دستور الترابي وقوانينه هي السارية والدستور الانتقالي مجمد ولا شراكة بعد

الترابي استنسخ قوانين وأجهزة ملالي إيران لتحقيق حلمه برئاسة السودان

خدم ملالي إيران في الخليج ووتر العلاقات بين مصر والسعودية والسودان

أستاذ القانون الذي خرق الدستور وساهم في ثلاث انقلابات عسكرية ..

الغاية من استهداف المرأة في السودان وإيران هي شل حركة المجتمع بأسره ..

التنسيق مع الترابي خيانة عظمى لدماء الوطن والحرية ومحارق الشباب

 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

سيطرت جماعات الخميني على مقاليد الحكم في إيران بعد سلسلة من الانقلابات الدموية ضد التيارات التي خاضت الثورة وانتزعت شاه إيران عن كرسي الشاهنشاه. فالشعب الإيراني منح الخميني الزعامة الروحية للثورة، لكنه لم يضع في يده السلطة الزمانية، أي لم بفوضه الحكم. لكن في أوج الثورة استغل الملالي وآيات الله الزخم الديني فسرقوا الثورة واستولوا على الحكم قبل أن تبلغ الثورة مقاصدها الأخيرة. فخلال تلك الأيام التي تفوح برائحة النجيع، كان الشعب الإيراني ما يزال يعيش طقوس الثورة وإيقاعاتها العنيفة والسهر على شموعها. فالثورات الشعبية العارمة لا تنتهي بإزالة السلطة المرفوضة، لكنها تستمر إلى أن ترسو في هدفها النهائي مثل الثورة الفرنسية. لذلك وصفت الثورة الفرنسية بأنها "أكلت بنيها" لأنها لم تتوقف حتى بلغت مرحلة تكريس المبادئ الدستورية والحريات الاجتماعية القائمة على الدستور والقانون، أو ما يسمى بالمرحلة الليبرالية وتحقيق مبدأ "الشعب هو مصدر السلطة السياسية" وهو المبدأ الذي تأسست عليه الديموقراطيات الحديثة في أوروبا وانطلقت منه الأفكار القومية الحديثة. المهم أن الثورة الإيرانية كانت لا تزال مستمرة، وكان استمرارها يشكّل خطرا عظيما على حكم الملالي الوليد.

 

قطع الثورة بالقتل والعنف

بعد سقوط عرش أسرة رضا بهلوي، وبعد وصول الخميني إلى طهران بفترة قصيرة واستيلاء الملالي على الحكم، لم يكن لدى الملالي الحد الأدنى من الخبرة في إدارة شؤون بلد كبير ومعقد مثل إيران. وشعر الخمينيون بحالة انعدام التوازن وفقدان البوصلة التي تمر بالحكومات الانقلابية خلال شهورها الأولى. كانوا كالغرباء الذين يحكمون بلدا ليس بلدهم. وللحقيقة فقد قام حكم الملالي في إيران بلا عائم اجتماعية كمؤسسة سياسية اجتماعية. كانوا مجرد فاصل مرحلي يقع بين اقتلاع الشاه وبين الهدف النهائي للثورة وهو تحيق حكم الشعب. فالملالي لا جذور تربطهم بماضي إيران السياسي ولا جسور تربطهم بتطلعات الشعب الإيراني. كل ما في الأمر أنهم سطوا كما ذكرنا على زخم الثورة الشعبية عندما استغلوا ركون الشعب الإيراني إلى القيادة الروحية للخميني دون أن يعي الشعب لحظتها خطورة ذلك الركون إلى أن تكشف لهم ذلك بعد فوات الأوان. ففي تلك الشهور استشعر الخمينيون الخطر المحدق بحكهم في حال استمرار الثورة، واستيقنوا أن وجيب الثورة لابد أن ينتهي إلى لفظهم مثلما لفظ الشاه. ومازج الهلع عندهم الخوف من فقدان السلطة، فاستداروا إلى الشعب الإيراني وارتكبوا في حقه أقصى درجات القمع والعنف والقتل.

 

قرر الخمينيون قطع الثورة وترويض الشعب الإيراني بالحديد والنار والتعذيب وأعواد المشانق، فأقدموا على ارتكاب أفظع المجازر الدموية في القرن العشرين لإعادة الشعب الإيراني إلى ثكناته وسابق سكناته تحت زخات الدماء ولعلعة الأسلحة الأوتوماتيكية وأصوات السواطير والفؤوس على العظام وطقطقة الأعناق وهي تدق على صفوف المشانق، فكان من دخل السجن ونال التعذيب كمن لاذ بالكعبة أو دخل دار أبي سفيان آمنا. وخلال تلك المرحلة أصدر الخمينيون مئات الفتاوى والتشريعات التي سدت على الشعب كل مفارق الحركة وجمّدت مفاصله، خاصة القوانين المقيدة للنساء. لم ينطلق الخمينيون إلى تكبيل المرأة من منطلق ديني أو أخلاقي، ففضائح الملالي الجنسية واتجارهم في المخدرات وصفقات النفط تزكم الأنوف، لكن لأن تقييد النساء يحدث شللا في حركة الرجال والمجتمع نسبة للدور المحوري الذي تلعبه المرأة الإيرانية في الحياة الاجتماعية والسياسية في إيران، وهو دور مواز لدور المرأة السودانية.

 

وللحقيقة فقد بوغت الشعب الإيراني بتلك الهجمة الدموية والقوانين المقيدة لمفاصل المجتمع والتي لا تتسق أبدا مع أساليب الحياة الاجتماعية والتربية الدينية التي درجت ونشأت عليها المجتمعات الإيرانية. كان العنف صادما ومباغتا، فاستسلم الشعب، تحت مطرقة العنف المباغت وسندان الدين الخميني وولاية الفقيه والقوانين القمعية، لكن إلى حين امتد إلى ثلاثين عاما انتهى الشهر الماضي.

