة. أول الكلام أن الحكومة الراهنة لا تأبه بالأحزاب ولا بالحركة الشعبية ولا تعيرهم جميعهم اهتماما أو مجرد التفاته. لكن الحكومة الراهنة تخشى من شيء واحد أكثر من خشيتها من الله والموت هو حركة الشارع السوداني. مهلا .. حركة الشارع نقطة لا يمكن المرور عليها هكذا بسرعة لأن حركة الشارع، وإن لم تظهر لحد الآن، فقد كانت "قوة الدفع الخفية" التي دفعت مسيرة السابع من ديسمبر وحولتها من مجرد تظاهرة صغيرة مقموعة إلى محور محرك للأحداث أفرز كل التداعيات الراهنة داخل وخارج الحكومة وخلط الأوراق وأعاد توزيعها إلى كل ما يجري من فرز واستقطاب وفصل للجنوب. ولكي ندرك ماذا تعني حركة الشارع السوداني ومدى الذعر الذي تقذفه في قلب الحكومة وفرائصها، نعود إلى تلك الملايين التي خرجت تلقائيا لاستقبال الدكتور جون قرنق عند وصوله للخرطوم. في ذلك اليوم خرجت الخرطوم تماما عن يد الحكومة. وقد كان في مقدور تلك الجموع أن تستلم السلطة في غضون ساعات وتصطاد أركان الحكومة كما الفراشات. وكل من تتبع أخبار مساء يوم ذلك الاستقبال غير المسبوق كان يستطيع أن يقرأ الوجوم وقلة الحيلة التي اكتنفت وجوه جميع أقطاب الحكومة برغم الابتسامات المجففة المعلّقة. ولو كانت تلك الملايين تعلم الغيب وتداعيات الأحداث وموت قرنق المباغت لما رجعت من حيث أتت.

 

ومن منظور الذعر المتأصل عند الحكومة من الشعب، فإن تظاهرة السابع الصغيرة، حتى قبل خروجها، جسدت للحكومة بعبع الشعب المرعب القابع خلف تداعيات المسيرة وهو يوشك على الانقضاض. فالدعوة للمسيرة شكّلت أول خروج منظم وسافر ومسنود بقوى سياسية يطالب بالحريات الديموقراطية منذ عقدين من الحكم العسكري الدكتاتوري الصارم. لذلك، وقبل خروج المسيرة بعدد من الأيام شرع أركان الحكومة في البحث حول كيفية التعامل مع التظاهرة حتى لا تتحول إلى نقطة انطلاق شعبي عريض. ومما زاد الرعب هلعا أن الحكومة برئيسها وأجنحتها تعلم تمام العلم أشواق المجتمعات السودانية للانعتاق وللحرية الديموقراطية. وبناء على هذه الحقيقة التي تشكل قاسما مشتركا عند كل قيادات الحكومة وتوابعها، لم يسقط أي طرف في الحكومة عن حساباته أن المسيرة قد تكون مقدمة لخروج عريض للشارع السوداني، وبالتالي فلتان الأمر كله عن يد الحكومة. لذلك لم يكن الاختلاف بين جناحي الحكومة حول مغبات أن تتحول المسيرة إلى عمل جماهيري عارم، لكن وقع الاختلاف حول كيفية تفادي ذلك. ومن هنا قدم كل من جناحي الحكومة تصوره حول تفادي خروج الجماهير الواسع وتحجيم المسيرة من حيث القوامة والأهداف.

 

