رفض الشعب منح الشرعية للحكومة قبل إجراء الانتخابات .. بـ "لا" الصامتة

نبض الشارع الصامت هو الذي يقود زمام المبادرة، ومؤتمر جوبا مجرد استجابة ..

غياب نقد والصادق سند الحكومة ووضع الحركة وحيدة في الواجهة ..

على الحكومة وزعامات الأحزاب أن يحذروا بيع وتمييع تطلعات الشعب ..

 

سالم أحمد سالم

باريس

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

يوم الاثنين الماضي السابع من ديسمبر مضى مثل غيره من أيام الله، لكنه وبكل المقاييس سوف يشكّل علامة في تاريخ السودان. ولا يكتسب يوم الاثنين موقعه من التاريخ بسبب المكاسب التي حققتها المظاهرة أو بسبب العنف الذي قمعت به الحكومة المسيرة أو التجمع وتبديدهما، لكنه يكتسب هذه الأهمية بسبب حدوث المسيرة أو التجمع في حد ذاته. فالخروج هو العلامة التاريخية الفارقة. ثم أن خروج المسيرة أو التجمع يكتسي أهميته من حقيقتين، أولاهما أن يوم الاثنين فتح مسارا لأحداث وتطورات سوف تتلاحق ولسوف تستمر بكل تأكيد، والحقيقة الثانية أن يوم الاثنين يؤشر إلى حدوث تغيير نوعي في سلوك كل من الحكومة والحركة الشعبية والأحزاب التقليدية والقوى الاجتماعية التي تسعى إلى تكريس أسس الحرية الديموقراطية الاجتماعية. هذه القوى الاجتماعية، وإن لم تتشكل بعد في تيار أو حزب سياسي إلا أنها تضم الغالبية الساحقة من الشعب السوداني، وهي غالبية لا تجد أشواقها وتطلعاتها لا في الحكومة ولا في الأحزاب القائمة اليوم، لكن نبض هذه القوى هو الذي يحرك كل مفاصل وفصول الأحداث ويصنع المستجدات كما سوف نرى.

والتغيير الذي نتوقعه في سلوك الحكومة ينقسم بدوره إلى دربين، إما باتخاذها درب الردة الكاملة إلى أساليب القمع والاستئصال والسجون والتعذيب والاغتيالات. والدرب الثاني يتمثل في أن تنجح بعض أركان الحكومة في العمل على تحقيق جانب ولو هامشي من رغبات وتطلعات الشارع في الحرية الديموقراطية الاجتماعية. هذان الدربان يؤشران بدورهما إلى حالة الانشقاق القائم في داخل الجماعة الحاكمة، وهو انشقاق لا يخفيه ما يخصفه عليه الجناحان المختلفان من ورق جنة السلطة، أو ما يهيلان عليه من تراب التضليل مثلما فعل الغراب الذي بعثه الله ليري ابن آدم كيف يواري سوءة أخيه .. الشق قائم في عمق الجماعة الحاكمة ومحاولات إخفائه تتم على القشرة الخارجية. هذا الشق هو نقطة الضعف والبطن الرخوة في هذه الحكومة كغيرها من الحكومات الشمولية، علاوة على أن الحكومات الشمولية تنتهي عادة إلى سيطرة تيارات القمع في داخلها، وهذه السيطرة تفضي إلى حالة من "التشرنق الذاتي" الذي يجعل الحكومة الشمولية في نهاية المطاف مثل كرة حديدية ثقيلة معزولة لكنها جاثمة، ويجعل منها التشرنق الذاتي هدفا محددا ومكشوفا يسهل ضربه ودحرجته.

هنا يكمن مأزق الحكومة أو الجماعة الحاكمة. فإذا استمرت الغلبة لصالح تيار القمع والاستبداد والقهر الاجتماعي، كما هو حاصل اليوم، فإن تداعيات يوم الاثنين المنتظرة سوف تسارع الخطى نحو مواجهة مفتوحة وشاملة مع المجتمعات السودانية. وذلك أقصر الطرق نحو إراقة دم كثير من على الجانبين ينتهي بزوال الحكومة لا محالة. أي أن العمل السياسي سوف يتراجع ليحل محله فعل الثورة الاجتماعية التي سوف لن تتوقف حتى تحصل على بغيتها وهي الحرية الديموقراطية الاجتماعية.

