عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

لقد تم تكوين المجلس الوطني الانتقالي بالتعيين حسب حصص قسمة السلطة الواردة في اتفاقات نيفاشا والدستور الانتقالي. وقد كان الهدف من تكوين المجلس الوطني الانتقالي هو طرح ومناقشة التفاصيل اللازمة لإجازة ما اتفقت عليه الحكومة والحركة الشعبية بخصوص متطلبات المرحلة الانتقالية مثل إزالة القوانين المتعارضة مع الدستور الانتقالي وتلك المقيدة للحريات حتى تصبح المرحلة الانتقالية مرحلة تحول ديموقراطي حقيقي تمهد لإجراء انتخابات حرة ونزيهة. وغني عن القول أن كل متطلبات المرحلة الانتقالية واردة أصلا في نصوص الدستور الانتقالي وبنود نيفاشا ومتفق عليها بين الحكومة وبين الحركة الشعبية تحت إشراف وضمانات دولية. إضافة إلى ذلك كان من المفترض أن يؤدي المجلس الوطني دوره في فحص أداء الوزراء والوزارات والجهاز التنفيذي للحكومة.

لكن تجربة السنوات الماضية أكدت بشكل جلي وقاطع أن المجلس الوطني لا يعدو كونه جهازا تنفيذيا من حيث أن كل كتلة من كتل المجلس الوطني المعين تنفذ حرفيا كل المواقف والقرارات والسياسات التي تتنزل عليها من قياداتها. وبمجرد أن تتحول أي مؤسسة تشريعية إلى مكان "للتنفيذ" تكون قد فقدت خاصية التشريع والرقابة الدستورية والتحقت تلقائيا بالجهاز التنفيذي. ونتثبت من هذه الحقيقة من أن المجلس الوطني الانتقالي المعين يقوم تلقائيا بتمرير أو بالأحرى "تنفيذ" كل ما يتم الاتفاق عليه بين القيادات السياسية للحكومة والحركة الشعبية في مجلس الرئاسة، حيث يكتفي المجلس بتلاوة النصوص النازلة من المجلس الرئاسي وإقرارها بعد مناقشة شكلية، وفي أغلب الأحيان بدون مناقشة شكلية، وهذا أمر طبيعي بحكم أنه مجلس معين غير منتخب يستمد أعضاؤه وجودهم واستمراريتهم في مواقعهم وصلاحياتهم من القيادة السياسية التي عينتهم.

وإذا كان ولابد من تقديم نموذج بعينه، فإن المجلس الرئاسي يعقد خلال هذه الساعات جلسات مطولة لمعالجة كل الملفات التي سبق أن أحالها للمجلس الوطني الانتقالي "لاتخاذ قرارات حاسمة بشأنها" هذا يعني صراحة أن المجلس الوطني الانتقالي لم يكن محل اتخاذ القرار. ومن تجربتي الشخصية المباشرة أثناء مشاركتي في مناقشة قانون الصحافة والمطبوعات، وقفت كتلة الحكومة تدافع بضراوة عن مصادرة المطابع وإيقاع عقوبات مالية ضخمة وجنائية قاسية على الصحف والصحافيين إلى غير ذلك من التشدد والتنكيل بالصحافيين. لكن عندما تنزّل الأمر من القيادة السياسية للحكومة، تراجعت كتلة الحكومة وأجاز المجلس الوطني "بالإجماع" مشروع القانون متضمنا معظم التعديلات التي اقترحناها على مشروع القانون والتي سبق أن رفضها مناديب الحكومة جملة وتفصيلا! 

ومن أخطر مساوئ المجلس الوطني الانتقالي أن الحكومة قد اتخذت من المجلس الوطني المعين وسيلة لكسب الوقت حتى تجري الانتخابات قبل إلغاء القوانين المقيدة للحريات، أو أن يتم إلغاء هذه القوانين قبل فترة قصيرة من إجراء الانتخابات. وبذلك لا يتوافر لبقية الأحزاب والتيارات السياسية أي وقت لطرح برامجها واستقطاب مؤيديها وتبيان أوجه القصور في أداء الحكومة. وبالتالي يذهب الشعب السوداني إلى صناديق الاقتراع وهو مكبل بالقوانين المقيدة لحريات الرأي والتفكير وتحت حالة من الخوف والتخويف المستدام. فمن المعلوم بالضرورة، كما ذكرت في أكثر من مقام ومقال، أن المرحلة الانتقالية هي "مرحلة التحول الديموقراطي" وأن الانتخابات ليست هي التحول الديموقراطي، وأن الانتخابات هي مجرد "إجراء" يتم بعد فترة كافية من الممارسة الديموقراطية. لكن الحكومة أرادت وضع حصان التحول الديموقراطي خلف عربة الانتخابات ونجحت في ذلك. فقد تمكنت الحكومة بواسطة مناديبها في المجلس الوطني من كسب معركة الوقت بالتعطيل والتسويف والمماحكة وافتعال المعارك في غير معترك.