كان جناح نيفاشا يرى ضرورة السماح بالمسيرة تحت محاصرتها برقابة أمنية صارمة، وأن ذلك من شأنه أن ينتهي بالمسيرة إلى إعادة الخلاف مرة أخرى إلى النقطة التي بدأ منها، أي إلى طاولات المجلس الرئاسي الانتقالي والمجلس الوطني الانتقالي. وبذلك يتم احتواء التذمر وتنفيس الاحتقان والظهور للرأي العام السوداني والعالمي في لبوس القبول بالتحول الديموقراطي والانتخابات، ومن ثم حصر الموضوع كله في إطار الخلاف بين الحكومة وبين الحركة الشعبية. ربما لم يخرج هذا الرأي عن سياق الآراء التي ظل يطرحها جناح نيفاشا مثل رأيه في ضرورة الاستمرار بأي صورة من الصور في الوفاء ولو بهوامش اتفاقات نيفاشا، والسعي الحثيث للتوصل إلى قواسم مشتركة مع الحركة الشعبية (لكون الحركة الشعبية هي نفسها حركة شمولية عسكرية يمكن التفاهم معها)، وانتهاج أسلوب الأخذ والعطاء قدر الممكن في ما يتعلق بالقوانين المقيدة للحريات و"تعديل" القوانين المتعارضة مع الدستور الانتقالي دون إبطالها ودون التخلي عن الحكم الشمولي لكن شرعنته بالانتخابات. أي أن جناح نيفاشا يرى اتخاذ "السياسة" وسيلة مقدمة لمعالجة الأمور العالقة قبل أن يمضي الوقت ويحين زمن الاستحقاقات فتجد الحكومة نفسها في مواجهة جميع الاستحقاقات دفعة واحدة. وإذا صدقت قراءتي، وأظنها كذلك، فإن جناح نيفاشا ظل يعتقد أن "السياسة" هي المطية الوحيدة لشرعنة الحكومة من خلال الانتخابات بدلا عن الاستمرار في الحكم بالجبر الذي سوف ينتهي لا محالة إلى مواجهة مع الشعب لها مثيلاتها في تاريخ السودان المعاصر. وغني عن القول أن مسارات تطورات الأسابيع الماضية أكدت اقتراب هذا الجناح من الحقيقة التي أضحت ماثلة. وبديهي أن يعتمد فريق نيفاشا تقديم حصان السياسة على عربة وكرابيج القمع لكن دون التخلي التام عن فرض القوة، أو ما أستطيع تسميته هنا "تسييس القوة" بدلا عن الاعتماد على القهر الصرف. فالرجل الذي يقود جناح نيفاشا، على عثمان طه، مهما اختلفنا معه وبرغم شموليته القائمة، فهو سياسي متمرس تربى في أحضان العمل السياسي، لذلك لا يستطيع أن يتخلى عن امتطاء السياسة كوسيلة لتكريس الشمولية القائمة بنقلها على محفة السياسة إلى المرحلة القادمة من تاريخ السودان. ونسند ما ذهبنا إليه بما رشح عن الحركة الشعبية الأسبوع قبل الماضي من أن "الحركة كانت على وشك التوصل إلى تفاهم مع علي عثمان طه، إلا أن بعض أطراف الحكومة حالت دون ذلك" وهذه الأطراف بالبداهة هي جناح القهر والقمع الذي يتزعمه نافع علي نافع. لكن أطروحات وجناح نيفاشا نفسه ظلا على الهوامش منذ فترة بعيدة منذ ساد اعتقاد راسخ في أوساط الحكومة أن الوفاء ببنود نيفاشا سوف ينتهي إلى تفكيك الحكومة، وأن احتمالات العودة للحكم بالانتخابات مفازة لا نجاة فيها.

 

أما جناح القهر فقد كان من البديهي أن يرى العلاج في قمع المسيرة بالقوة بما في ذلك قمع قيادات الحركة الشعبية المشاركة في التظاهرة. هذا الموقف يتسق تماما مع مواقف هذا الجناح الذي يؤمن أنهم قد استلموا السلطة بالقوة، واستمروا فيها بالقوة والتعذيب، والقوة تظل هي الوسيلة الوحيدة للاستمرار في الحكم، وما غير القوة والقهر هو تفريط. وقد عبّر هذا الجناح عن موقفه في أكثر من مناسبة وبوضوح لا لبس فيه سواء بالأفعال العنيفة من قتل وتعذيب، أو بالقول في عبارتهم المشهورة " نحن استلمناها بالقوة والعندو قوة يجي يستلمها .." وطبعا لا يخرج عن إطار العنف والقتل والقهر ممارسات الحكومة منذ وقوع انقلابها العسكري وبيوت الأشباح والإعدامات. ويتجسد العنف لفظا في أحاديث لحس الكوع وغيرها من الملافيظ الغلاظ التي تصدر بانتظام عن نافع علي نافع، وأحاديث تقطيع الأوصال التي يطلقها الجنرال صلاح قوش.

 

كان على كل جناح أن يطرح أمام رئيس الحكومة تصوره عن كيفية التعامل مع مسيرة السابع من ديسمبر وتداعياتها المحتملة. كان كل جناح على ثقة أن رئيس الحكومة سوف يؤيده. فمن جهته ظن جناح نيفاشا أن الاصطدام باستحقاقات نيفاشا الذي أفرز المتغيرات الأخيرة قد برهن على صحة توقعاته. وظن هذا الجناح أن هذه الحقيقة كفيلة أن تعيده من الهامش إلى مركز القوة والقرار. وبالمقابل انكفأ جناح العنف والقهر على موقفه، باعتبار أن إطلاق ولو قدر ضئيل من حرية التعبير سوف يخرج الأمر عن يد الحكومة بما لا يمكن السيطرة عليه لاحقا. وعليه تمسك هذا الجناح بمواجهة المسيرة بالعنف والقمع بما في ذلك قمع رموز وجماهير الحركة الشعبية الشريك في الحكم دون اعتداد بأي عواقب تنجم عن ذلك، فغضب الحركة الشعبية هدف يطلبه هذا الجناح حثيثا. هذا الموقف يتسق دون شك مع سياسات جناح القمع منذ سنوات الحكومة الأولى، ثم رأيه أن نيفاشا كانت خطأ عظيما وأن انفصال الجنوب يوفر المناخ المناسب لتمكين حكمه في الشمال. وضمن هذا التوجه ظل هذا الجناح يشن الحملات ويطلق التصريحات المتشددة والمسيئة ضد الحركة الشعبية طيلة الأعوام الأخيرة الماضية بعبها تغضب وترحل! ثم لا ننسى أن جناح القهر ظل مسيطرا منذ المرحلة التي أعقبت وصول الدكتور جون قرنق للخرطوم ولم تخرج عن مخيلة هذا الجناح مظاهر الاستقبال غير المسبوق الذي حظي به قرنق. وكما ذكرت فوق فإن خروج ما يزيد عن ستة ملايين قد أدى إلى خروج السلطة في الخرطوم في ذلك اليوم خروجا تاما عن يد الحكومة، وهي تجربة مرعبة لا يود هذا الجناح مجرد التفكير في احتمال حدوث ما يشابهها ولو من بعيد. وتفاديا لأي احتمال من هذا النوع المخيف ظل جناح القهر الاجتماعي يحكم قبضته على السلطة، وانزوى جناح نيفاشا إلا قليلا. وتعبا لذلك جمدت الحكومة بواسطة برلمانها كل خطوات تنفيذ استحقاقات نيفاشا. وعلى هذا التوجه قدم جناح نافع رأيه لرئيس الحكومة في نقطتين: أولا الموافقة الفورية والكاملة على القوانين الثلاثة التي تطالب بها الحركة الشعبية الخاصة بالجنوب وهي قوانين الاستفتاء لتقرير مصير جنوب السودان، وقانون الاستفتاء في منطقة أبيي، وقانون المشورة الشعبية لمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. وثانيا أطلاق يد أجهزة أمن الحكومة لقمع المسيرة في مهدها، وقمع أي تحرك جماهيري مهما كان عدد القتلى في صفوف الشعب. وقد أكد نافع بنفسه نوايا حكومته عندما قال أنهم على استعداد لتقيم مائة ألف شهيد. هذا الرقم ،مائة ألف، في حد ذاته يؤكد بدون شك إدراك الحكومة لحجم المعركة الكبيرة مع الشعب .. مثلما يفضح مدى عمق خوف الحكومة من المواجهة مع الشعب ..