 

وهنا ثانية لابد أن نتساءل أيضا عن كيف تمكنت الجماعات الخمينية والملالي من إتقان حرفة القتل وكل صنوف البطش والتعذيب وتعلُّمْ أدواته خلال أشهر قلائل من اقتناصهم للسلطة؟ الإجابة كانت موجودة سلفا داخل طهران وعموم بيادر أهل فارس وخراسان. فقد وظف الخمينيون تقريبا جميع أعضاء جهاز السافاك الدموي الذين كان يستخدمهم شاه إيران في التنكيل بخصومه، وضموهم إلى أجهزتم التي أنشاؤها على عجل تحت مسميات جديدة تتوافق مع الشعارات الدينية. وزاد عليهم الخمينبون المئات من شذاذ الافاق والمجرمين وآلاف من أتباعهم من طلاب الهوس الديني وضموهم إلى مجموعات السافاك التي دربتهم فأحسنت تدريبهم بعد استئصال آخر شأفة من بقايا إنسانية قد تكون عالقة في نفوسهم. وهكذا نشأت في إيران واحدة من أكبر وأخطر مؤسسات البطش بالشعوب خلال القرن العشرين. ونرى هذه الآلة الباطشة تواصل مهامها القمعية خلال "الثورة الخضراء" التي اندلعت مؤخرا في إيران. هذه الثورة التي لا تعدو كونها مواصلة للثورة التي قطعها الملالي قبل أكثر من ثلاثين عاما ولا أظنها تتوقف هذه المرة وإن هدأت من حين لآخر قبل بلوغ معظم أهدافها. فقد نالت الثورة الخضراء من ولاية الفقيه وضعضعتها وأحدثت انقساما علنيا بين صفوف الجماعة الحاكمة.

 

ما حدث في إيران لم تقتصر حواف خطره على الشعب الإيراني، بل جاوز البحار والقارات ليعصف بقوة وتضرب رياحه الصفراء الشعب السوداني على يد حسن الترابي. لذلك كان لابد لي من الوقوف في هذه المقدمة الوجيزة على ما حدث في إيران لأنه الأصل الذي استنسخه حسن الترابي وطبقه في السودان خاصة جهة إرهاب المجتمعات ونسج الدساتير والقوانين وتكوين الأجهزة القمعية، وهي قوانين وأجهزة ما زالت سارية!

 

من إيران إلى السودان .. وذلك الحلم المدمر

وهنا ثالثة أخرى نربط فيها ما جرى في إيران آنئذ بما جرى في السودان لاحقا. فخلال تلك المرحلة دخل حكم مايو 1 في تحالفه مع الجبهة الإسلامية وصعد حسن الترابي إلى أعلى مقامات الحكم العسكري، إلا قليلا تفصله عن سدة الرئاسة كون أن الحكومة كانت حكومة عسكرية ولابد لموطأ الرئاسة من بزة عسكرية ذات أنواط ونياشين زاهية الألوان كثيرة العدد (لا أدري إلى اليوم كيف تجد هذه الأوسمة والأنواط والنواشين أو النياشين طريقها فجأة إلى صدر الرئيس العسكري بتلك الكثرة الكثيرة وكأنه خاض غمار الحروب الصليبية والكونية وقاتل إلى جوار مونتغمري أو روميل .. مع أن صدر الرئيس العسكري يكون عادة خاليا من الأنواط والنياشين قبل الانقلاب! ..) المهم ما كان بوسع حسن الترابي نزع الجلباب والعمامة، ثم الدخول في جبة عسكرية هي التصريح الوحيد المطلوب لتسنم كرسي الرئاسة في حكومة عسكرية. ومع ذلك لم تتراجع مناسيب طموحاته إلى ذلك الكرسي الذي حلم به طويلا. لذلك أقدم الترابي على تلك المحاولة الانقلابية لإطاحة رئيس حكومة مايو 1 العسكرية بعد أن سيطرت جبهته على مفاصل الإدارة والمال وما كان يسمى بالبرلمان. لكن كان من البديهي أن تفشل محاولة حسن الترابي الانقلابية لنفس ذلك السبب البسيط وهو أن حسن الترابي ليس ضابطا ولا يرتدي بزّة عسكرية ذات أنواط ونياشين حتى يقطع له ضباط الحكومة تعظيم سلام مثلما فعلوا مع سوار الدهب لاحقا برغم أن إطاحة نميري قد فُرضت على سوار الدهب فرضا! وبدلا عن الكرسي حصل الترابي على الطرد والسجن. ومع ذلك بقي الحلم لا يتزحزح عن روح الشيخ الحالم بحكم السودان حسن الترابي .. حلم كان له خطر عظيم كمحرك أساسي لمحاور أزمات السودان، حلم هو في ذاته محور محنة وأزمة. حلم الترابي له أهمية خاصة في ما نحن بصدده في هذا السياق.

 

وانتهز المناسبة للفت الانتباه أن الخلاف الذي نشب بين حكومة مايو العسكرية وبين الجبهة لم يكن خلافا على منهج أو فكرة كما روجت الجبهة لاحقا، لكن كان بسبب تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة التي كانت تهدف أساسا إلى تحقيق حلم الترابي بالجلوس على كرسي رئاسة السودان. وقد نجح الترابي في تضليل جماعته بإمكانية أن يحكموا السودان حكما منفردا فانساقوا خلفه .. هو ذات الحلم الذي انتهى إلى المفاصلة مع الحكومة العسكرية الراهنة، إذ لم يكن هنالك من سبب للخلاف إلا رغبة الترابي في الرئاسة. رئيس مدني لحكومة عسكرية .. أو حكومة عسكرية على رأسها عمامة، أو كما قال الشاعر أبو دلامة!

 