نعم لقد تمكنت الحكومة بواسطة المجلس الوطني الانتقالي من تفريغ المرحلة الانتقالية من كل مضامينها ولم تعد مرحلة للتحول الديموقراطي. وها هي الحكومة تلح اليوم على الشعب أن يتوجه إلى صناديق الاقتراع بعد بضعة أسابيع وهو تحت ظل سيوف القهر وانعدام الحريات ودون أن يمارس الحد الأدنى من حرياته المكفولة التي بقيت بدورها حبيسة في أضابير الدستور الانتقالي. وقد استأجرت الحكومة العديد من الأقلام المأجورة التي تدعو الشعب إلى عدم الخروج و"انتظار" الانتخابات لممارسة الديموقراطية! وكما قلت في سياق سابق فإن الشعب السوداني من الفطنة بحيث لم تفت عليه لعبة الحكومة، فاتخذ موقفين متجانسين أولهما عدم الاكتراث بفوز الحكومة باعتبار أن فوزها تحصيل حاصل في مثل هذه المناخات، والموقف الثاني المتلازم تجسد في خروجه يوم الاثنين الماضي وما سوف يستتبع ذلك من خروج قبل الانتخابات إذا لم تتمكن قيادات الأحزاب التقليدية من تمييع نبض الشارع وأشواقه للحرية الديموقراطية. أما في حال صيرورة الانتخابات حسب خطة الحكومة التي تجد قبولا تاما من قيادات الأحزاب التقليدية، فإن الخروج الشعبي العارم بعد الانتخابات الشكلية أمر مؤكد ومحتوم من أجل استعادة حقه في الحرية الديموقراطية، أو ما أسميته في سياق سابق "الدخول في منطق الانقلاب الشعبي"

وهكذا أصبح ما يعرف بالمجلس الوطني الانتقالي هو العقبة الأساسية أمام التحول الديموقراطي بدلا عن أن يكون خادما وممهدا له. ومن نافل القول أن توظيف الحكومة للمجلس الوطني الانتقالي على هذه الكيفية المعيقة يتناقض وجاهة وبامتياز مع كل ما ورد في اتفاقات نيفاشا والدستور الانتقالي. لذلك لا نجد غرابة في أن المجلس الوطني الانتقالي المعين الحالي بتركيبته وأدائه قد تحول إلى بؤرة للتنافر والمكايدات والخصومات وساحة للمعارك بين أعضاء مجلس الرئاسة، مثل لبنان أيام الحرب الأهلية، وانحدر إلى درك الخصومة الشخصية، وكل ذلك ألحق ضررا بليغا بالقضايا الوطنية المصيرية وأعاق متطلبات المرحلة الانتقالية أو بالأصح مرحلة التحول الديموقراطي.

أما لجهة الرقابة على الجاهز التنفيذي، فقد كان من الطبيعي أن يعجز المجلس الوطني عن القيام بدور الرقيب والمحاسب على أداء الوزراء والوزارات والجهاز التنفيذي .. فهو أيضا مجرد جهاز تنفيذي! وقد نجم عن ذلك هذا الفساد الذي ضرب كل أركان البلاد والوزارات والدوائر والقضاء والأجهزة الشرطية.  

كل هذه الوقائع والمعطيات وغيرها كثير جعلت من المجلس الوطني الانتقالي جهازا تنفيذيا زائدا له مساوئ وليس له حسنات ولا يقوم بأي دور تشريعي أو رقابي. والأهم في كل ذلك أن المجلس الوطني هو العقبة الأساسية أمام استحقاقات اتفاقات نيفاشا وسريان الدستور الانتقالي المجمد إلى اليوم والمعوق لاستحقاقات المرحلة الانتقالية أو مرحلة التحول الديموقراطي.

نقل الاختصاصات التشريعية إلى المجلس الرئاسي

وبما أن الأمر كذلك، وهو كذلك، لابد من الآتي:

أولا: نقل جميع الاختصاصات التشريعية كافة إلى المجلس الرئاسي، إذ لا توجد ضرورة لبصمة شكلية من إبهام المجلس الوطني طالما أن المجلس الرئاسي هو جهة اتخاذ القرار. وإذا كان ولابد من هذه البصمة الشكلية، يتم تحويل قرارات المجلس الرئاسي إلى المجلس الوطني للتمرير والبصم.

أن نقل الاختصاصات التشريعية إلى المجلس الرئاسي سوف تضع المجلس الرئاسي نفسه أمام مسؤولياته وإلزامه بمعالجة خلافاته في داخله بدلا عن نقلها إلى المجلس الوطني المعين. كما تؤدي هذه الخطوة إلى وقف توظيف المجلس الوطني المعين كأداة من أدوات كسب الوقت.

ثانيا: تركيز أداء المجلس الوطني الانتقالي المعين على فحص ورقابة الجاهز التنفيذي ومحاسبة الوزراء والتنفيذيين وإقرار تقارير المراجع العام. أهمية هذه الخطوة أنها تعيد إلى المجلس الوطني دوره كمؤسسة تشريعية رقابية وتخرجه عن كونه مجرد جهاز تنفيذي. وقد تقود هذه الخطوة إلى محاصرة الفساد المستشري في كل ركن من أركان الإدارات داخل البلاد وخارجها أيضا.

نقل مداولات المجلس مباشرة من الإذاعة:

نعمل أن المجلس الوطني هو مجلس معين لم ينتخبه الشعب. ومهما يكن، فمن حق الشعب أن يعرف ما يدور باسمه. لذلك نقترح على المجلس الرئاسي أن يتخذ قرارا بث جميع جلسات ومداولات المجلس الوطني مباشرة وعلى الهواء إما بواسطة الإذاعة السودانية أو بتخصيص موجة إذاعية خاصة. من شأن هذه الخطوة أن تفرض نوعا من الرقابة الشعبية على أداء هذا المجلس المعين

هذا ما نقترحه على المجلس الرئاسي ضمن نقاط التفاوض بنسخة أصلية إلى جميع قيادات الأحزاب السياسية في البلاد وقوى مؤتمر جوبا. وسوف نطرح في سياق قصير لاحق كيفية تركيز المرحلة الانتقالية، وآخر حول ضرورة إلغاء تسجيلات الانتخابات كأمر لابد منه، وكله بإذن الله وتوفيقه.

سالم أحمد سالم

باريس

11 ديسمبر 2009