أما في حال أن استقوى شق الجماعة الحاكمة الذي يعتقد في "منح" المجتمعات السودانية المزيد من هوامش الحريات، فالشموليات عمرها لا تعطي حريات أصلية أو شبه كاملة، فإن ذلك سوف يقود تلقائيا إلى السعي نحو تفعيل اتفاقات نيفاشا، وفي جوهرها الدستور الانتقالي وإزالة القوانين التي تتعارض مع نصوص وروح الدستور الانتقالي .. فالدساتير لها أيضا روح وليست مجرد نصوص باردة. هذه العودة الطوعية لاتفاقات نيفاشا واستحقاقاتها الدستورية هي وحدها التي سوف تمنح الحكومة أو الجماعة الحاكمة فسحة من الوقت لأنها تلبي جزء مهما من رغبة المجتمعات السودانية في الحرية الديموقراطية الاجتماعية. ذلك أن اتفاقات نيفاشا ودستورها الانتقالي كانت العمود الداعم الذي سند الحكومة وحماها من الانهيار، ولولا تلك الاتفاقات لكانت هذه الحكومة تاريخا في دار الوثائق السودانية. لكن اتفاقات نيفشا لم تنمح الحكومة صكا بديمومة الحكم الشمولي حتى لو جاءت بالحركة الشعبية ومثلها مددا. والخطأ التاريخي الفادح الذي وقع فيه "جناح القمع الجسدي والقهر" داخل الحكومة أنه استخدم اتفاقات نيفاشا كمجرد ورقة للاستمرار في الحكم الشمولي دون أن يأبه هذا الشق بالاستحقاقات المتضمنة في الاتفاقات، وهي استحقاقات لا يمكن استخدام ورقة نيفاشا نفسها بدون الوفاء بها! لذلك انقلب "جناح القمع" على الأجنحة الأخرى وظل مسيطرا. وهنا ندرك لماذا تدحرج علي عثمان طه عن واجهة الحكومة بعد الزخم الذي حققه بفضل إبرام اتفاقات نيفاشا.

طال الزمن أم قصر كان لابد أن يواجه "جناح القمع الجسدي" المسيطر مأزق استحقاقات نيفاشا ودستورها الانتقالي، وهذا ما حدث بالضبط صبيحة يوم الاثنين. فالدستور الانتقالي يظل العمود الفقري الذي تكاثفت حوله طموحات المجتمعات السودانية في الحرية الديموقراطية الاجتماعية. وهذه الحرية الديموقراطية الاجتماعية لن تتجسد واقعا إلا من خلال آلية هي انتخابات حرة نزيهة وشفافة يتنافس فيها المتنافسون على ملعب مستو نجيله من الحريات الشاملة وترتدي فيه كل الفرق المتبارية ملابس اللعبة .. دون أن يخفي لاعبو فريق المطاوي والمسدسات وأدوات تدليس أخرى تتنافى مع قوانين اللعبة الديموقراطية! والواضح أن "جناح القمع الجسدي" المسيطر جهز الملعب بحفر الاستحكامات العسكرية ومكامن القنّاصة ومواقع منصات المدفعية ونصب الكمائن المفخخة وتمترس وقال للناس هيت لكم .. تعالوا نلعب ديموقراطية! وفوق ذلك أراد أن يضع الشعب كمتفرج خارج الملعب، شعب من أمامه سياج ومن ورائه سياج عليه جلاوزة غلاظ، وفوق ذلك يريد أن يجعل من الشعب هتيفة له يهتف هو نيابة عنهم من مكبرت صوت وأبواق إعلامه الورقي والمسموع المشاهد .. ذلكم هو المسرح أو الملعب الذي أعدته الحكومة للعبة الديموقراطية .. وكأس الحكم عليه القلائد منتصب أمام الرئيس القائد الذي سوف يصافح نفسه ويسلم على نفسه ويهنئ نفسه بنفسه بالفوز ويقوم ينفسه بتسليم كأس الحكم إلى نفسه وسط ملعب داو بكل هذه الخزعبلات والمتفجرات.

طبعا الشعب السوداني ليس على أي درجة من درجات الغباء أو الاستغفال، بل هو شعب على درجة قياسية من الوعي، يدرك الواقع السياسي مثلما يدرك تماما واقعه المزري. ومع أولى العمليات التحضيرية للتسجيل للانتخابات، كان من الطبيعي أن يدرك الشعب هذه الملهاة أو المسخرة المسماة كفرا بالانتخابات "الحرة النزيهة الشفافة" .. وهي فعلا شفافة بل عارية تماما لأن الشعب رأي أقصى ما فيها من عري. أما نزيهة وذات شرف فلا، لذلك عافها الشعب. فقد جسدت عمليات التلاعب الصريح في التسجيلات البرهان القاطع الذي أكد للشعب السوداني أن ملهاة الانتخابات سوف تبعده كثيرا عن الحرية الديموقراطية الاجتماعية التي تعلق بسببها بأستار الدستور الانتقالي. لذلك تحرك نبض الشعب ضد هذه الفرية المسماة بالانتخابات الحرة النزيهة والشفافة كمان!