وإذا رجعنا إلى تاريخ تلك المسيرة القاصدة إلى عرش الحكم، سبق أن حاول الترابي المعراج إلى كرسي الرئاسة "انطلاقا من قاعدة" أنصارية بفقه "المصاهرة والاحتواء" لكن أولاد المهدي أرسلوا عليه شهابا رصدا فماتت المحاولة في سريرها. ومنذ ذلك التاريخ البعيد تدحرج الحلم وظل يكبر مثل كرة ثلجية. وما ضاعف من تجاويف الحلم أن الترابي اكتشف منذ سنوات لعيدة أن في مقدوره قيادة السياسيين السودانيين وتحريكهم برسن الدين، وقد بدأ ذلك عندما قاد حملة طرد النواب الشيوعيين من البرلمان. وبتلك الحادثة أصبح الترابي أول من خرق الدساتير وتبعه فيها السياسيون بغير إحسان. خرق الدستور بطرده للنواب، وخرقه مرة ثانية وهو يحرض الأحزاب ويحرك المظاهرات لرفض قرار المحكمة التي قضت ببطلان قرار الطرد. وقد تحمل السياسيون والسودان كله التبعات الجسيمة لحادثة طرد النواب التي كانت سببا مباشرا في الاحتقان السياسي الذي مهد للانقلاب العسكري الثاني، مايو 1. كما أدت عملية طرد النواب إلى إضعاف هيبة الدستور وانتهكت حرمة القضاء .. وكله بفعل شخص واحد هو حسن الترابي، أستاذ القانون(!)، الذي بقي بعيدا في مفازة من أي تبعة، وعاد إلى الحياة السياسية عبر نفس الحكومة العسكرية، مايو 1 وأصبح العراب الأول لكل ما شاب الفترة الأخيرة من عمر تلك الحكومة العسكرية! حسن الترابي هو الذي وصف جعفر نميري بمجدد المائة، وحسن الترابي بمنطوق تصريحاته كان مهندس إعدام محمود محمد طه، وهو، حسن الترابي، الذي أثار خوف السعوديين والخليجيين عندما أوعز لهم أن محمود محمد طه هو الخطر الذي يتهدد شبابهم وعروشهم. لذلك ضغط هؤلاء على نميري لإعدام محمود، وهو ضغط صادف متعة مرضية في نفس نميري الذي لم يكن إلا قشّة في ريح الترابي.

 

كان الشارع السوداني يخرج الترابي من الباب فيعود الترابي من منافذ أخرى لا تخطر على قلب إلى قلب الحركة السياسية وقلب الطاولات وتحريك خيوط السياسيين. فمن براهين مقدرته على تحريك السياسيين، أنه ظل في مركز عمليات فض وعقد الائتلافات البرلمانية والمناورة على كل المحاور الداخلية والخارجية، وصولا إلى تحالفه مع حكومة مايو 1 إلى المقالب البرلمانية التي سبقت الانقلاب العسكري الأخير وانقلاباته على الحرس القديم داخل الحركة الإسلامية. ومن قراءة سريعة وشاملة لكل تحالفات وتحركات حسن الترابي على مسار تاريخه نجدها جميعها تصب نحو هدف واحد هو حلمه برئاسة السودان. وإذا غابت علينا البراهين، نجد أن الترابي لم يقدم طيلة حياته السياسية مشروعا أو برنامج لتطوير أي قطاع اقتصادي أو اجتماعي في السودان، فهو ضمن الذين أخرجوا العمل السياسي في السودان عن بدايات البرمجة الاقتصادية إلى مجرد صراعات فردية أو أسرية لمكتسبات شخصية. وما يثير الدهشة حقا أن الأطياف السياسية لا تزال تعقد معه التحالفات بما في ذلك الحزب الشيوعي الذي تنكب على يديه الويلات. ما يهمنا في هذا المفصل أن الترابي أصبح على قناعة شخصية في قدرته على تحريك خيوط السياسيين وفض وعقد الزيجات السياسية كما يحلو له .. فلم لا يترسخ عنده الحلم بحكم السودان طالما أن هؤلاء الذين يتلاعب بهم هم أولياء أمور الشعب وقادته ؟!

 

لكن ما كان لحسن الترابي من أمل للوصول إلى حلمه عن طريق البرلمان ولم يكن في مقدوره إحداث ثورة شعبية تحمله إلى كرسي الرئاسة وصولجانها .. وأيضا لم يكن عنده من صبر على الانتظار لعل الله يحدث أمرا! فكان الانقلاب العسكري الأخير .. وبقية المشهد معروفة! لكن من أهم ملامح المشهد الأخير أن حسن الترابي مارس نفس المدافرة وسط قيادات الجبهة خلال العشر سنوات الأولى من عمر هذه الحكومة ليصل إلى حلمه فكان قاب قوسين أو أدنى. ويبدو أن الترابي لم يتعلم من تجربة حلفه مع حكومة مايو العسكرية استحالة أن يكون المدني رئيسا لحكومة عسكرية. علاوة على ذلك ارتكب الترابي هذه المرة خطأ فادحا حيث لا ينبغي له أن يخطئ أبدا. فإذا كانت المدافرة والمداورة ضد قيادات الأحزاب الأخرى مسألة جائزة في "شريعة ترابي" فإنه هذه المرة أراد أن يقصي عن طريقه بدون أدنى اعتبار أو تهذيب زعامات داخل حزبه ذات خطر لعبت دورا عمليا في الانقلاب. وشعر هؤلاء أن الترابي لم يكن له دور عملي في العملية الانقلابية، وأنهم أخطأوا عندما سمحوا له بالتمدد. ثم إن المدافرة داخل الحزب تكون عادة محصورة، فإما طارد أو مطرود! لذلك حركت عليه المدافرة الداخلية غضبا دفينا وصامتا بين قيادات حزبه، انفجر في مذكرة العشرة. لكنه لم يكترث واستمر في الزحف والركل حتى وصل إلى كرسي الرئيس العسكري وأمره أن يترجل ليركب هو! وهنا وقعت واقعة المفاصلة وتم إنزال الستار وأضيئت الأنوار وانتهى المشهد! لكنه لم يقنع بنهاية العرض، فذهب يدبر انقلابا عسكريا تحت الأضواء الكاشفة. وهنا نكتشف أن حسن الترابي ضالع في ثلاثة انقلابات عسكرية، مهد للأول وشارك فيه لاحقا، ثم قاد الثاني، ثم حرّك الثالث .. وكله جريا وراء تحقيق حلم شخصي أو قل وهم شخصي هو رئاسة السودان ...

 

وهنا خامسة نعود بها إلى أخريات حكومة مايو 1 وبدايات مرحلة توطيد العلاقات بين ملالي إيران وحسن الترابي. فالخمينيون كانوا يبحثون عن منافذ ومطايا وأحصنة لدخول أقطار الخليج المجاورة لهم لتوجيه رسالة قوية بالتهديد المبطن بنقل "الثورة" إلى الخارج. كانت الرسالة مزدوجة، حيث أراد الملالي أن يقولوا أولا للشعب الإيراني بأنهم يمسكون بقوة بزمام الأمور في الداخل بما يجعلهم يتوجهون بالثورة للخارج! ونصف الرسالة تهديد لأقطار الخليج بأن لا يجعلوا من بلدانهم قواعد لانطلاق المعارضين الإيرانيين أو لقوات القوى الدولية لضرب حكمهم لإيران. فقد كان المناخ السياسي في المنطقة مشبعا بقضية الرهائن الأميريكيين في السفارة الأميريكية في طهران ومحاولة الإنزال العسكري الأميركية الفاشلة.