 

مضت دقائق الأيام التي سبقت المسيرة عصيبة وقاسية على الحكومة. فكلما اقترب الموعد المضروب للمسيرة ارتفع "ضغط الحكومة" ومع ارتفاع ضغط الحكومة ارتفعت وتيرة الخلاف بين جناحيها. ومع تسارع الساعات والاقتراب من موعد المسيرة لم يعد الصراع مكتوما كما السابق بل تحول إلى معركة مكشوفة وأصبح الفتق بين جناحي الحكومة أخدودا عظيما لا يمكن رتقه أو ردمه ولا يغطيه سحاب المجاملات التي سقطت فظهرت الملاسنات والتهديدات. أصبحت المعركة معركة بقاء أحد الجناحين وذهاب الآخر، ولم يعد في قيد الإمكان التوفيق بين وجهتي نظر متعارضتين متناقضتين تقومان على إرث قديم من المرارات والضغائن والمكائد المتبادلة. فالشمولية الواحدة التي جمعتهما ضاقت ولم تعد تتسع لهما معا. وبعد أن كان رئيس الحكومة ينتفع شخصيا من صراع الجناحين أصبح عليه أن يختار أحد الموقفين. وهنا وقع الانقلاب العسكري. فقد رفض رئيس الحكومة مقترح جناح نيفاشا جملة وتفصيلا وانحاز بثقله العسكري والأمني إلى جناح القهر وتولى قيادته بنفسه وأطاح جناح نيفاشا بشكل كامل لا رجعة عنه في الأفق المنظور. وتبعا للحالة الانقلابية، أطلق رئيس الحكومة يد جناح القهر ومنحه حرية التصرف، وعلى جناح نيفاشا الخضوع وتنفيذ ما تأمر به الحكومة الجديدة. وقد تجسد موقف رئيس الحكومة في تبنيه المقترحات المقدمة من جناح نافع وهي الموافقة الفورية والكاملة على القوانين الثلاثة المتعلقة بالجنوب. وقد هدفت هذه الموافقة إلى تحقيق هدفين مزدوجين أولهما منح الحركة الشعبية كل ما يلزم للانفصال ودفعها بقوة نحو الانفصال، وثانيهما عزل الحركة الشعبية عن تجمع قوى جوبا، من ثم الاستفراد بأحزاب المعارضة، وإعداد كل ما يلزم لقمع الشارع السوداني. وقد بدت هذه الأهداف في الكلام الذي قاله نافع علي نافع قبيل إعلان الاتفاق وهو يتحدث حديث المنتصر: "سوف نتفق مع الحركة الشعبية" .. وأن الأحزاب سوف تذهب إلى مزبلة التاريخ ..

 

