أرادت الحكومة التواصل مع الكتّاب، فنشأ "تحالف الخلايا" ونشبت "معركة الجسر" !!

حكوميون سرّبوا الإشاعات للمواقع .. والمعارضون قدموا خدمة جليلة ومجانية لأعدائهم !

الملاسنة بين الشريكين مطلوبة .. والانفصال يؤذن بثلاث حروب متزامنة ..

مساومة اتحاد الصحافيين في قضية لبنى مدعاة للرثاء وتكشف عجزه عن خدمة حكومته !

 

سالم أحمد سالم

باريس

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أتناول في هذا الجزء الثالث من السياق جلسة الملاسنة بين شريكي الحكم وما سبق ورافق تلك الجلسة التي أُسنِدَتْ لي رئاستها قبل أن أصل إلى الخرطوم. فقد فحص كل شريك كنانته وتخيّر أفضل سهامه ورمى به الشريك الأخر، فكان الدكتور غازي صلاح الدين عن الحكومة، وكان بيتر أدوك عن الحركة الشعبية. بالتأكيد لن أسرد هنا "ما ظهر" من وقائع الجلسة، فهي وقائع أضحت في حكم المعروفة نشرتها الصحف وبثتها التلفزيونات والإذاعات ووكالات الأنباء. لكنني سوف أكشف بعض الوقائع غير المعروفة لتعرية "ما بطن" وراء الكواليس والضمائر. كما سوف أسخّر جانبا من الوقائع لمقتضيات التحليل. وأول ما أتناوله بالتعرية ذلك المكر الذي مكره رهط من خلايا الحكومة في الخارج بغية إفشال جلسة الشريكين.

والخلايا هي خلايا حكومية خارج السودان كوّنتها حكومة مايو 1 وطورتها الحكومة الراهنة لمحاربة الأقلام السودانية المهاجرة نسبة للدور الخطير الذي تلعبه هذه الأقلام في حركة الوعي. وفي إطار هذه الحرب، وقبل أسابيع من انعقاد الملتقى الإعلامي، قامت بعض هذه الخلايا بعملية تدبير مسبق لإفشال جلسة الشريكين باعتبار أنني سوف أرأس الجلسة! لكن توجهات حكومتهم التي كشفت عنها الدعوات ثم أكدتها الساعات الأولى للملتقى، دفعت هذه الخلايا إلى أحداث تغيير كبير في خطتها والتنسيق مع خلايا الداخل لإفشال الملتقى كله بدلا عن إفشال جلسة واحدة! ولعلي أكشف في السياق أن "تحالف الخلايا" يعمل الآن بجد واجتهاد للحيلولة دون تنفيذ التوصيات التي خرج بها الملتقى الإعلامي .. أي نعم! قد يبدو غريبا ومتناقضا أن تعمل بعض خلايا الحكومة على تدمير ملتقى دعت له حكومتهم، لكن ذلكم هو الواقع الذي نعمل على كشف ملابساته ونزيل ما بدا تناقضا.

 

وخسارة الحرب الالكترونية:

كما أشرت في الجزء السابق، فقد خسرت الحكومتان الحروب الباطنية المنظمة التي ظلتا تشنانها ولسنوات طويلة ضد الكتاب والمفكرين والصحافيين السودانيين في الخارج. حروب التقطت لها الحكومتان الساقط عن متاع المجتمعات السودانية وعينتهم ضمن أطقم سفاراتها وقنصلياتها وأسست لهم الجمعيات وبذلت لهم سخي بالأموال ورفيع المناصب، وهي تعيينات تجاوزت فيها الحكومتان كل الأسس والأعراف الإدارية والأخلاقية. وطبعا لم تدخر شبكات الخلايا الخارجية أسلوبا باطنيا قميئا إلا وسلكته لإيقاع أقصى الضرر بالكتاب والصحافيين السودانيين بالخارج. وبرغم كل المبذول ما كسبوا لحكومتهم حربا وما زادوا حكومتهم إلا خبالا. فقد خسروا المعارك وكل الحرب، وجاءت الخسارة مركّبة. فقد فشلوا في قمع "فصائل" الكتاب والصحافيين، علاوة على أن أساليبهم القذرة حرضت الكتاب والصحافيين نحو إجراء المزيد من جراحات التشريح الفكري والسياسي لكينونة الحكومة .. وبدون بنج كمان!

 

بعد الخسارة كان من المفترض أن تسحب الحكومة الراهنة خلاياها الميتة عديمة النفع. لكن بدلا عن ذلك أمدت الحكومة خلاياها بتقنيات الحاسوب لعلها تجد في حرب الحواسيب فيروسا من نصر! فكان "الجهاد الالكتروني" وكانت تلك "الرسائل القذرة" التي كانت ترد إلى العناوين الالكترونية للكتاب والصحافيين السودانيين بالخارج. وبدلا عن تمديد أنابيب الصرف الصحي في عاصمة البلاد، مدت الحكومة أنابيب الأموال لخلاياها الخارجية لتأجير المرتزقة من قراصنة الحواسيب لاختراق المواقع الأسفيرية "هاكرز" وتزوير اليوتيوب القذرة للنيل من أعراض نساء السودان الطاهرات كالذي تعرضت له الكاتبة عزاز شامي على يد امرأة من هذا الرهط يكاد الحاسوب وفعلها ينطقان باسمها .. بيان عيان! وطبعا كغيري من الأقلام السودانية بالخارج كان بريدي الالكتروني يتلقى خلال الأعوام الماضية رسائل قذرة من هذا الرهط والخلايا كلما نُشر لي تحليل سياسي أتناول فيه سياسات الحكومة. أما لجهتي فقد كنت أمارس حقي الطبيعي والقانوني وأردّ على رسائلهم بأقذع منها حتى يعلموا أننا "نجهل فوق جهل الجاهلينا" ونبزّهم أيضا حتى في هذا المضمار!