وفي مقابل هذا الوعي الشعبي تظن الجماعة الحاكمة أن الشعب على درجة متقدمة من نقصان العقل أو مرض الزايمر. وتتجسد هذه المخاتلة الشمولية على سبيل المثال في تبريرات والي ولاية الخرطوم قمع حكومته للمسيرة والتجمع. ففي الوقت الذي يعترف فيه الوالي الحكومي أن "قوى مؤتمر جوبا قد تقدمت بطلب للتصديق على التجمع، يعود في نفس الجملة ليناقض نفسه بالقول "أن عدم سير مقدمي الطلب في اتجاه الحصول على التصديق المعني اعتبرته السلطات صرف نظر عن ما قُصد به، وجاء تعامل القوات الأمنية مع مقدمة المتجمعين أمام البرلمان وفق المادة (127) من قانون الإجراءات الجنائية .." طبعا أي إنسان نصف عاقل لابد أن يسأل والي الحكومة عن لماذا لم يمنحهم التصديق المطلوب؟ والمدهش حقا لم يطرح صحافي واحد هذا السؤال على والي الحكومة! ويتماهى مدير شرطة ولاية الخرطوم في استصغار مقدرات ووعي المجتمعات السودانية وهو يبشّر الشعب "بافتتاح أكثر من 17 قسم شرطة" و"سيطرة الأجهزة الأمنية على الأحياء" وخطة الولاية بتوسيع "المظلة الشرطية" عبر "بسط الأمن الشامل" و"الأمن المجتمعي" ويبشر الناس "بتنفيذ 1300 موقع لبسط الأمن الشامل" وإيجاد شرطة "قريبة من المواطن" "تؤمنه ليلاً ونهاراً". طبعا يستطيع أي صبي أو صبية في أي حارة مهملة مرمية أن يفهم التهديد المبطن ورسالة التخويف الذي احتوت عليها أرحام كلمات مدير شرطة الحكومة، وأنه يقول صراحة أن الشرطة أقرب للمواطن من حبل الوريد لا من أجل حمايته بل لمنعه عن الخروج مرة أخرى التعبير عن أشواقه في الحرية الديموقراطية الاجتماعية. والمفارقة أن رسالة صاحب الشرطة تتطلب أن يكون الشعب على درجة ولو محدودة من الذكاء لفهم رسالته المبطنة بالوعيد والتهديد، الأمر الذي يتناقض مع نظرة الحكومة التي تعتقد في غفلة الشعب وجهله وإمكانية غشّه وتخويفه .. الجهل والفطنة لا يجتمعان في عقل شعب واحد يا حضرة الضابط ..

نعم الشعب السوداني معلّم وعلى درجة عالية من الوعي، و"صاحب سوابق" في انتزاع حريته الاجتماعية منذ ستة آلاف سنة. والقهر لم يقتل فيه هذه الخصائص، بل أحدث تبدلا في سلوكياته العامة حتى لا يموت جوعا. ونلمس هذا الوعي المقهور في تعليقات المواطنين على الانتخابات مثل مقولتهم المتداولة "هه .. انتخابات شنو؟ ما أصلهم فايزين فايزين .." هذا القول كبسولة معرفية تعني أن الشعب يعي جيدا الفرق بين "الانتخابات" وبين هذا الذي سوف ينتهي إلى نتيجة محسومة سلفا. ومن نتائج القهر أن الشعب لم يخرج منذ سنوات بعيدة للتعبير عما يعتمل في وجداه. ويبدو جليا أن الحكومة قد فسرت الصمت الشعبي بأنه خنوع دائم، وأن أساليب القهر قد أتت أكلها وأن الأمر قد استتب لها حتى جاء يوم الاثنين. هذا التفسير هو الخطأ المميت الذي تقع فيه جميع الحكومات الشمولية في السودان. على أن ذلك الصمت الشعبي ظل مشعا وقويا ومؤثرا على كل الصعد السياسية في البلاد.