ما حدث في بحر الأسبوعين الماضيين كان انقلابا عسكريا أمنيا كاملا ضد جناح نيفاشا. الانقلاب تم بهدوء وحسم وبدون ضوضاء عدا تلك التي شهدتها ردهات الحكومة. طبعا درج الناس على الانقلابات العسكرية أو انقلابات القصر التي تضرب فيها المارشات العسكرية وتصدر فيها البيانات الهامة وقرارات الإقصاء والإبعاد والاعتقال المنزلي أو السجن. لكن الحكومة الانقلابية الجديدة ليست على هذه الدرجة من الغباء حتى تلجأ إلى إصدار مثل هذه الإعلانات المجانية المناوئة لها! فالإعلان عن مثل هذه البيانات سوف يكشف الانقسام وحالة الإقصاء الأمر الذي يضعف الحكومة الجديدة ويعري ظهرها أمام الرأي العام الداخلي والدولي ويقصي عنها قاعدة مهمة من أتباع جناح نيفاشا علاوة على الرصيد الشخصي لعلي عثمان طه. كما أن الإعلان عن الانقلاب من شأنه أن يؤكد أن الحركة الجماهيرية حتى قبل ظهورها قد حققت ما لم تكن تحلم به من نجاح. وفي المقابل لم يلجأ الجناح الذي أطيح به ولا أظنه سوف يلجأ إلى الخروج العلني عن الحكومة لأن بقاؤه الشكلي يضمن له فرصة المناورة من جديد انتظارا أن تصل سياسة الهروب إلى الأمام بالرئيس وجناح القهر إلى نهاية النفق المسدود، فيصبح جناح نيفاشا هو البديل لإنقاذ الإنقاذ! والأهم من كل ذلك أن جناحا الحكومة يدركان أن كلا منهما يشكل النصف المكمل لكرة الحكومة الشمولية، وخروج أي منهما يقسم الكرة إلى نصفين فيكون التفكك الذاتي والنهائي. لذلك حرص ويحرص كل جناح على بقاء الجناح الآخر. ومع ذلك لا نستبعد أن تكون قد صدرت تعليمات مشفوهة إلى قيادات جناح نيفاشا بممارسة دورهم العادي في دولاب الإدارة .. والبقاء داخل البلاد .. فظهور على عثمان في اجتماعات المجلس الرئاسي أو ظهوره إلى جوار نافع أو افتتاحه للمؤتمرات كنائب لرئيس لحكومة أو غيرها من التمظهرات لا تغير كثير شيء من حقيقة الانقلاب العسكري الأمني الذي وقع.

 

وحتى لا يخرج علينا من يقول أن ما جرى لم يكن انقلابا عسكريا، نقول أن الانقلاب العسكري هو استملاك ناصية القرار بالقوة المسلحة، وما جرى لم يشذ عن هذه القاعدة الانقلابية سواء تم الانقلاب من خارج السلطة أو من داخلها سيان. أقل ما يؤكد حقيقة الانقلاب أنه تم على أيدي القيادات العسكرية الأمنية "المشير" رئيس الحكومة ونافع علي نافع الذي ظل إلى اليوم الرئيس الفعلي لأجهزة أمن ومخابرات الحكومة برغم تنحيه الشكلي، مضافا إليه الجنرال صلاح قوش الذي أصبح  ساعد نافع الأيمن. الانقلاب، لمن يرى، مجسد اليوم على أرض الواقع. فالبلاد تحت حالة الأحكام العرفية، وهذا ما أكده قادة الحركة الشعبية عن "حالة طوارئ غير معلنة" وأجهزة أمن الحكومة تسيطر على كل كبيرة وصغيرة بسلطات مفتوحة، والدستور الانتقالي المعطل أصلا تم استبعاد أي فرصة للبحث فيه، والاعتقالات طالت حملة الحصانات الدستورية البرلمانية المفترضة (باقان عرمان) وطالت حتى وزير الدولة للداخلية، وهوامش الحريات تم سحبها عدا بعض تمظهراتها في المجلس الوطني الانتقالي والصحف من أجل التعتيم على ما جرى. وتكريسا للصلاحيات المطلقة لأجهزة أمن الحكومة التي نفذت العملية الانقلابية، فقد أجاز برلمان الحكومة الجديدة بصورة نهائية قانون الأمن الوطني الذي يعطي حصانات كاملة لأفراد أجهزة أمن الحكومة ووضع في أيديهم سلطات مطلقة أكثر مما كان في أيديهم في السابق خاصة في حالات إلقاء القبض والاعتقال والتفتيش والحجز والمصادرة دون رقابة قضائية أو برلمانية. أي أن القانون المجاز لا يعدو كونه قانونا للطوارئ والأحكام العرفية بحيث يستطيع أي فرد في هذه الأجهزة اعتقال أي شخص بما في ذلك نواب رئيس الجمهورية وأعضاء البرلمان والوزراء .. فما قولك في المواطن العادي أو المعارض؟ .. 

 

والانقلاب وصل البرلمان ..

والانقلاب انتقل أيضا إلى مدرجات ما يعرف بالمجلس الوطني الانتقالي. فعلى حد علمنا أن نائب رئيس الحكومة توصل إلى اتفاق مع نائب رئيس المجلس الوطني يقضي أن يقوم نائب رئيس المجلس باستلام المذكرة من المسيرة. إلا أن هذا الاتفاق قد تم تكسيره بالتوازي مع قمع المسيرة .. فمن يا ترى يجرؤ على تكسير كلام نائب الرئيس غير الرئيس والمجموعة الانقلابية؟ هذه الحقيقة وحدها تبصم على عمق الخلاف وتؤكد انتقال كامل الصلاحيات إلى رئيس الحكومة وأركان حربه. زد على ذلك أن تجاوز نائب الرئيس لرئيس البرلمان والتنسيق والاتفاق مع نائب رئيس البرلمان تكشف عن انسداد القنوات وعمق الخلاف بين نائب رئيس الحكومة وبين رئيس المجلس الوطني. وتعود حواجب الدهشة إلى مواقعها عندما نعلم أن رئيس البرلمان نفسه ضمن المجموعة الانقلابية.