 

وضع حسن الترابي نفسه في خدمة الملالي على أمل أن يجد عندهم الدعم لتأسيس نسخة عن حكمهم في السودان تكون عضدا ونميرا و"طابية" لهم خلف تخوم العرب تصليهم نارا من الخلف .. وطبعا أن يكون هو الآمر الناهي في تلك الطابية. وعليه صار حسن الترابي أحد تلك الأحصنة العربية الأصيلة التي جرّت عربة كسرى إيران الجديد إلى باحة أقطار الخليج. طاف حسن الترابي على أقطار الخليج واقتصر محاضراته وصلواته على المساجد الشيعية الأمر الذي أثار ريبة حكام الخليج. وما زاد من توجس حكام الخليج من "زيارة" الترابي أن أحد الملالي، خلخالي، جال خلال تلك الأيام في أقطار الخليج وأعلنها صراحة أن إيران سوف تنقل الثورة إلى الخارج، أي إلى أقطار الخليج. وقد كنت أحد الحاضرين للمؤتمر الصحافي الذي عقده خلخالي وجاءت عبارته في معرض إجابته على سؤال مني. المهم أن حسن الترابي أدى المهمة التي طلبها منه ملالي إيران. وبالمقابل وثق الترابي روابطه مع جماعات الخميني وحصد ثمارها. فقد أصبح رجل طهران القوي داخل المجتمعات العربية إلى أن ظهر حسن نصر الله اللبناني فألغى دور الترابي وفق المستجدات الإقليمية والدولية.

 

والمتأمل لخطب وتصريحات حسن الترابي يلاحظ دون عناء انبهار الترابي بالطريقة التي وصل بها الخمينيون للسلطة وإمساكهم بخناق الشعب. ولما لم يكن في وسع الترابي استنهاض ثورة مشابهة تحمله إلى الزعامة المطلقة ليكون روح الله أو آية من آياته في السودان، أفرز عقل الترابي فكرة المزاوجة بين اتخاذ الانقلاب العسكري وسيلة للوصول إلى السلطة، ثم تثبيت دعائم الحكم على الطريقة الإيرانية، أي بالعنف وسفك الدماء! هذه المزجة تتفق تماما  مع طرح التيارات السلفية التي تنادي في أجندتها السرية بالوصول إلى الحكم بأي وسيلة، برلمان أو انقلاب عسكري أو تحالف مع طاغية أو حكم عسكري أو مع الشيطان الرجيم، ومن ثم عدم التخلي عن الحكم مهما كان الثمن الذي يدفعه الشعب والبلاد. لذلك يندرج قبولهم الانتخابات ضمن مسوغات فقه الضرورة. وأذكر أنني سألت الترابي بعد تحالفه مع حكومة مايو: ماذا تفعل هنا يا شيخ؟ فأجاب: إذا لم نبدأ من هنا فلن نصل أبدا!

 

وبعد نجاح الانقلاب العسكري الأخير، ضاعف الترابي جهوده في استنساخ أساليب "التمكين" التي انتهجها ملالي إيران. وما كان للترابي أن ينسى تسديد الفواتير لملالي إيران وقد جاءت على شكل توتير العلاقات بين السودان والسعودية وأقطار الخليج تحت ذريعة مساندة العراق! لم يكن للتوتر ما يبرره سوى خدمة المصالح الإيرانية. لذلك عندما حاورتُ عمر البشير في بداية حكمه أثناء مروره على باريس التمستُ منه أثناء الحوار أن يقول قولا إيجابيا في حق السعودية لتخفيف التوتر مراعاة لمصالح المجتمعات السودانية. وقد استجاب الرجل مشكورا ونقل الإعلام السعودي حديثه، فسجّل ذلك أول بادرة لتخفيف التوتر. وعلى ذات نسق الترابي في تسميم العلاقات العربية لحساب إيران جاءت محاولة اغتيال الرئيس المصري حسن مبارك ضمن أشكال الاستهداف الإيراني لمصر، ولسنا في معرض دواعيه، لكن يظل السودان يدفع ثمن المحاولة لأجيال قادمة بهذه المياه المصرية المخزنة في السودان.

 

ومن ضمن ما استنسخه حسن الترابي عن ملالي إيران:

 

المباغتة بالعنف الصادم:

كل سوداني أو متابع للشأن السوداني على علم بالعنف الدموي والإعدامات الجماعية والتعذيب وبيوت الأشباح والفظائع التي ارتكبتها الحكومة الراهنة في سنيها الأولى، حتى أن سجن كوبر وغيره من السجون النائية كان بمثابة جنة النعيم. وبما لا يبرئ بعض أطقم الحكومة، فقد تم كل ذلك خلال فترة سيطرة حسن الترابي على مقاليد الحكومة. وقبل تلك الفترة وأثناءها أرسل الترابي العشرات من أتباعه إلى إيران للتدريب على أيدي الملالي على أساليب القتل والتعذيب والقهر الاجتماعي. صُدم الشعب السوداني واستسلم نعم، وتأتي الصدمة من كون أن المجتمعات السودانية لم تعرف مثل هذا العنف من قبل. وتكاد تتطابق صدمة الشعب السوداني بتلك التي تعرض لها الشعب الإيراني على أيدي جلاوزة الملالي التي كسرت كل أرقام العنف القياسية التي ضربها شاه إيران وأجهزة السافاك.

 

والعنف السياسي وإرهاب المجتمعات ليس حالة طارئة اكتسبها الترابي عن ملالي إيران، بل كانت في نفسه وزادها الملالي تبارا. فالواقع المعروف أن حسن الترابي هو أول من أنشأ مدرسة للعنف السياسي في السودان في أوساط الطلاب والتلاميذ منذ أن كان أستاذا للقانون (!) منذ ستينات القرن الماضي ليكتمل بناء كوادر العنف في مطلع السبعينات، ثم تطورت خلايا وشبكات العنف لتشمل معظم مدارس السودان لتستشري في باقي فئات المجتمع لتصبح أخيرا قوات الدفاع الشعبي وجهاز أمن الحكومة. ومن ذات المدرسة تحولت أجهزة أمن حكومة مايو العسكرية على يد الترابي من أسلوب كتابة التقارير والوشايات التي أسسها عليها المصريون لتصبح جماعات مسلحة تمارس العنف والنهب المسلح، ثم تتحول في زمن هذه الحكومة إلى قوات مزودة بأحدث الأسلحة والإمكانيات التقنية والمالية المفتوحة بغير حساب. وعلى غرار ما فعل الملالي في إيران، وظف الترابي غالبية أعضاء أجهزة أمن حكومة مايو 1 ضمن أجهزة أمن هذه الحكومة.