هذا الإشعاع هو "نبض الشارع" الذي تجسد في الموقف العام للشعب السوداني من هذه الحكومة. فقد فشلت هذه الحكومة على مدى عقدين من الزمان أن تكون حكومة الأمر الواقع، وفشلت في الحصول على صك من الشرعية رفض الشعب في صمت أن يمنحه لها برغم عديد الانتخابات والاستفتاءات التي بذلتها هذه الحكومة في غضون العقدين الماضيين ... هذه هي "لا الصامتة" أن لم تسمعوا بها!

الشعب السوداني رفض رفضا ضامتا وبليغا أن يعمّد جبين هذه الحكومة ولا رئيسها بماء الشرعية حتى يوم الناس هذا. (ومع ذلك تتحدث الحكومة عن "عدم شرعية" تظاهرة الاثنين السلمية). ومن نافل القول أن الحكومة لم تدرج مراقي السلطة بشرعية شعبية. فقد أسست هذه الحكومة بنيانها على شفا جرفٍ هارٍ من عدم الشرعية أوشك أن ينهار بها إلى هاوية العدمية وأرشيف دار الوثائق حتى جاءت اتفاقات نيفاشا فكانت الركيزة أو العمود الذي منعها من الانهيار. كان على الحكومة أن تتذكر دائما أن اتفاقات نيفاشا أعطتها مشروعية جزئية محدودة الأجل ضمن حكومة شراكة انتقالية مكونة منها والحركة الشعبية، وأن هذه الحكومة الانتقالية ذات الأجل المحدد عليها تنفيذ استحقاقات الاتفاقات بإزالة القوانين المقيدة للحريات وتلك المتعارضة مع الدستور الانتقالي، وأن الاتفاقات هي ملك للشعب السوداني بصفة عامة وليست حكرا على الحكومة والحركة الشعبية، برغم حصص قسمة الثروة والسلطة بينها والحركة، وأن على "حكومة الشراكة الانتقالية" إقرار الحريات الديموقراطية وتهيئة كل ما يلزم لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، و‘جراء الاستفتاء في الجنوب.

لكن بعد مضي شهور قلائل من وهج الاتفاق والتلويح بكتابه  زهوا في وجه الشعب السوداني والعالم، ظنت الحكومة أن اتفاقات نيفاشا والدستور الانتقالي مجرد إله من العجوة صنعته بيدها وتلتهمه متى تشاء. ومن ثم ألقت الحكومة وراءها ظهريا كل استحقاقات الاتفاقات وحذفت عن اسمها كلمة "انتقالية" وتفردت بالحكم واستكبرت وعصت وصادرت هوامش الحريات وتوسعت في "مشاريعها" الحربية في دارفور فحصدت حاصداتها العسكرية آلاف الأرواح واستحيت الحرائر ذوات الشرف، حتى قال سدنتها "الرهيفة التنقد" مثل بكارات صبايا دارفور. ولا شك أن الرحيل المباغت للدكتور جون قرنق قد لعب دورا في تفاقم تمرد الحكومة على شرعية الشراكة الانتقالية. أما الانتخابات فلم يبق منها إلا عبارة "شفافة ونزيهة" التي يزين بها رئيس الحكومة نحر خطبه المرتجلة.

والحديث عن الانتخابات يصل بنا إلى المربط الذي انطلق منه جواد الشعب السوداني صبيحة يوم الاثنين الماضي. ولما كنا قد أفرطنا في تأكيد وعي الشعب السوداني، فقد كان من البديهي أن يدرك الشعب، من صافرة بداية عمليات التسجيل وما صاحبها من غش واضح فاضح، أنه ليست هنالك انتخابات ولا يحزنون. وعاد الناس إلى ترديد قولتهم المأثورة التي لم تفارق القلوب "هه .. انتخابات شنو؟ .. أصلهم فايزين فايزين" .. ودخلت المجتمعات السودانية في صمتها البليغ والمشع والمؤثر والموشّى هذه المرة بمزيد من العبارات الساخرة عن اللواري والكوامر التي تنقل بها الحكومة جنودها والمساكين لتسجليهم في أكثر من مكان ومرة .. و .. "الصوت بى كم يا عم؟ .."! لقد كان في حكم المؤكد أن الشعب لن يمنح الحكومة ولا الأحزاب المشاركة في الانتخابات أي شرعية دستورية بمثل هذه الانتخابات الصورية.