 

في ذات السياق تأتي إجازة مناديب الحكومة في المجلس الوطني لقانون الاستفتاء في الجنوب بأغلبيتهم الميكانيكية دليلا فاقعا على الحالة الانقلابية وعلى عدم اعتداد رئيس المجلس الوطني ومناديب الحكومة بأي اتفاق سياسي توصل إليه نائب رئيس الحكومة. فقد تم الاتفاق بين علي عثمان وبين د. رياك مشار نائب رئيس حكومة الجنوب على أجازة القانون كما هو، أو كما قال مشار: "إن القانون جرى الاتفاق عليه بأن يجاز كما هو في اجتماع اللجنة السياسية. كما تمت إجازته في مجلس الوزراء" .. ويستغرب مشار متسائلا: "كيف بعد كل هذا يتنصل حزب المؤتمر الوطني من الاتفاق؟ .." ولعل مشار قد لمس بنفسه جزء من سبب تنصل المؤتمر الوطني بقوله: "إن ما حدث من تنصل يكشف وجود خلافات داخل حزب المؤتمر الوطني" لكن يبدو أن مشار لم يرى أبعد من مجرد خلاف، وإلا لكان قال أن "الحكومة الجديدة تنصلت عن الاتفاق" ! وفي ذات النهج والسياق يؤكد غازي صلاح الدين العتباني رئيس كتلة المؤتمر الوطني في المجلس الوطني الانتقالي عدم الاعتداد بما يتفق عليه علي عثمان طه نائب رئيس الحكومة يقوله: "لا أدري لماذا أصبح توقيع طه ومشار مقدساً لدى الحركة بهذه الصورة؟ .." ويكشط غازي ومناديب الحكومة ما اتفق عليه نائب رئيس الحكومة بجرة قلم عن طريق تعديل القانون وإجازته. ويقطع أحمد إبراهيم الطاهر رئيس البرلمان بعدم أهمية ما يصدر عن نائب رئيس الحكومة أو ما يتفق عليه بقوله: "المجلس لا يطيع القوى السياسية أو يجري وراءها وينفذ رغباتها .." وهو قول مردود لجهة أن الطاهر وبرلمانه ينفذ حرفيا التعليمات المنزلة عليه من لدن رئيس الحكومة ونافع علي نافع بتعديل القانون واستفزاز الحركة الشعبية بصفاقة. لقد كان الطاهر ومجلسه ينفذون كل التعليمات التي يتلقاها من نائب رئيس الحكومة قبل أن يتلقى التعليمات الجديدة التي تأمره بتجاهل ما يصدر عن نائب رئيس الحكومة. ولا يفوت على الفطنة أن هذه "التعليمات الجديدة" تحمل بوضوح بصمات نافع على نافع خاصة لجهة عدم الاعتداد بالطرف الآخر وغلظة القول، كما تحقق هدفين مزدوجين من أهدافه أولهما ترسيخ الانقلاب داخل البرلمان، والهدف الثاني جزء من "سياسة تكريه الحركة الشعبية" واستفزازها للحد الأقصى حتى تضطر الحركة الشعبية إلى تنفيذ الانفصال من جانب واحد بينما تظل يد الحكومة نظيفة .. ومن بعد تمد الحكومة أصبعها إلى الحركة الشعبية وتدينها داخليا ودوليا بجريرة فصل الجنوب، وسنعود إلى ذلك. زد علي ذلك أن فسخ الحكومة الجديدة لاتفاق علي عثمان ـ مشار يعني أن الحكومة الجديدة قد استخدمت نائب رئيس الحكومة كمجرد فخ لتمرير قانون جهاز الأمن ثم التنصل من اتفاق قانون الاستفتاء! وفعلا وقعت الحركة الشعبية في الفخ. ومن نوافل الكلام أن فسخ الحكومة لاتفاق علي عثمان ـ مشار يعني المزيد من التأكيد أن أي اتفاقات لاحقة يبرمها نائب رئيس الحكومة لا قيمة لها. (سمعت قبل قليل خبرا عاجلا مفاده أن قانون الاستفتاء تمت إعادته للمجلس الوطن الانتقالي لأجازته حسب ما تم الاتفاق عليه بين علي عثمان طه وبين رياك مشار. لو صدق الخبر فقد كذب رئيس المجلس الوطني الانتقالي كذبة لا يمكنه لمها! .. قال المجلس لا يطيع القوى السياسية قال .. تطيع يا أحمد إبراهيم الطاهر وتنفذ التعليمات! والزعم بإمكانية إعادة القانون للمجلس لأن رئيس المجلس لم يوقع عليه بعد هي كذبة سخيفة لا يصدقها عاقل لأن توقيع رئيس المجلس هو عمل إجرائي ليست له أدنى قيمة .. والراجح أن سبب الإعادة هي أن النائب الأول لرئيس الحكومة سوف لن يوقع على القانون لأن توقيع رئيس الحكومة منفردا لا يجعل القانون نافذا بحكم أن الجنوب هو محل سريان القانون)

 