 

والعنف السياسي ضد المجتمعات السودانية الذي أسس له الترابي هو أيضا جزء من العنف المعتمد عند الجماعات السلفية، سنّة كانوا أم شيعة، باعتبار أن إرهاب المجتمعات هو أقصر الطرق للحكم والاستمرار فيه. هذه الجماعات التي تستغل الدين في اجتذاب البسطاء والجهلة لها تاريخ طويل في العنف والإرهاب الاجتماعي والاغتيالات منذ اغتيال الخلفاء عمر وعثمان وعلي عليهم الرضوان، إلى عشرات الحركات الباطنية التي تأسست بين أكباد صحارى العرب صعودا حتى جبال بلاد فارس والأناضول ونزولا إلى سهول الشام حتى فسطاط مصر. لكن السودان القديم أو الحديث لم يعرف العنف الديني الممنهج بخلايا منظمة إلا على يد حسن الترابي، وهدفه معروف. وكما ذكرت هنا وفي غيره فقد حاول الترابي امتطاء طائفة الأنصار لنفس الهدف، لكنه رد على عقبيه. في كل الأحوال فإن إرهاب المجتمعات يجسد نوعا من العنف الخائف لأنه يقع ضد المدنيين العزّل الذين لا يحملون أدوات المعتدي، مثل إطلاق شرطة الملالي النيران على المتظاهرين من النساء والرجال حيث سقطت الطالبة ندى أغا سلطاني شهيدة الثورة الخضراء، وبالمثل تعذيب سجين أعزل لا حول له ولا قوة. لذلك يصادف هذا النوع العنف الخائف تربة خصيبة في نفسية الترابي الذي، وبكل الشواهد، لا يتردد في انتهاج أي وسيلة لتحقيق حلمه في رئاسة السودان.

 

القوانين والفتاوى أو خميني السودان ..

حسن الترابي هو عرّاب قوانين سبتمبر. ومهما حاول التملص منها وينسبها لبعض الأفراد، فإن هذه القوانين من بنات أفكاره ولدت في حجره وتعهدها بالرعاية والحماية. ثم من بعد ظل الترابي المعارض الأول لإلغاء هذه القوانين، ومارس ضغوط هائلة وتفنن في التلاعب بالمشير سوار الدهب وبالصادق المهدي للحيلولة دون إلغاء هذه القوانين المسماة بالإسلامية والإسلام منها ومنهم بريء وندعو الله أن يحاكموا بها في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. والترابي حرض على الانقلاب العسكري الأخير للحيلولة دون إلغاء هذه القوانين التي بقيت نافذة سارية إلى يوم الناس هذا! فمن الدوافع الرئيسية التي حدت بالترابي وصحبه التعجيل بالانقلاب العسكري الأخير أولا الإبقاء على قوانين سبتمبر، وثانيا قطع الطريق أمام اتفاق الاتحادي الديموقراطي مع الحركة الشعبية، وقد كان.

 

وبعد نجاح الانقلاب العسكري الأخير، شرع الترابي في استنساخ المزيد من قوانين ملالي إيران وتصميم الإجراءات والفتاوى المقيدة لحركة المجتمعات السودانية على الطريقة الإيرانية. فالدستور الذي وضعه الترابي وأجبر الملايين على إقراره في أكبر شهادة زور في التاريخ، هو نفس دستور حكومة الملالي الإيرانية الذي يكبل الحياة في إيران، ومحكمة الترابي الدستورية كانت نسخة من "مجلس صيانة الدستور" الذي أفرزه الملالي، وقانون التوالي الذي أتى به الترابي لا يعدو كونه نسخة طبق الأصل من الشروط التي وضعها الخمينيون لكل من يريد المشاركة في الحياة السياسية، وتتلخص في شرط كبير هو الخضوع لحكمهم وموالاة الفقيه. وعلى ذات المنوال وبنفس الخيوط الإيرانية نسج الترابي سجادة قانون التوالي الذي يجبر التكوينات السياسية على الالتزام بأحكام الإنقاذ بما يعني الرضوخ لحكمه هو شخصيا وموالاته هو شخصيا الفقيه الولي والمرشد الأعلى لأي "فرفرة ذات شبهة سياسية" قد يفكر فيها فرد أو مجموعة أو اتحاد أو نقابة. وقانون الأمن العام في السودان هو ترجمة حرفية عن الفارسية لقانون أمن الملالي، وقوات الباسيج أو الباسيغ ومعناها قوات التعبئة الشعبيّة التي ابتدعها الملالي كقوة تابعة لهم موازية للجيش النظامي، هي نفسها التي كونها الترابي في السودان تحت مسمى قوات الدفاع الشعبي بضبانتها ورسمها وفعلها حتى أنه لم يتعب نفسه في تغيير الاسم بل اكتفى بالترجمة عن الفارسية! وشرطة النظام العام التي كونها الترابي هي نسخة غير معدّلة عن "شرطة الأخلاق" التي كونها الملالي لقمع المرأة الإيرانية. والقانون الجنائي الذي وضعه الترابي والمتضمن المادة 152 التي تحاكم بها الصحافية لبنى هو نفس قانون الأخلاق الذي وضعه ملالي إيران لكبح المرأة الإيرانية. وكما ذكرت فإن القانون الإيراني ونسخته السودانية غير المعدلة يهدفان إلى تكبيل المرأة من أجل تكبيل المجتمع بأسره. يعني قانون للنساء لتكبيل الرجال! ولعل الأستاذ محمد المكي إبراهيم قد فطن لهذه الحقيقة عندما كتب مقاربة عن الدور الذي قامت به الصحافية لبنى بدور روزا باراك في حركة الحقوق المدنية الأميريكية.