وهكذا وضحت حقيقتان حاسمتان قبل إجراء الانتخابات. الحقيقة الأولى هي فوز الحكومة، والحقيقة الثانية والمهمة هي أن الشعب لن يمنح الحكومة أي شرعية بموجب نتيجة الانتخابات. ولما كانت عمليات التسجيل هي البداية العملية للانتخابات، كان من الطبيعي أن تتضح معالم الموقف الشعبي أثناء مراحل التسجيل لا قبلها. لذلك كان من المنطقي أن يقع يوم الاثنين خلال مرحلة التسجيل لا قبلها أيضا. طبعا الحكومة لم تدرك ولم تعبه بما يعتمل في نفوس "هذا الشعب الغشيم الخانع" على حد فهمها. إلا أن قيادات الأحزاب أدركت نبض الشارع، وتأكدت أنها هي أيضا سوف لن تحصل على شرعية شعبية من هذه الانتخابات. فقد وعت قيادات الأحزاب أن المجتمعات السودانية سوف لن تعتمد نتائج الانتخابات، وأن ما سوف تحصل عليه، الأحزاب، من الانتخابات سوف يكون صفرا كبيرا فاقد الشرعية عند الشعب السوداني، وأن صفقاتها السرية التي عقدتها مع الحكومة سوف لن تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به من حيث الشرعية الشعبية. وبناء على هذا الفهم سارعت قيادات الأحزاب لكي تتدارك أمر نفسها، فحزمت حقائبها وتوجهت إلى جوبا حتى تجد لنفسها موضعا داخل نبض الشعب.

هذه المعطيات جميعها تعيد المعادلة إلى وجهها الصحيح وهو أن نبض الشعب وإحجامه المسبق عن منح الشرعية للحكومة ولنتيجة الانتخابات هو الذي قاد المبادرة، وهو الذي دفع بقيادات الأحزاب للتوجه إلى جوبا لا العكس. وحتى إذا رجعنا إلى الماضي القريب نجد أن نبض وحركة الشارع السوداني هي تقود دائما زمام المبادرة، وأن قيادات الأحزاب هي التي تلحق بإرادة الشعب مثلما حدث قبل وأثناء ثورة أكتوبر "الشعبية" وأيضا عند انتزاع حكومة مايو 1 العسكرية.

لا نريد في هذه الأيام أن ننكأ جراحات قديمة ونتحدث عن مباركات وتحالفات الأحزاب مع الحكومات الشمولية. لكن مسارات الأحداث التي أضحت مفتوحة على عديد الاحتمالات تقتضي القول أن إحجام قيادات الأحزاب عن المشاركة في تجمع ومسيرة يوم الاثنين قد لعب دورا سالبا خطيرا في تحجيم المسيرة وكاد أن يحبطها تماما. طبعا موقف الحكومة معروف ودوافعه معروفة. فالحكومة بتكوينها الذي لن يتغير ترفض حركة الشارع وتعمل كل ما بوسعها لمنع الشعب عن التعبير الحر عن إرادته وأشواقه ورغباته حتى لو كانت سلمية أو مناهضة لفساد. لكن عدم مشاركة محمد إبراهيم نقد والصادق المهدي مشاركة شخصية كان عملا سلبيا، لا نريد أن نصفه هنا بالتواطؤ مع الموقف الحكومي، لكنه يتماهى معه. فقط يكفي أن نشير إلى أن اجتماع محمد عثمان الميرغني والصادق المهدي مع رئيس الحكومة قبيل ساعات من مسيرة وتجمع يوم الاثنين وظهورهما معه على شاشات التلفزيون الأمر الذي أعطى الحكومة ورقة قوية ما كان لها أن تحصل عليها، وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على تجمع ومسيرة يوم الاثنين علما أن الحكومة هي المسيطر على أجهزة الإعلام. لجهة محمد عثمان الميرغني فإن مصالحه الشخصية ومصالح أسرته أصبحت ترتبط ارتباطا وثيقا مع هذه الحكومة. زد على ذلك أن روابط محمد عثمان الميرغني مع الحكومة المصرية تملي عليه مساندة هذه الحكومة التي لن تجد الحكومة المصرية أفضل منها لضمان مصالحها في السودان. وفوق ذلك لا يأمل محمد عثمان الميرغني أن يحصل من انتخابات حقيقية أكثر مما يحصل عليه اليوم. لذلك يقع العتب على الصادق المهدي ومحمد إبراهيم نقد وحدهما بحكم مشاركتهما الفاعلة في مؤتمر جوبا وفي الدعوة إلى تجمع ومسيرة يوم الاثنين الماضي. 