أما على صعيد الخطاب السياسي للحكومة الجديدة، فإن نافع علي نافع وصلاح قوش وإبراهيم الطاهر غلاة المتشددين هم المتحدثون باسم الجناح المسيطر أو الحكومة الانقلابية، علاوة على من تبعهم مثل مصطفى عثمان اسماعيل وغيره من على شاكلته. وتتضح معالم السيطرة في خطاباتهم المتشددة ضد الحركة الشعبية والتلويح المستمر بقمع الشعب، وهي تلميحات تعكس حالة الخوف، وتأكيدهم استلام مفاصل البلاد بالقوة. من ذلك قول الفريق أول صلاح عبد الله قوش "المؤتمر الوطني أعد العدة لإيقاف عبث الأحزاب .. والانتفاضة الشعبية التي تدعو لها الأحزاب مستحيلة الحدوث .. ودعوة الحركة الشعبية لإقامة الشغب دعوة فاشلة .. وأعداء السودان، ويقصد أعداء الحكومة الجديدة، يدعمون ولاءات قديمة انتهت وماتت هي وأصحابها .. وسيذهبون لمزبلة التاريخ عبر صناديق الاقتراع وسيلقِّنهم الشعب درساً قاسياً .. " لماذا يا قوش "درسا قاسيا" طالما أنها ستكون انتخابات حرة ونزيهة حسب ما تزعمون؟ ..!! كل هذه رسائل واضحة تعلن عن التحول الانقلابي بدلا عن التحول الديموقراطي الذي حلمت به الجماهير غداة إقرار اتفاقات نيفاشا ودستورها الانتقالي الذي لم يرى النور، وحلموا بها عشية وصول جون قرنق للخرطوم.

 

رئيس الحكومة ..

صحيح أن رئيس الحكومة قد كرس نفسه خلال السنوات الطويلة الماضية في نقطة الاحتكام والمرجعية بين جناحي حكومته. كما نجح رئيس الحكومة في أن يبدو في مظهر المعتدل. وقد تنسحب صفة الاعتدال على بعض سلوكه الشخصي، لكن المتغيرات التي طرأت بسبب ذعر الحكومة من حركة الجماهير دفعته أن يقود بنفسه جناح القهر وإقصاء جناح نيفاشا. لماذا؟

الإجابة على السؤال تتطلب من الجميع إجراء استعراض سريع لأفعال وأقوال رئيس الحكومة منذ انقلابه العسكري إلى آخر تطور. لجهة القول فهو القائل "نحن جينا بالسلاح .. والعندو سلاح يجي يستلمها" أو قوله "نفاوض من يحملون السلاح .." أو قوله لجنوده وهم في طريقهم إلى دارفور "ما عاوز أسرى .." وهذا أمر "بالواضح" للجنود للإسراف في القتل خارج كل الأعراف الإنسانية والحربية لأنه يحرض على قتل الأسرى. يقول الرسول الكريم "استوصوا بالأسارى خيرا" وكان صلى الله عليه وسلم يمنع قتل غير المحارب والنساء والأطفال والشيوخ، كما يمنع هدم الصوامع وغيرها من دور العبادة. وعلى ذلك درج القادة الذين يحضون جنودهم على عدم الإسراف في القتل أو قتل الأسرى أو اغتصاب النساء أو هتك الأعراض. أما أن يبدر التحريض على قتل الأسرى عن رئيس الحكومة السودانية الراهنة فإنه يعني وبوضوح أن القتل هو الوسيلة الوحيدة المعتمدة عنده وحكومته لمعالجة قضية دارفور، وطبعا القتل هو أقصى سقف ممكن للعنف، فكما ليس بعد الكفر ذنب، فليس بعد القتل عنف. والعنف والقتل هنا ليستا مجرد سياسة أو تخويف، بل حقيقة صراح مثلت في التمثيل بالأسرى السياسيين في بيوت الأشباح تحت إشراف نافع علي نافع ورعاية رئيس الحكومة. وكذلك عندما بعثت هذه الحكومة مئات آلاف الشباب إلى محرقة الحرب في الجنوب لقتل أنفسهم وقتل إخوة لهم في صورة نادرة ومقززة من صور دفع شباب يفّع إلى الانتحار الجماعي. لذلك لا يستطيع أحد أن يحمل حسن الترابي وحده أوزار تلك المحرقة، فرئيس الحكومة هو المسؤول الأول والمباشر أمام الله والناس أجمعين لا يغسله تراب ذهاب الترابي عن الوزر والمسؤوليات التاريخية. وكذا الحال بالنسبة لعمليات الإعدام التي تمت بدم بارد، وأيضا حالات تعذيب السياسيين والأبرياء في بيوت الأشباح التي لا تقع تبعاتها على نافع وحده، فرئيس الحكومة يتحمل كل المسؤولية في حال علمه ويتحمل العبء الأكبر من المسؤولية في حال عدم علمه.