 

وملاحظة أخرى هي أن جميع أجهزة الشرطة التي نشأت في إيران وتم استنساخها في السودان هي مجرد تمظهرات علنية لأجهزة المخابرات، حيث لابد لأجهزة المخابرات من أذرع  علنية تطال بها المجتمعات في وضح النهار وبأزياء شرطية عليها دبابير ونجوم وشرائط! ولن يفوت علينا أن نذكّر بالتطابق المذهل بين إرسال الملالي للشباب الإيراني إلى محارق الحرب ضد العراق وبين إرسال الترابي للشباب السوداني إلى محارق الحرب في الجنوب ليقتل شباب السودان بعضهم بعضا فيخلص منهم، وفي نفس الوقت إلهاء المجتمع بلعق جراحه ودموعه وأحزانه .. وكلاهما، الملالي والترابي، فعلا ذلك باسم الجهاد والدين البريء عما يؤفكون، وزد عليها الترابي بزيجات الحور العين! 

 

وبهذه القوانين، وعلى نفس النسق الخميني أصبح الترابي صاحب ولاية الفقيه وهو المرشد الأعلى للثورة وهو مجلس خبراء تشخيص مصلحة النظام ومرشد الجمهورية. فأصبح الترابي وحده لا شريك له هو الخميني وخامئني ورافسنجاني وولايتي ورئيس العسعس ومفتي الجمهورية وجميع هيئات التشريع والقاضي والخصم والجلاد! وحصن الترابي سلطاته المطلقة بالقوانين الفضفاضة التي تتيح له فعل ما يريد، وفي نفس الوقت هي قوانين ضيقة مقيدة صارمة باطشة ظالمة سالبة للحريات العامة وأدنى الحقوق. فقوانين الترابي السارية تمكنه، هو أو الحكومة الراهنة سيان، بتوجيه الاتهام لأي شخص ومحاكمته وإدانته بمواد فضفاضة تضيّق أدنى فرص البراءة أمام الشخص وهيئة دفاعه طالما يتم التقاضي وفق هذه القوانين المصممة خصيصا للإدانة فقط لا غير!

 

جلب الدمار لا الإعمار ..

وهكذا، بدلا عن أن يتوجه الترابي إلى فرنسا حيث تلقى العلم أو إلى أي دولة أوروبية أو حتى اليابان ليجلب للشعب المعارف والعلم والتقنية، توجه الترابي إلى قم وطهران والحوزات والسراديب الفارسية ليأتي بأسوأ أدوات القتل وقمع الحريات والقوانين التي ابتعها ملالي إيران. وبدلا عن التصنيع الإنتاجي قدم ملالي إيران للترابي مصانع الذخيرة والأسلحة والقنابل. وبدلا عن تقنية التطور والبحث العلمي قدم الملالي أحدث تقنيات التخابر وتتبع الأفراد وأجهزة التصنت. وأذكر أنني زرت السودان وتصادف ذلك أزمة محروقات، فسألت صلاح كرار وكان وزيرا للطاقة عن لماذا عندكم أزمة محروقات وإيران تقدم لكم البترول مجانا؟ فأجابني منفعلا أن إيران لم تقدم لهم برميلا واحدا بالمجان، وأنهم أوقفوا الشراء منها لصعوبات التسديد! إذن الملالي يساعدون على الموت ولا يساعدون على الحياة .. وتلك جردة صغيرة لما قدمته إيران لتمكين سلطان مبعوثها إلى السودان حسن الترابي .. وما خفي أكيد أعظم!

 

الترابي يحكم السودان الآن ..

صحيح أن الحكومة الراهنة قد طردت حسن الترابي كشخص، لكنها بقيت تحكم وتتحكم في الناس بنفس قوانينه وإجراءاته السارية المطبقة وأجهزته النافذة على الناس إلى يوم الناس هذا. ومن حيث أنه لا يختلف عاقلان أن الحكم هو القانون والدستور الساري والجهاز المنفّذ، فلا فرق إذن إذا كان الجالس على قمة الحكم اسمه حسن الترابي أو عمر البشير .. سيان. إذن وبأبسط قواعد المنطق، فإن حسن الترابي هو الحاكم الفعلي اليوم للسودان. كل ما في الأمر أنه لم يتمكن من تحقيق حلمه أو وهمه الشخصي في الجلوس الجسدي على عرش الحكم. وإني والله لأعجب ماذا يريد حسن الترابي من حكاية الجلوس على كرسي الرياسة وهو يحكم من منازلهم الرعية ويحكم الجالس على كرسي الرئاسة؟ أعتقد أنه هوس أو حلم صبياني فطير نما معه، إذ يكفي الترابي أن يفخر وحتى هذه اللحظة بأنه الحاكم الفعلي للسودان طالما بقيت قوانينه سارية. 

 

دستور الترابي نافذ والانتقالي معطل والشراكة غير دستورية ..

الدستور أو أي قانون لا يجوز تطبيق مواده بصورة انتقائية .. أي أن تقول الحكومة أو أي شخص أريد هذه المادة ولا أريد تلك! الدستور جسم واحد ولو تكون من ألف مادة. لذلك يبدأ المشرعون استهلال مواد الدستور بمادة تكاد تكون ثابتة في كل دساتير الأرض وهي: "تُقرأ جميع مواد وأحكام هذا الدستور بصورة متضامنة ولا تقرأ مادة في معزل عن بقية المواد". وبمجرد إقرار الدستور بواسطة المؤسسة الدستورية، البرلمان، والمصادقة عليه بواسطة رئيس الجمهورية يصبح الدستور ساريا ونافذا على الحكومة ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية والناس أجمعين. وبذلك تخرج السلطة عن يد البشر ويصبح الدستور، كله وبدون اجتزاء، هو الوثيقة الأعلى وجهة الاحتكام التي لا ينبغي أن يخالفها شخص أو يتعارض مع مواده قانون آخر. والدستور المجاز يجبّ ما قبله من دساتير وقوانين، لذلك يهرع القانونيون إلى مراجعة عاجلة لجميع القوانين والإجراءات واللوائح السابقة ومضاهاتها بمواد الدستور الجديد لإلغاء ما يتعارض وتعديل ما يجب، ومن ثم إعادة إقرار جميع القوانين من جديد بواسطة الهيئة التشريعية حتى القوانين التي لا تتطلب تعديلا. بمعنى أن أي قانون سبق الدستور يكون في حكم الملغي، وكل قانون جديد ينبغي أن لا يتعارض مع نص دستوري.