إن تراجع نقد والمهدي عن المشاركة الشخصية والجسدية في تجمع ومسيرة يوم الاثنين الماضي هو الذي وضع الحركة الشعبية في المقدمة وحيدة، فأصبحت في واجهة مدفعية الحكومة .. وهذا ما كانت تريده الحكومة بالضبط. فالحكومة كانت ولا تزال تريد: أولا تحجيم حركة ونبض ورغبة الشارع بإظهار حركة الشارع وكأنها مجرد خلاف بين الحكومة وبين الحركة الشعبية، وأن الحركة الشعبية تستغل الشعب لتقوية موقفها وبالتالي تحقيق مآربها. وثانيا تريد الحكومة أن تقف الحركة الشعبية وحدها في المقدمة، حيث تعلم الحكومة أن الحركة الشعبية وحدها لا تجسد كل إرادة القوى الاجتماعية الغالبة في الشمال والوسط. وبذلك تنجح الحكومة في عزل حركة الشارع وضغطها وكبسها في قالب الحركة الشعبية وشعاراتها وأعلامها. وهنا تبرز خطورة الموقف السلبي للصادق المهدي ومحمد إبراهيم نقد، وهي سلبية تتماهى دون شك مع نوازع الحكومة وتفت في عضد حركة الشارع وأشواقه في انتخابات حقيقية حرة ونزيهة وشفافة .. هذا كل ما كان يريده الشعب السوداني حتى الأمس القريب. لكن إصرار الحكومة على القمع والإرهاب الاجتماعي والكبت المستدام والغش وكسب الوقت هو الذي غيّر أجندة الشارع السوداني وجعل الحكومة نفسها هي الهدف ...

أحداث يوم الاثنين لم تكن مباراة في كرة قدم تظهر نتيجتها بنهاية المباراة. إنها خطوة صغيرة في مشوار طويل وشاق لا تناخ فيه الإبل ولا تغمد فيه سيوف الحقوق المشروعة للشعب. يوم الاثنين شكل بداية حقيقية لمرحلة سوف تتلاحق فصولها وأحداثها.

منذ ما يزيد عن ثلاثة أعوام  سبق أن قلت في أكثر من مقال ومقام عن ضرورة تشكيل حكومة انتقالية قادرة على الوفاء بالتزامات المرحلة الانتقالية وأن تقوم الحكومة العريضة بتنفيذ جميع استحقاقات المرحلة الانتقالية بتجرد تام. ولا شك أن أحداث يوم الاثنين وتداعياتها الأكيدة القادمة سوف تدفع الجماعة الحاكمة إلى تقديم ما يشبه التنازلات عن حقوق الشعب في الحرية الديموقراطية، وهي بدأت بالفعل في ذلك من خلال ما سمحت بنشره وبثه في صحفها وأجهزة إعلامها يكل ما شابه من تحريف وتمويه وكذب صراح. لكن الأمل اليوم شبه معدوم أن تقدم الحكومة على خطوات عملية وصادقة في هذا الاتجاه الذي يريده الشعب ما لم تحدث معجزة تغيير جذري في تكوين الحكومة وقياداتها وبالتالي في تفكيرها ونظرتها للأمور، وهذا أمر نستبعده ولو أنه وارد الحدوث. في كل الأحوال لابد من قراءة أي خطوة تقدم عليها هذه الحكومة بأنها محاولة للالتفاف على رغبة الشعب وأشواقه.

ومن حيث أن الأحزاب تقوم الآن بعمليات التفاوض مع الحكومة، من الضروري أن نحذر هنا زعامات الأحزاب والحكومة معا من مغبة المساومة على حقوق الشعب وتمييع قضاياه وإبرام الصفقات، خاصة وأن الشعب قد منحكم اليوم تفويضا محدد الأجل والغايات. نحذركم من أجل أنفسكم من "تبريد" حركة الشارع ونبضه وبيع طموحاته وأشواقه في سوق النخاسة السياسية التي مردّتم عليها. فلو كان ذلك ممكنا لاستسلم هذا الشعب خلال عقود طويلة من القهر والتعذيب والظلم .. لقد دخل السودان في "منطق الانقلاب الشعبي" قبل الموعد الذي توقعنها في مقال سابق.    

سالم أحمد سالم

باريس

8 ديسمبر 2009

(ننشر لاحقا مقترحات محددة حول ما ينبغي تنفيذه ومفاوضة الحكومة عليه)