 

وقد ظنت خلايا الحكومة المكلفة إيذاء الكتاب والصحافيين أن بإمكانها الاختباء بإرسال رسائلها عبر أجهزة وسيطة بعضها من دبي تصل عن طريق كندا، ثم أميريكا والخليج وأخريات تمر عن طريق السودان وأوروبا. لكن كان قد فات على هؤلاء أن التطور المدهش الذي طرأ على تقنية الحواسيب يزودنا بانتظام ببيانات مفصلة عن المصادر بما في ذلك "بصمات الأجهزة" التي انطلقت منها الرسائل القذرة مهما بلغ عدد الأجهزة الوسيطة والتعقيدات البرامجية! وفي حوزتي اليوم غلّة لا بأس بها من أسماء وعناوين ومواقع عمل وسكن وأرقام هواتف والـ IP لأعضاء هذه الخلايا، وقد بعثنا لهم برسائل "مباشرة إلى حواسيبهم" فكفوا عن التمادي خوفا. ونظل نكف أيدينا عنهم لعلهم لا يضطروننا لنشرها بثبوتيات دولية يأخذ بها القضاء خارج السودان خاصة وأن بعض الرسائل انطلقت عن أجهزة في مقار ومساكن تابعة للحكومة السودانية وتم شراؤها بفواتير حكومية.

 

ومرة أخرى، وبرغم خسارة الحرب الالكترونية، بقيت الخلايا الخارجية في وظائفها تطلق بين الفينة والأخرى برسائلها النتنة المفضوحة فقط من أجل مخادعة حكومتهم من أجل الاستمرار في الوظائف وقبض الأجور والتمتع بالامتيازات، لذلك بدت رسائلهم وتهكيراتهم مثل طلقات متقطعة بلا هدف تصدر عن فلول متقهقرة في نهاية حرب خاسرة. ورائحة الرسائل النتنة ظلت تدل على مكان الجثة المتفسخة فتتعرف عليها كلاب الحاسوب المدربة بسهولة ويسر! نعم أسهبت في هذه النقطة، لكنني لم أخرج عن النص! فقد كانت رئاستي للجلسة هي دافعهم الرئيسي لتدمير الجلسة باعتباري أحد هؤلاء الكتاب الذين أشبعوا سياسات الحكومة نقدا وتفنيدا. ثم إن خسارة الخلايا لحرب الخارج جعلتهم يأملون في كسب معركة ولو صغيرة في الداخل! لذلك، وقبل الوصول للخرطوم، كانت شبكة الخلايا الخارجية قد أكملت تدبير إفشال الجلسة وتم توزيع الأدوار خلال اتصالات هاتفية عابرة للقارات أنفقوا فيها أموال طائلة بين الخليج والسعودية، خاصة دبي حيث أحد الذين تولوا كبرها، إلى كندا إلى طرابلس إلى ولايات أميريكية عددا وغيرها طرائق قددا. كان حلم الخلايا الخارجية إفشال الجلسة، ثم التمتع بعطلة في الخرطوم مدفوعة الأجر كثيرة الشواء والعوازيم.

 

لكن يبدو أن نوايا الحكومة من الملتقى الإعلامي الثاني جاءت مباغتة لحسابات الخلايا الخارجية فأصبها الذعر. فقد وجهت الحكومة الدعوة إلى نخبة من أولي العزم من الكتاب والمفكرين والصحافيين السودانيين الذين عارضوا بأقلامهم سياسات الحكومة معارضة مريرة وأشبعوها نقدا. ومما زاد في كُربة الخلايا الخارجية أن الحكومة وجهت الدعوات بصورة مباشرة دون المرور عبر خلاياها الخارجية كما جرت العادة. كما رفضت الحكومة الانصياع للفيتوهات والكروت الحمراء التي استخدمتها الخلايا الخارجية والسفراء لمنع مشاركة بعض الكتاب والصحافيين، وتباطأت بعض السفارات في تسليم الدعوات والتذاكر، أو على الأثل هذا ما حدث معي في باريس، حتى أنني مع اقتراب الموعد اضطررت أن أهاتف السفير الذي قال أنه لا يعلم شيئا عن الموضوع، وسوف يسأل! وحتى تلك الموظفة السودانية التي قالت لي "تعال بكرة" لولا أن مرّ القنصل في تلك اللحظة وأخذ جواز سفري ووضع عليه التأشيرة. وقد بلغ علمنا أن مكالمات هاتفية مطولة قد جرت من باريس وغيرها من أجل أن تختصر الدعوة على القوائم التي تقدمها السفارات فقط، لكن المحاولة لم تثمر، ولو أنها فتحت الثغرة التي تدفق منها غير الإعلاميين إلى الملتقى تحت ذريعة تحشيد مؤيدي الحكومة! وقد بلغ علمنا هنا في باريس أن التباطؤ والمعاكسات تتم بتعليمات مباشرة من مطرف الصديق في رئاسة الوزارة. هذه التفاصيل في تقديري على جانب من الأهمية لأنها تعري الأساليب التي تطبخ بها الأمور في مطابخ الحكومة الخارجية .. لمن ألقى السمع وهو شهيد!