 

ومن حيث أن سريان الدستور بعد إجازته لا يقبل التجزئة، فإن قبول الحكومة ببعض مواد الدستور ورفض بعضها فإن ذلك معناه أن الدستور كله لم يدخل بعد مرحلة السريان والنفاذ. وكذلك الحال فإن سريان قوانين سابقة دون إخضاعها للمضاهاة مع الدستور من شأنها أيضا تجميد سريان الدستور سواء تعارضت أو لم تتعارض مع مواد الدستور الجديد. ذلك لأن القانون القديم تظل مرجعيته للدستور القديم، ولا يمكن سريان أو تلازم دستورين في وقت واحد! لكن هذه الحالة الشاذة ماثلة ومجسدة في السودان. فهناك قوانين قديمة سارية مرجعيتها الدستور السابق، أي دستور الترابي، وقوانين أخرى مرجعيتها الدستور الجديد، وهناك مواد مجتزأة من الدستور الجديد مقبولة ومواد أخرى في حكم المرفوضة فلا تكون معلقة لأن التعليق يأتي بعد سريان الدستور كله، ويتم التعليق بموجب نص مضمن في الدستور الجديد يبيح تعليق المادة! إذن دستور 2005 كله لم يبدأ سريانه بعد، والساري هو دستور حسن الترابي لأن مواده شملها تعليق أو تجميد بعد السريان، وكذلك الحال بالنسبة لحزمة قوانينه السارية وأجهزته النافذة التي تحتكم إلى دستوره مثل القانون الجنائي وشرطة النظام العام وغيرهما .. وهذا هو أول الكفر في قصيدة الدستور الانتقالي المجمد.

 

وإذا كانت الشراكة بين الحكومة والحركة الشعبية تقوم في الأساس على دستور 2005 الانتقالي المجمد إلى اليوم، فلا الحكم الذاتي ولا الوزارات المشتركة ولا البرلمان المشترك تستطيع أن تقيم شركة سياسية بينما دستور الشراكة لم يسر بعد! بمعنى أن الشراكة لن تتم أو على الأقل لن تكتمل ما لم يتم سريان جميع بنود الدستور الانتقالي وإزالة أو تعديل جميع القوانين والإجراءات السابقة وفق الدستور الجديد. وهنا أيضا لابد من التنبيه إلى أن الشراكة لا تقوم على اتفاقات نيفاشا، بل تقوم على الدستور الانتقالي. لذلك تظل الشراكة غير موجودة وغير قائمة حتى هذه اللحظة. والعلاقة الناشئة، ولا أقول الشراكة، لم تتجاوز بعد بروتوكولات ميشاكوس.   

 

وبجانب سريان دستور وقوانين "شريعة ترابي" نجد من بين رموز الحكومة من يدافع عن دستور الترابي وقوانينه القديمة دفاعا شرسا ولا يخشى في ذلك لومة لائم، وعلى رأس هؤلاء الدكتور نافع علي نافع وغيره من أقطاب هذه الحكومة الذين يحتكمون إلى مبدأ القوة في الاستمرار في الحكم، نفس مبدأ القوة الذي أسسه الترابي. ويلوح هؤلاء بقبضة القوة كأداة للفوز في الانتخابات التي يقول عنها رئيس الحكومة أنها ستكون نزيهة وشفافة .. كيف يعني؟ ومن حيث هذه المقاربة بين ما يجري في إيران والسودان، فإن الانتخابات الإيرانية الأخيرة ستكون حتما أكثر شفافية ونزاهة عن الانتخابات المحتملة في السودان .. إذا جرت! وستكون انتخابات السودان نسخة عن الانتخابات التي جرت الآن في أفغانستان سواء أن فاز كرزاي أو فاز كرزاي الآخر! وعلى أية حال سواء أن طردت الحكومة الترابي أو مات فإنه يحكم السودان بدستوره وقوانينه وأسلوبه في توظيف العنف طالما أن الدستور والقوانين الترابية سارية وتجد من يدافع عنها ويوفر لها الحماية.

 

انشقاق الحركة الإسلامية وليس الطرد

في هذه الأثناء يقوم حسن الترابي بعملية تنسيق مع الأحزاب الأخرى تحت مزاعم التحالف لإسقاط حزب الحكومة المؤتمر الوطني في الانتخابات المزمعة فتراضا. ومن يجيد قراءة أبجديات الطريقة التي يفكر بها حسن الترابي وأساليبه في الوصول إلى مبتغاه، سوف يجد دون عناء أن هدفه النهائي امتطاء هذه الأحزاب وزعاماتها لتوحيد الحركة الإسلامية، أو بالأحرى العودة إلى صفوفها. وإذ غمّت على الناس المواقيت بسبب الضباب الكثيف الذي يثيره الترابي وكأنه يناهض الحكومة، علينا أن ننظر إلى حقيقة جوهرية هي أن الترابي بعد المفاصلة لم يتضرر شيئا من فقدانه نفوذه في الحكومة، لكنه تضرر بسبب إقصائه عن الحركة الإسلامية. فقد راهن الترابي على تبعية الحركة الإسلامية له وإضعاف الحكومة بخروج جماعي، لكنه خسر الرهان لأن عضوية الحركة الإسلامية انحازت إلى مصالحها المادية والوظيفية التي هي بالضرورة مع الحكومة وليست معه. وقد أصبح من الواضح اليوم أن حسن الترابي لا تقوم ولن تقوم له قائمة سياسية خارج محتوى الحركة الإسلامية وجلوسه على عرش زعامتها، وحزب المؤتمر الشعبي لا يعدو كونه ثلاجة انتظار. وعليه فإنه يصارع اليوم من أجل استعادة عرش الحركة الإسلامية، لكن مشكلته الكبرى أنه لن يصل إلى كرسي زعامة الحركة في المستقبل المنظور إلا من خلال الحكومة .. فالكرسي أصبح موكّر جوه الحكومة! لذلك فإن حسن الترابي آخر من له مصلحة في إسقاط الحكومة سواء بالانتخابات أو بأي وسيلة أخرى باعتبار أن الحكومة مهما اشتطت معه، فهي مكسب له خلافا لكل التيارات السياسية الأخرى. والانتخابات المزمعة بالنسبة له بمثابة الفرصة الأخيرة، لذلك فهو يتحالف مع غير حزب الحكومة من أجل العودة إلى الحكومة! وبالتالي إلى بابوية الحركة الإسلامية. وفي أقصى الحالات فإن الترابي يستخدم التحالف مع الأحزاب الأخرى كوسيلة ضغط على الحكومة، لكن الأقرب للصواب أنه يمتطي زعامات الأحزاب الأخرى للعودة إلى المراح!