 

هذه المعطيات المادية تؤكد جملة من الحقائق، أولها أن رئيس الحكومة هو جزء أصيل من فصيل التشدد وفرق الموت داخل حكومته. وثانيا انه نجح في إخفاء هذه الحقيقة تحت غلالة الزهد في الحكم. وثالثا أن تكريسه لنفسه خلال السنوات الطويلة الماضية في نقطة الاحتكام والمرجعية بين جناحي حكومته كانت ضمن وسائله للبقاء على سدة الرئاسة. ورابعا أنه، أي رئيس الحكومة، لا يتورع عن القيام بكل ما يضمن له الاستمرار في رئاسة الحكم مهما بلغت درجة القسوة والتشدد. ولمجمل الأسانيد لم يكن من الغريب أنه وقف بلا مواربة مع جناحه الأصلي، جناح القهر، جناح نافع علي نافع وصلاح قوش، أو جناح الاستمرار في الحكم بالبطش والعنف. لا نريد أن ننحي باللائمة على المؤسسة العسكرية بأنها السبب الوحيد في تطبيع رئيس الحكومة، فالفريق إبراهيم عبود كان ضابطا لكنه أثر سحب المؤسسة العسكرية عن الحكم وترك الرئاسة وقد كان في مقدوره ارتكاب المجازر والاستمرار في الحكم ولو إلى بعض حين.

 

شاوشيسكو

واضح أن رئيس الحكومة لا يريد أن يقطع ما تبقى من شعرة معاوية مع جناح نيفاشا لعله يحتاجه في ملمات غير منظورة. لكننا إذا نظرنا في عتمة سراديب الملمات غير المنظورة هذه، فقد نرى أن رئيس الحكومة قد وضع نفسه في وسط دائرة من المتشددين الذين أصبحوا كل السلطة وكل الحكومة وما على الرئيس إلا تنفيذ إرادتهم. لقد سار رئيس الحكومة في دهليز التشدد، وظل الدهليز يضيق كلما توغل فيه حتى لم تعد هنالك مساحة كافية تمكنه من الاستدارة والعودة. وبالنظر إلى تجارب الحكومات الشمولية في العالم فإن سيطرة المجموعة المتشددة العنيفة تعتبر حالة عادية تمر بها كل الحكومات الشمولية لأنها تشرنق نفسها في نهاية مطافها تشرنقا ذاتيا ضمن دائرة صغيرة مغلقة مكونة من الغلاة والمتشددين. وبسبب ضيق الدائرة وتكونّها من مجموعة واحدة ذات توجه واحد متشدد مثلها مثل أي خلية آحادية، فإنها تعجز عن استيعاب مجموعتين متناقضتين في جوفها كالذي جرى في السودان وغير السودان، وهذه واحدة من حسنات الشمولية لأنها تقترب بنفسها من نهاية أجلها سواء بتشرنقها وبالتالي عزلتها وتساقط أجنحتها وصيرورتها كهدف معزول مكشوف يسهل ضربه، أو أنها تدمر نفسها تدميرا ذاتيا عندما تحيط بها الضغوط تماما مثلما تفعل العقرب التي تلدغ نفسها عندما تحيط بها النيران من كل جانب. ومن حيث أن المجموعة المتشددة تدخل بدورها في معركة البقاء، فإنها تجعل من الرئيس كبش فداء مثلما حدث للرئيس الروماني نيكولاي شاوشيسكو الذي تم إعدامه بواسطة جنرالاته بعد أن جعلوا منه رمزا للدكتاتورية والقهر، وصنعوا من جثته وجثة زوجته الواحدة معبرا للخلاص. وهكذا دائما تكون نهاية أي رئيس شمولي حيث يأتيه ما يحذر في مكمنه من مأمنه على يد المجموعة التي أراد أن يجعل منها ملاذا آمنا لنفسه .. ولن تجد لسنة الله تبديلا.

 

الجيش .. حمّال الأذية لا ينقلب ولا يخلو من الوزر!

أما الجيش، أو ما كان بعرف بالقوات المسلحة السودانية، فقد تم تحييده بصورة تامة ولم يتم إشراكه في العملية الأخيرة. ذلك أن نزول القوات المسلحة يعري ما يجري، ثم إن الأمر لا يتطلب دبابات أو مدفعية ميدان ثقيلة لأنه ليس صراعا بين ألوية عسكرية، والأهم من كل ذلك عند الحكومة أن نزول الجيش يجعل الجيش هو المسيطر، ويضع الجيش في موضع اللاعب الأساسي الذي بيده معظم الأوراق ويستحيل إعادته إلى ثكناته الأمر الذي يقلب كل معادلات العملية الانقلابية التي جرت. وما يؤكد خوف الحكومة من الجيش أنها لم تستخدم الجيش في مواجهة حركة العدل والمساواة عندما دخلت العاصمة. وهكذا تجد الحكومة الشمولية نفسها بين سندان جيشها ومطارق الشعب ! لكن معضلة الجيش أن كل شيء جرى ويجري باسمه، فالحكومة تظل تحمل مسمى "حكومة عسكرية" مثلها مثل حكومة مايو وحكومة عبود .. مع فارق أساسي هو أن حكومتي مايو وعبود كانتا فعلا عسكرية والجيش فيهما كان هو المسيطر خلافا لهذه الحالة الماثلة .. فالحكومة اسمها اليوم وبعد زوالها "حكومة عسكرية" لكن المؤسسة العسكرية التقليدية لا تحكم!