 

وفوق كل ما أصاب الخلايا من كُربَة وحيرة، لم تقتصر دعوة الحكومة لنا لمجرد المشاركة بالحضور، بل قدمتنا الحكومة لرئاسة الجلسات وقيادة المداخلات. باختصار كان لدعوة الحكومة لهذه الأقلام وقع الصدمة في أوساط هذه الخلايا الخارجية في كل العالم. فمن واقع تجربتي الشخصية، أحسست بوقع الصدمة في نفوس ونظرات بعض موظفي وموظفات السفارة السودانية في باريس وكأن الحكومة قد أتت شيئا فريا وهي تدعوني للملتقى وتلتمس مني، كمان، رئاسة الجلسة الأهم في الملتقى! .. ويقيني أن الحالة كانت عامة في غالبية سفارات وقنصليات السودان!

 

وصلت الوفود الخرطوم ووقع الرجز على خلايا الحكومة في الخارج وأشياعها في الداخل! فقد أعلنت الحكومة موقفها الرسمي على لسان الوزير كمال عبد اللطيف الذي قال أن حكومته ترحب بالمعارضين قبل المؤيدين، إلى غير ذلك من الثناء الذي كاله الوزير بغير حساب على الأقلام السودانية الناقدة لسياسات الحكومة. كان من البديهي بعد ذلك أن تستوثق الخلايا الخارجية أن حكومتهم تسعى من خلال الملتقى الإعلامي إلى تضييق الفجوة بينها وبين الأرقام الصعبة من الكتاب والصحافيين في الخارج والتوصل معهم إلى نقاط إن لم تكن قواسم مشتركة. وطبيعي أن تخاف الخلايا الخارجية على وظائفها وامتيازاتها فيصيبها بالهلع وتدور أعينها خارج محاجرها. فقد استشعر هؤلاء أن تقارب حكومتهم مع الكتاب والصحافيين والمفكرين السودانيين بصورة مباشرة سوف يلغي دورهم ويعري عريهم ويسحب عنهم بسط الأرصدة وبساط السجاجيد العجمية والزرابيّ المبثوثة و"مزايا" الخادمة السيريلانكية اللّدنة .. وقد قيل هنديّة والله أعلم!

 

معركة الجسر!

بعد خطاب الحكومة وترحيبها بنا، كان من المفترض أن تسبح الخلايا الخارجية مع تيار حكومتها. لكن علينا أن نتذكر دائما أن المصلحة المادية الشخصية البحتة هي الدافع الوحيد لانخرط هذه الخلايا في خدمة هذه الحكومة، وقد قال أحدهم بذلك صراحة، حيث لا يخفي هؤلاء تقبلهم على وبين سرر الحكومات والزعماء حسب سوق العرض والطلب، ولهم في المدح معلّقات من الشعر تبزّ تسوّل المتنبّي! إنهم مجرد مرتزقة يبيعون كغيرهم من الجماعات الطفيلية الملتصقة بهذه الحكومة، انفضّوا ونفضوا عنها أيديهم متى ما انفض سامرها. لذلك تميل زواياهم تلقائيا ودائما في ناحية مصالحهم مع هذه الحكومة أو مع غيرها. لذلك، عندما استيقنتها أنفسهم أن حكومتهم تبني من الملتقى جسرا للتواصل المباشر مع الأقلام السودانية في الخارج، وأن الحكومة قد لا تحتاج لخدامتهم متى ما نجحت في تشييد الجسر، كان من البديهي أن يتجه تدبير هذه الخلايا نحو استهداف الجسر ونسفه، أي نسف الملتقى الإعلامي كله. فالهدف إذن هو ضرب أي محاولة تقدم عليها حكومتهم للتقارب مع الكتاب والصحافيين السودانيين في الخارج. ولذلك لم تعد المعركة عندهم مجرد إفشال جلسة واحدة، بل ضرب الجسر كله .. هي "معركة الجسر" إذن!

 

حلف الخلايا !:

ثم إن خلايا الخارج لا تعمل لوحدها، بل لها امتداداتها و"عروقها" من الخلايا الداخلية في أروقة الحكومة ذات الصلة بالإعلام في الوزارات وأجهزة أمن الحكومة والإدارات واتحاد الصحافيين ومجلس الصحافة والمطبوعات وبعض الصحف السودانية. فالخلايا الداخلية بدورها كانت تخشى على مكتسباتها عندما استشعرت أن حكومتهم "رحبّت أكثر من اللازم" بالأقلام المهاجرة وتفكر في بحث أمر عودتهم للبلاد. إذن فقد أصبح الملتقى الإعلامي ذلك البعبع الذي يهدد مصالح كل الخلايا الداخلية والخارجية المرتبطة بالإعلام. ومن هنا تضاعف التنسيق بين خلايا الداخل والخارج أضعاف عما هو قائم أصلا ونشأ بينها تحالف قوي له هدف محدد. ولما لم يكن في حوزة أعضاء تحالف الخلايا "درهم شجاعة" لمجابهة حكومتهم وصرفها عن هذا التوجه "الغريب" كان من البديهي أن تستخدم الخلايا المتحالفة نفس أساليبها الباطنية التي مردت عليها في حربها الفاشلة ضد الكتاب والصحافيين، لكن هذه المرة لنسف الملتقى الإعلامي الذي دعت له حكومتهم. بهذا الأسلوب الباطني ضمن حلف الخلايا استهداف الملتقى وفي نفس الوقت عدم تضرر روابطه ومصالحه مع الحكومة ولي نعمته! برافو ..