 

التنسيق خيانة عظمى

وهنا عاشرة نذكر بها زعامات الأحزاب أن حسن الترابي هو أول من وأد الديموقراطية في تاريخ السودان القديم والحديث، وأنه من صاغ كل قوانين قمع الحريات التي يعاني منها الشعب وتعاني منها أحزابهم، وهو رائد مدرسة العنف وإرهاب المجتمعات ومدبر الانقلابات العسكرية الذي خرق الدساتير وهزّ هيبة القضاء وحوله لجهاز تنفيذي. وهو حسن الترابي الذي استنسخ تجربة عنف الملالي وأساليب السافاك وطبقها على مجتمعات السودان وفتح بيوت الأشباح وترويع المجتمعات ومن أرسل شباب السودان ليقتل بعضهم بعضا. إذ ليس من العقل أن يصدق أحد أن حسن الترابي تحول إلى غير حسن الترابي وأصبح بغتة وفي غفلة عن نفسه مدافعا عن الحريات التي قمعها بنفسه بمجرد طرده عن الحركة والحكومة. فإذا كانت زعامات الأحزاب مثقوبة الذاكرة، فالشعب ذاكرته جمعية لا تنسى، ولكم أسوة حسنة في دائرة الصحافة حيث أسقطه الشارع السوداني وليس أنتم. قولا واحدا حسن الترابي يده ملطخة بدم الديموقراطية والحريات .. "وفي الجنوب كم ماتوا شباب" .. فمن يجرؤ منكم أن يضع يده على هذه الكف؟ إن التحالف والتنسيق مع حسن الترابي يعني أمرا واحدا هو مساعدته على العودة بدساتيره وقوانينه وقمعه وانقلاباته وبيوت أشباحه وحوره العين اللائي أصبحت ثيبات مطلقات بأمره. ولا مزيد من القول أن التحالف مع حسن الترابي هو خيانة عظمى للشعب والوطن والحرية ولقواعدكم إن بقيت لكم قواعد.

 

امتصاص الصدمة .. والانتخابات

وإذا كانت الأحزاب تنسق مع الترابي، فإن الحكومة تضع كل ثقلها وتسخّر كل أجهزة البلاد من أجل الفوز بالانتخابات التي أصبحت شرطا لابد منه. هي إذن تبحث عن قبول لدى الرأي العام. لكن حزب الحكومة أصبح مثل الفرخ السمين الذي تخاف عليه أمه من مغادرة العش والتحليق بجناحيه في سماء الديموقراطية والانتخابات الحرة النزيهة. لذلك يخاف نافع علي نافع وأصحاب المصالح على الفرخ، المؤتمر الوطني، من الطيران الديموقراطي، خاصة وأن الفرخ قد أضحى سمينا ومدللا. ولذلك ينكفئ نافع علي نافع على القوة ومدرسة الإرهاب الاجتماعي التي استنسخها الترابي. وأقصى ما تريده الحكومة هو خوض انتخابات في معية الأحزاب الراهنة المهترئة، وأنا أضمن لها الفوز! لكن هناك قوى اجتماعية جديدة قد ولدت وشبّت في السودان، قوى خارجة عن كنف الأحزاب وعن طوعها هي التي سوف تحسم انتخابات السودان وإن بدت اليوم في حالة كمون.

 

و"هنا" أخيرة لابد منها ..

فإذا كانت الحكومة تضع أثقالها والأموال للفوز والبقاء في الواقع السياسي السوداني، فعندنا "هنا" أخيرة نذكر بها الحكومة والأحزاب بعض الحقائق تذكرة لمن يخشى، وأولها أن المجتمعات السودانية قد امتصت صدمة العنف ويظهر ذلك واضحا في حركة المجتمع المدني انتهاء بقضية لبنى. وليس من باب الصدف أن يتزامن ذلك مع امتصاص الشعب الإيراني لصدمة عنف الملالي بتظاهرات "الثورة الخضراء" وسقوط الشهيدة ندى أغا سلطاني. والحقيقة الثانية أن أساليب القمع والقتل والتشريد التي انتهجتها الحكومة سوف تظل أساليب دخيلة ومدانة من المجتمعات السودانية كافة، وسوف تظل تلك المرحلة وما وقع خلالها وصمة في جبين هذه الحكومة السودانية. والحقيقة الثالثة أن زمن تخويف المجتمعات قد ولّى، وكل محاولة تخويف تزيد الناس صدا ونفورا. والحقيقة الرابعة والأهم أن كل تلك الأتراح والجراحات سوف تستيقظ وتتداعى إلى ذاكرة الشعب وهم في طريقهم إلى صناديق الاقتراع. والحقيقة الخامسة لم يعد أمام الحكومة من مجال إلا أن يعترف من ارتكبوا تلك الجرائم جهرة وتعتذر الحكومة للشعب كافة وتعمل على تقديم من اغترفوا تلك الأعمال الوحشية للمحاكمات أو يعفو عنهم الناس. فذاكرة الشعوب قد تتجاهل لكنها لا تنسى أبدا لأنها كما قلت ذاكرة جمعية أن نسي أحد ذكّره الآخرون. والحقيقة الخامسة أن عودة الترابي إلى الحكومة لن تزيد الحكومة إلا خبالا لأنه يؤمن أن مقعده وهيط وشاغر، وعودته مدعاة لمزيد من كراهية الشعب، وقال المثل "من جرّب المجرّب حصلت له الندامة" .. وتلك هي شروط تحقيق نوع من القبول عند المجتمعات السودانية، فأنّى تؤفكون ..!

 

للجزيرة والقنوات العربية ..

لقد أهلكتم بعير الشعب السوداني وقصمتم ظهر مستقبله وأنتم تسرفون في المقابلات والحوارات مع حسن الترابي وكأن حواء السودان لم تلد غيره وغير هذه الحفنة التي تحاورون. إنكم بهذا تلعبون دورا خطيرا وسالبا وظالما ضد الشعب السوداني. ومهما كانت الأوامر والطلبات التي تتلقونها عن حكوماتكم، فإن الإعلام رسالة أخلاقية في المقام الأول مهما تماهى هؤلاء مع ميولكم السياسية.

 

وسأعود لموضوع الملتقى الإعلامي .. وكل عام والشعب السوداني بخير

 

سالم أحمد سالم

باريس

18 أغسطس 2009