 

نزول الخلاف إلى القواعد

بكل تأكيد لن تلجأ الحكومة الجديدة إلى إنزال تعليمات عسكرية واضحة بهذا الخصوص إلى قواعدها لعدة أسباب طبعا على رأسها إحاطة الأمر بالسرية، زد على ذلك سوف يصعب على مؤيدي جناح نيفاشا تقديم فروض الولاء والطاعة لجناح نافع المسيطر الآن. لكن المشهد لا يخلو عن ردود أفعال مكتومة ومتضاربة بين الفرح والقرح. وفي حال اضطرار الحكومة إلى الإعلان عن إقصاء الجناح الآخر، وهذا احتمال بعيد، فسوف يعقب ذلك حركة خروج فردي واستقالات محدودة .. وكل يغنّي ليلى مصالحه ..

 

سقوط ورقة الدين .. !

من أبرز الملاحظات أن الحكومة الجديدة لم تلجأ هذه المرة إلى الاستخدام المكثف لورقة الدين ورفع المصاحف على رؤوس البنادق كما تفعل عادة. إذ يبدو أن ورقة الدين لا تنفع في مثل هذه الملمات! فقد فصلت العير وحدث الانقلاب وتمكن جناح البطش والتخويف داخل الحكومة. وفي حال أن استخدم الجناح الغالب ورقة الدين، ففي مقدور الجناح المغلوب استخدام نفس الورقة، فيكون للحكومة أكثر من دين! ومع ذلك كانت هناك فتوى تكفير المتظاهرين التي اختفت رائحتها سريعا وسط روائح الغازات الأخرى المسيلة للدموع، ثم ذلك الحديث المعزول الذي خرج عن مصطفى عثمان اسماعيل الذي قال فيه " أن التحدي الماثل أمامنا هو تقديم النموذج السياسي الرسالي، والمؤتمر الوطني ليس غاية، وإنما وسيلة لبناء سودان الشريعة الجديد" .. رسالي حته واحده يا مصطفى عثمان اسماعين صاحب حديث الشحادين؟ طيب، ماذا كنتم تبنون على مدى 20 عاما؟ أم أن بناء المجتمع الرسالي على طريقتكم يستغرق وقتا أطول مما يستغرقه بناء عمارات وأبراج ماليزيا وجزيرة النخلة في بحر دبي؟

وحتى نغرق ورقة الدين كما غرق فرعون، أو نحرقها وننسفها في بحر النسيان كما أحرق سيدنا موسى إله السامري، نقول أن الشعب السوداني يطالب اليوم بأمرين أساسيين:

أولا: حق الشعب الذي شرعه له الله في الحرية والتعبير لأن ما غير ذلك هو الأسر والعبودية لغير الله وعبادة الفرد،

ثانيا: حق الشعب الذي شرعه له الله في الاختيار الحر لمن يتولى إدارة شؤونه العامة نيابة عنه لأن ما غير ذلك هو الدكتاتورية التي بعث الله الرسل تترى لمحقها وإزالتها لأن الدكتاتورية صنم حي من أصنام الشرك بالله. وبما أن هذه الحقوق واردة في محكم التنزيل، فإن الحكومة تقع في الجانب المناوئ لإرادة الله ومنها إرادة الشعوب، حيث أضحت الشعوب هي التي تحقق إرادة السماء في الأرض بعد انقطاع الرسالات السماوية بخاتم الأنبياء الرسول الكريم محمد بن عبد الله وأصبح في حرز الشعوب ما يكفيها من الحجة والمنطق والعلم.   

 

لا انتخابات حرة .. لا تحول ديموقراطي ..

إذن فقد كانت مسيرة السابع الصغيرة هي الصاعق الذي فجّر الصراع المكتوم بين جناحي الحكومة، والمحصلة تجسدت في إطباق جناح العنف على كامل مقاليد الحكومة. ولما كان الخوف من الشعب هو السبب المباشر في انقضاض هذا الجناح وإحكام سيطرته، يبقى من البديهي أن الحكومة في شكلها هذا سوف تمضي قدما في تنفيذ خطتها الرامية إلى حمل الشعب السوداني مقيدا مكبلا إلى صناديق الاقتراع. بعبارة أوضح الحكومة الجديدة لا ترغب في حريات ولا ترغب في تحول ديموقراطي ولا ترغب في انتخابات حرة أو غير حرة نزيهة أو غير نزيهة، ومن يرى غير ذلك عليه أن يتحسس سمعه وبصره .. بل وعقله.

 

لكن المأزق الكبير مازال في انتظار الحكومة الجديدة .. الشعب .. نعم الشعب الذي حاولت الحكومة الهرب عن طريقه مرورا بكل الأزقة الضيقة والملتوية والمنعطفات والقفز فوق حوائط الاستحقاقات وبيدها السكاكين والمطاوي كلص ليلي لكي تشرعن وجودها بعد الانتخابات. هي محاولة يائسة للهروب إلى الأمام .. عام؟ .. ثلاثة أعوام أخرى؟ .. ثم ماذا؟ .. الحكومة كادحة إلى الشعب كدحا ولسوف تلاقيه. الشعب سوف يرفض سكوتا نتيجة الانتخابات التي أصبحت مؤكدة إذا سار الحال على ما هو عليه. ومن بعد سوف يرفض الحكومة نهارا جهارا ..

 

وحتى أعود إلى الحركة الشعبية والأحزاب وفصل الجنوب في الحلقة التالية بإذن الله، أقول لجناح نيفاشا: كلمة السر "كاديما" ...

 

سالم أحمد سالم

باريس

24 ديسمبر 2009