 

بموجب الحلف، قامت خلايا الخارج والداخل بحركة نشطة ودؤوبة لإفشال الملتقى بالهمس والدس إلى أقطاب الحكومة وإفشال الجلسات والتهكم من صحافيي الخارج ونفث الحملات الناعمة المنظمة لتبخيس الأقلام المشاركة ومنع عملية التواصل بين الصحافيين والكتاب من الخارج مع صحافيي الداخل. ولا شك أن الحكومة نفسها تعلم الكثير مما ذكرته أنا هنا، وقد أشار الوزير كمال عبد اللطيف إلى ذلك صراحة في معرض حديثه عن الدور السالب الذي بدر عن بعض السفراء. لكن ما قد لا تعلمه الحكومة أن تحالف خلايا الخارج والداخل كان وراء الساقط من الكتابات في المنابر الأسفيرية الكثيفة التي قدحت في الملتقى وأقطاب الحكومة الذين أشرفوا عليه ومحاولة النيل من الأقلام المشاركة ووصفها بالسقوط في مستنقع الإنقاذ إلى غير ذلك. طبعا لم تكن خلايا الحكومة لتجرؤ على الكتابة بأسمائها، لذلك أوكلوها إلى غيرهم واستغلوا بعض كتاب المنابر الذين لا يدرون المقاصد الفعلية من وراء التسريبات التي كانت تصلهم من "أصدقائهم" من خلايا الحكومة! كما قام التحالف بتسريب جميع الشائعات مثل شائعة تقاضي المشاركين لمبالغ مالية وبيوت فخيمة ونمارق مصفوفة إلى غير ذلك من مخرجات خيال الخائف ..

 

هذه الحقائق التي مشيت بنفسي على تضاريسها وتفاصيلها إبان أيام الملتقى وبعدها تضعنا أمام جملة من المفارقات. أول مفارقة فقد كان للملتقى معارضون من داخل الحكومة هم خلايا الحكومة ذاتها في الخارج والداخل. والملهاة في المفارقة أن هؤلاء كانوا ألد الخصام للملتقى وعملوا بفاعلية وعن قرب وحرية على نسف الملتقى من الداخل! بالمقابل فقد كان من الطبيعي والصحي أن يكون للملتقى معارضون من خارجه، أولئك الذين كتبوا عن المتقى ما لم يكتبه مالك في الخمر! لكن نعثر في جوف هذه الحقيقة على مفارقة ثانية هي أن معارضي الملتقى من خارجه، شعروا أم يشعروا، قد اصطفوا في صف واحد مع خلايا الحكومة المناهضة لهم أصلا وحملوا معهم ذات المعاول لهدم الملتقى وإن اختلفت النوايا والأهداف! ذلك أن كتابات معارضي الملتقى من خارجه بررت كل ما نسجه تحالف الخلايا الحكومية، فخدموا بذلك مصالح هذه الخلايا خدمة كبيرة ومجانية! وتفضي بنا المفارقة إلى مفارقة أخرى هي أن أشد الكتاب نقدا لسياسات الحكومة هم الذين بذلوا الجهد وانتهوا بالملتقى إلى ما أحرزه من حوار جريء ومكثف ومواجهة الحكومة بأخطائها وعيوبها والخروج بالملتقى بتلك التوصيات (بصرف النظر عن أي تحفظات قد يلقيها أحد على وجه هذه التوصيات حتى ترتدّ عمياء!) وإذا كان معارضو الملتقى من خارجه قد وضعوا أوزار الحرب بنهاية الملتقى، فإن خلايا الحكومة في الداخل والخارج مازالت تضع العراقيل والعصي في الدواليب لمنع تنفيذ التوصيات حتى لا يكون للملتقى أي أثر يذكر ويصبح أثرا بعد عين ويلحق بأخيه طيب الذكر الملتقى الأول ويدفن إلى جواره في مكان مجهول! وفي حال عجز تحالف الخلايا عن محو آثار الملتقى، فالخطة البديلة هي استلاب التوصيات وتحويلها إلى مصلحة هذه الخلايا وطرد قبائل الصحافيين عن حياضها.

 

العودة إلى بيتر وغازي وتلك الملاسنة! :

وفي إضاءة هذه المعطيات نقرأ سجالات الملتقى الإعلامي الثاني وجلساته ومؤامراته، وحتى صفقاته السرية التي نضحت حروفها .. وعليه نعود إلى السيدين بيتر وغازي وقد " خليناهم متمحنين" في أعلى هذا السياق!

 

كان برنامج الملتقى مرصوصا رصا محكما متلاصق الحلقات بحيث لا يترك لنا فرصة للحركة خارج السير المتحرك! جلسة في ذيلها جلسة ثم زيارات وسفر قاصد وغير قاصد. وضمن ذلك البرنامج المشحون، كان عليّ الإعداد للجلسة الأولى في اليوم الثاني، تلك الجلسة التي دارت رحاها بين الدكتور غازي صلاح الدين عن حزب المؤتمر الوطني، أي الحكومة، وبين بيتر أكود وزير التعليم العالي عن الشريك الحركة الشعبية. لقد كان من البديهي أن أدرك مثلما أدرك غيري أنها الجلسة الأهم في الملتقى أولا لأنها بين الشريكين، وثانيا لأن "المقابلة" تتم في زمن غلب فيه طعم المرارات على طعم "حلاوه شراكه" حتى رفع الشريكان كتاب نيفاشا على أسنّة رماح الخلافات. والواقع أنني لم أكن مهموما بمسألة إدارة الحوار، فذلك أمر درجت عليه سنوات طويلة وأنا أدير عربا أشاوس يتأنقون في أفخم البدل الباريسية ويتبادلون السيكار الكوبي الفاخر والبسمات والأنخاب والكافيار ويا زلمي والكرافتات الحرير وهم يخفون الخناجر وراء ظهورهم "يستاب" بعضهم بعضا .. ولم أكن أنا بمفازة من تلك النصال بسبب لوني هذا الأسمر الجميل، فجميعهم كانوا "بروتس" يتحينون الفرص لغرس كل خناجرهم في ظهري دفعة واحدة، أو نهشي كصيب من ذئاب، لكنهم بعد حين استدركوا بأنني أفضل لهم من بعضهم لبعض. (بالمناسبة كلمة "يستاب" التي وردت في هذه الفقرة ليست كلمة عربية، لكنني قمت بتهجينها وتصريفها هكذا من عندي من اللغة الانكليزية stab ومعناها يطعن، وذلك حتى تستقيم الموسيقى لأن "يستاب" التي اخترعتها تجيء على وزن يغتاب .. فالغدر بالخناجر يكون من الخلف وكذا الغيبة والفتنة التي هي أشد من القتل .. !). كذلك لم تكن المشكلة في تنفيس محاولة إفشال الجلسة، خاصة بعد أن وضحت شخوصها ومعالمها، لكن في كيفية إبطال المحاولة دون أن يشعر الحاضرون بذلك أو على الأقل دون أن تؤثر على سير الجلسة ..

 

أنا ممتن لتلك الرسائل القذرة التي كانت ترد إلى بريدي ومحتويات تلك الرسائل لأنها وضعت في يدي أول الخيط الذي تتبعته فهداني به الله إلى كامل حلقات محاولة إفشال الجلسة! .. ثم هناك من "يأتيك بالأخبار من لم تَبِعْ له" "ويأتيك بالأخبار من لم تزوّدِ" أو ربما تلتقط عبارة من هنا أو تلاحظ همسا بعيدا من هناك، ثم عليك بعد ذلك أن تضع المعطيات في مختبرك العقلي .. وبعد داك إنت وشطارتك في التحليل والاستقراء وقراءة السلوك وربط الوقائع حتى تصل إلى ما سوف يكون بما هو كائن! .. وما أن افتتحتُ الجلسة حتى وصلتني العديد من المذكرات يطلب أصحابها طرح الأسئلة والمداخلات، ومن بينها تعرفت على مذكرات أعضاء الخلية المكلفة إفشال الجلسة، فقلت لنفسي: لقد بدأت اللعبة إذن! لم أحرمهم مطلقا من فرص طرح الأسئلة وإبداء الملاحظات، لكنني اتبعت "طريقتي" من أجل الحفاظ على سيرورة الجلسة وحمايتها من التخريب المبيّت. لذلك كل من أعطيته الفرصة من أعضاء خلية التخريب كان يقف مبلوع اللسان فلا يسعفه عقله إلا بكلام مهزوز يستهجنه الحضور الكريم .. أو كمثل ذلك الفتى الذي وصلتني ورقته فباغتته الفرصة فوقف معتذرا عن طرح أي سؤال فجلس كيوم ولدته أمه! والواقع أنني لم استمتع باللعبة لأنهم كانوا مثل من يلاعبك الشطرنج وأنت تعرف نقلاته الأربع القادمة!

 

على أن أخطر ما فعلوه أنهم حاولوا شق الجلسة إلى شقين متضادين، شمال البلاد ضد جنوبها، وذلك من خلال التصفيق والهتاف لحديث الدكتور غازي صلاح الدين بما يشبه تكريس الانفصال من داخل تلك القاعة. وفعلا انجذب غير المتمرسين وراء ذلك الإسفين. وقد ألهمني الله أن "أعالج" ذلك التوجه البغيض بوسيلتين: أولا أن أقول للحضور: "إن الصحافي والإعلامي هو تيرموميتر لقياس الحقيقة، فإذا ارتفعت درجة حرارته السياسية لم يعد أداة صالحة للمهمة، فمن أراد أن يعبّر عن موقف سياسي عليه أن يمارس حقه خارج هذه القاعة" وأظن أن العبارة قد أتت بمفعولها لأنها وضعتهم أمام محك إما أن يكونوا إعلاميين أم لا. وبما أنهم تنكروا في لباس الإعلاميين، فقد توقفوا عن الهتاف والتصفيق! أما الوسيلة الأخرى فقد أعطيت المزيد من الفرص للصحافيين والإعلاميين من بنات وأبناء الجنوب لمزيد من التوازن وفقع المرارة. فعلوا كل ما بوسعهم لإتلاف الجلسة، حتى محاولتهم البائسة لإحداث "جوطة" موزعة على أركان القاعة لم تتجاوز المقاعد التي كانوا يجلسون عليها، حتى اضطر أحد الذين تولوا كبرها مغادرة القاعة وهو كظيم، فمضت فيهم السنّة ومضت الجلسة كما شاهدها الجميع كأفضل ما تكون الملاسنة بين الشريكين وكأقوى ما تكون المداخلات واحترافية الأسئلة. ولعلني انتهز المناسبة لأقول للذين جاءوا لتهنئتي بعد الجلسة من الحضور بأنكم أنتم كنتم سر نجاح الجلسة! 

 

الطفيليون والكفاءة .. ولبنى أحمد حسين!

أوردتٌ ما بعض ما صاحب تلك الجلسة لتوضيح ما خفي خلف أستارها، وأيضا من باب نقل التجربة لا أكثر لأننا لا نبحث عن مجد شخصي في حيث لا يكون. أما إذا توخينا الحكمة من مجمل ما سبق، فلابد أن نطرح السؤال: لماذا تحتفظ الحكومة بهذه الخلايا الميتة التي تضرها ولا تنفعها بل وتعمل ضدها؟ لا أظن الحكومة قد طرحت السؤال على نفسها. وإذا حاولنا أن نجيب، فالإجابة طويلة، لكن وجيز الإجابة أن من عيوب الشمولية أنها لا تستقطب الناس بالفكرة، بل بالمصالح. لذلك تضم إلى صفوفها في ما تضم المنافق والطفيلي وهي تعلم بنفاقهم لأنها تعطيهم المقابل المادي والمنصب لقاء انضمامهم إليها! مثلا الحكومة تعلم أن بعض أعضاء الخلايا التي ذكرنا يقبضون إلى اليوم مبالغ مالية من دول أوروبية، كندا مثلا، لقاء احتيالهم على هذه الحكومات بأنهم ضحايا تعذيب هذه الحكومة لهم! لذلك عندما تملأ الحكومة مرافق الحكومة بهؤلاء المنافقين والطفيليين، وهم بالضرورة من عديمي الكفاءة، لابد أن يتم ذلك على حساب الكفاءات التي يطالها سيف العزل وبطش التشريد. وهكذا رويدا رويدا تنحسر الكفاءات وتسيطر اللاكفاءات. وبعد فترة تلتفت الحكومة الشمولية يمينا ويسارا فلا تجد من دونها أو معها إلا مثل هذا البغاث والغث بينما انحسرت عنها الكفاءات. هنيهة أخرى وتقع كل الحكومة الشمولية في قبضة هؤلاء فيصيرون هم الحكومة وهم المتحكم في مفاصلها. وحتى النذر القليل من العقلاء داخل الحكومة الشمولية يصبحون مثل رؤوس أشجار غارقة في طوفان كمثل حال النخيل في بحيرة سد مروي. وطالما أن المصلحة الذاتية هي الدافع، لذلك لا تتورع هذه الخلايا عن ضرب توجهات حكومتها في سبيل مكاسبها الفردية فلا تستطيع الحكومة أن تحرك ساكنا. وطبيعي أن يستشري سوء الأداء وعدم المسؤولية ويعم النفاق وعمد الاكتراث وعبارة ياخي سيبك!

 

ليس ذلك فحسب، بل نجد أن عديمي الكفاءة يتضافرون لسد أي فرصة قد ينفذ منها صاحب أو صاحبة كفاءة، فهناك أيضا مرحلة اسمها مرحلة إغلاق الطرق أمام الكفاءات تأتي بعد مرحلة طرد الكفاءات .. وما حدث في الملتقى الإعلامي يقع ضمن حرب الكفاءات عندما تضافرت خلايا الداخل والخارج وأغلقت المنافذ أمام الكفاءات الإعلامية رغم أنف حكومتهم نفسها التي أرادت أن تجعل من الملتقى جسرا للتواصل مع الكفاءات السودانية. ثم تستكمل الخلايا المتحالفة عملية الإغلاق بمساعيها الجارية لنسف التوصيات. ولم نذهب بعيدا حول موضوع الكفاءة؟ فالمساومة الفطيرة التي طرحها اتحاد الصحافيين لمعالجة قضية الصحافية السودانية لبنى أحمد حسين تدعو للرثاء. فمن المفترض "جدلا" أن يتمكن هذا الاتحاد من معالجة القضية طالما اسمه اتحاد الصحافيين وليس اتحاد مهنة أحرى! إذ ليس معنى أن تكون مع الحكومة أن تقف مع أخطاء فاحشة ومميتة. فقد عجز الاتحاد عن خدمة قطاع الصحافيين مثلما عجز عن تقديم خدمة للحكومة. ونتيجة لذلك استفحلت القضية وطبّقت الآفاق ووضعت الحكومة في خانة صعبة .. فما الفائدة المرجوة إذن؟ هذا ما يدفع الصحافيين إلى خلق أجسام موازية لخدمة قضاياهم المهنية .. لذلك ومن أجل ذلك أوصى الملتقى وبشدة على ضرورة تدريب وتأهيل الصحافيين في السودان ورفع كفاءاتهم.

 

وعلى ذكر الكفاءة لن يفوتني أن أثمن عاليا الدور الذي قامت به أميره الطويل في الإعداد الجيد لتلك الجلسة وغيرها من الجلسات، طريقتها في الأداء تعطي الأمل بأن عرقا من الكفاءة ما يزال ينبض في هذا الوطن برغم عمليات تجفيف الكفاءات الجارية على قدم وساق! ولا شك أن تبديد الكفاءات السودانية بطردها إلى المهاجر أو تشريدها عن محل خبراتها هو السبب الوحيد الذي يقعد بالسودان سياسيا واقتصاديا وثقافيا وفنيا وإقليميا ودوليا. تقعد الأوطان عندما تسود حالة اللاكفاءة. إن نظرة واحدة للإعلاميين الذين حضروا وشاركوا في الملتقى دليل فاقع على نزيف العقول والخبرات الذي أصاب السودان في هذا المجال، وعلى ذلك قس كل باقي المجالات والتخصصات. ولو كنت محل هذه الحكومة لبذلت كل الأموال واستدنت ورهنت من أجل إعادة توطين الكفاءات السودانية المهاجرة وتوظيف الخريجين كأروع ما يكون الاستثمار بدلا عن مثل هذه السدود التي تعيق معدلات النمو الاجتماعي والاقتصاد وتفتك بالبيئة بما يتطلب نفقات جديدة لإصلاح ما يمكن إصلاحه مما أفسدته السدود. لكن تخاف الحكومة من الكفاءات لأن الكفاءات سوف تحل مكان الغث من أهل الولاء الطفيلي وتلك الخلايا الميتة التي ذكرنا. شكرا أميره. وأتمنى أن لا يؤلب عليك ما ذكرت حَمَلَة أختام طرد وتهجير الكفاءات! وفي سيرة الكفاءة لابد أن أذكر الشاب محمد يحي الذي أشرف بمهنية عالية وذاكرة حاسوبية بشرية واسعة استوعبت مواعيد وجداول وأسماء وحجوزات سفر جميع الوفود مع عديد شركات الطيران إلى أربع رياح الأرض. له الشكر من الجميع.

 

طلب بث الجلسة:

الجميع كان يتوقع حوارا قويا بين الشريكين، لذلك بعثتُ إلى الوزير كمال عبد اللطيف باقتراح عبر معاونيه بأن يتم نقل الجلسة مباشرة على الهواء بواسطة التلفزيون السوداني حتى يشاهدها الشعب السوداني. لم أخفي مبررات الاقتراح، حيث قلت أن الشعب السوداني لم يشهد حوارا سياسيا ولا ديموقراطيا صريحا منذ أمد بعيد، ثم من حق الشعب السوداني أن يعرف مجريات الأوضاع السياسية لأنه المعني بها أولا وأخيرا، والحوار بين الشريكين هو الفرصة الأنسب لكي يتعرف الشعب على حقيقة أوضاع البلاد السياسية وانعكاساتها على أوضاعه المعيشية ومستقبل أولاده. كذلك من بين فوائد النقل المباشر إبعاد مقصات المخرجين الذين سوف يجيرون الجلسة لمصلحة الطرف الحكومي، وكذلك حتى يعلم الشعب أننا جئنا من أجل طرح جاد لقضاياه وأزماته وليس كما قال المرجفون من أهل المدينة وخارجها.

 

نداء إلى رئيس الحكومة:

من هنا وعلى الهواء مباشرة أتوجه بالطلب باتخاذ قرار يقوم بموجبه التلفزيون والإذاعة بنقل حي ومباشر لجميع جلسات المجلس الوطني. نعم نعلم أن المجلس الوطني معيّن وغير منتخب، لكن ذلك لا يسقط حق الشعب السوداني في أن يعرف، على الأقل، ما يتم باسمه. قرار النقل الحي للجلسات سوف يشكل أول قطرة في خريف تحول ديموقراطي هادئ ومرن لأنه يعطي الشعب الحق الأول وهو حق المعرفة. هذا الحق سوف يؤذن بنشوء حوار اجتماعي موضوعي حول القضايا الوطنية. قد نعلم أن إدارة التلفزيون والإذاعة سوف تسوق الحجج وراء البراهين للحيلولة دون ذلك، لكن أثق أن المواطن سوف يجد المتعة والعبر والطرفة في نقل الجلسات حية بأفضل مما يجده في البرامج الحالية بصرف النظر عن نوعية كلام أعضاء المجلس الوطني. ومن قبل ومن بعد فإن الله يأمر بذلك: " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل إلى آخر الآيات الكريمة.

انتهى النداء ونواصل ..

 

الترشيح للمداخلات .. والرفض بهز الأصبع !:

موضوعية الأسئلة المطروحة وحيويتها وقوة المداخلات كانت تشكل عندي أهم عناصر نجاح الجلسة. لذلك، وقبل يوم من موعد الجلسة، شرعت في انتخاب وإجراء اتصالات ببعض الصحافيين والكتاب المعروفين من الشمال والجنوب لترتيب أسئلتهم ومداخلاتهم. من ضمن هؤلاء كان الكاتب مصطفى عبد العزيز البطل الذي عندما حدثته حرك إصبعه في علامة رفض قاطعة وهو يقول لي: "لا لا .. لن أشارك .. لقد عرضوا علي رئاسة جلسات وغيره لكنى رفضت" والواقع أنني استغربت رفض البطل المشاركة انطلاقا من فهمي أن المشاركة في مثل هذه "الأجواء" لا تكون بمجرد الحضور، لكنها بالقول وإبداء الرأي وتفعيل الحوار، ومع ذلك احترمت للبطل حريته المكفولة أصلا وموقفه الذي تمسك به على مدار كل الجلسات الأخرى. لكنني حتما سأعود إلى ما كتبه الأستاذ البطل حول التوصيات.

 

والواقع أنني لجأت إلى شبه انتخاب أولي ومسبق للمتداخلين في جلسة الشريكين بعد أن تبين لي الضعف الذي اعترى المداخلات والأسئلة التي طرحت في جلسات اليوم الأول، علاوة على جحافل المدعوين من الخارج من غير الإعلاميين. أما ما طرحه بعض المشاركين في لقاء رئيس الجمهورية، باستثناء بعض الأسئلة القليلة كالتي طرحها خالد الحاج عن سد مروي، فحدث ولا حرج! فقد انتزع الهتّيفة اللقاء وحولوه إلى مظاهرة رخيصة ما جئنا لمثلها أبدا .. حتى تلك المرأة القادمة من ليبيا والتي شقت بصدرها الجمع والصفوف لتقف أمام رئيس الجمهورية وتلقي في وجهه ما ظنّتْ هي أنها قصيدة وظنّت أنها تمدحه فيها في عملية استنساخ فاشلة لطريقة المؤتمرات الشعبية الليبية التي يحضرها العقيد القذافي .. حتى كدت أنهض وأنتزع الورقة من يدها لولا أن تداركتني رحمة من ربي، فكفى بها من الناس استهجانا .. وعشمي أن يكون رئيس الحكومة ضمن الذين استهجنوا ذلك الفعل الذي يمرق بالحدث عن مظانه. ونسبة لضعف وفجاجة الطرح في ذلك اللقاء، فقد طفق الوزير كمال عبد اللطيف يستصرخ الجمع أن يرفعوا درجة حرارة الأسئلة! ذلك لم يكن في قيد الإمكان لأن فرص الحديث كانت تعطى ضرب لازب للأيادي المرفوعة التي كانت تبتغي "التسميع" دون انتخاب مسبق للذين كان في وسعهم الارتقاء بمستوى الحوار.

 

ملاسنة ديموقراطية مطلوبة! :

"وزنة" الجلسة بين الشريكين كانت تحتاج إلى ميزان من ذهب! فمعدلات الحساسية المفرطة بينهما كانت أعلى من معدلات الرطوبة النسبية في بلدان الخليج! حتى مسألة أيهما يبدأ الحديث كانت مشكلة انتبهت لها قبل يوم من موعد الجلسة! فاحتكمت إلى عامل السن. وقبيل الجلسة شاورت د. غازي وبيتر أدوك في الأمر فوافقا، وأعدت التأكيد في بداية الجلسة من على المايكروفون فوجدنا أن بيتر أكبر من غازي، فأعلن غازي موافقة سريعة أن يبدأ بيتر الحديث .. ولعلها كانت أسرع موافقة تصدر عن الدكتور غازي صلاح الدين .. طالما المسألة جابت ليها كبر وصغر! وليت كل منازعات الشريكين تحظى بمثل تلك الموافقة السريعة. وبسبب هذه الحساسية المفرطة كان عليّ أن أحدد مسبقا الوقت المتاح لكل منهما بالدقيقة والثانية! لذلك كنت أثناء الجلسة أبعث لكل منهما بمذكرات مسبقة حول الدقائق المتبقية له، ثم أعلن ذلك من المايكروفون. 

 

ومن باب التوثيق والتذكير أشير أن السيد بيتر أدوك افترع الملاسنة بهجوم مركز على مواقف المؤتمر الوطني من التحول الديموقراطي وعرقلة إجازة القوانين والانتخابات وإجازة القرارات بميكانيكية أغلبية المؤتمر الوطني داخل المجلس الوطني، أيهما داخل الآخر سيان، والعبارة الأخيرة من عندي! ثم جاء دور الدكتور غازي صلاح الدين الذي لم يكتفي بالرد على النقاط التي فصلها السيد بيتر، بل مضى غازي إلى توجيه ضربات محكمة إلى سياسات الحركة الشعبية في الجنوب والشمال مثل الفشل في إجازة القوانين في الجنوب، والدور المزدوج للحركة الشعبية بين "معارضة يوم وحكومة يوم" إلى أن يكشف غازي عن جملة المبالغ التي تلقتها الحركة الشعبية من قسمة الثروة والتي بلغت على حد قوله ستة مليارات من الدولارات، ثم تساءل غازي عن حظ التنمية في الجنوب من هذه المبالغ. النقطة الوحيدة التي اتفقا حولها كانت أمكانية حل نزاع آبيي دون اللجوء إلى القضاء الدولي. فقد قال بيتر أدوك أن عرض مسألة ابيي علي محكمة لاهاي مضيعة للوقت والمال، وكان من الأفضل تركها لشيوخ الدينكا والمسيرية فهم الأقدر علي حلها. وعقّب غازي بالقول أنهم أرادوا ذلك أيضا .. طيب مشيتو لاهاي ليه؟

 

وبرغم ما تخلل الجلسة، لكنها أفرزت العديد من العبر. أولا المجابهة والملاسنة في حد ذاتها أمر مطلوب كواحدة من أهم أدوات الأداء السياسي، إذ لا ينبغي أن يتوخى الناس حديثا لطيفا في معترك السياسة. النقد والنقد المضاد هي السمة الغالبة على كل مداولات البرلمانات الديموقراطية، كالبرلمان الفرنسي، ثم البريطاني الذي يظن من يشاهده أن العراك بالأيدي واقع لا محالة، أو كما كتب خالد الحاج عن حوار غازي بيتر ""وفي كثير من الأحيان انتابني الشعور أن المسألة ستتحول إلي عراك بالأيادي!" زد على ذلك أن المواجهة بين الشريكين قد كشفت للرأي العام السوداني والعالمي مدى غور الخلاف بين الشريكين وخطورة ذلك ليس على مستقبل السودان السياسي والاقتصادي فحسب، أو حتى انفصال الشمال عن الجنوب، بل خطورتها على بقاء السودان نفسه ضمن خارطة العالم. فمن الجائز جدا أن يتم تكريس انفصال الشمال عن الجنوب، أو الجنوب عن الشمال سيان، في معطى موقف أحمق أو من باب رد فعل من أحد الشريكين لا أكثر من ذلك ولا اقل أو بتوجيه استفتاء تقرير المصير أو تزويره أو بنيّة مبيّتة من زمان! .. وما دار في برلمان الجنوب قبل شهر كاد أن يضع المسألة برمتها على شفا جرفٍ هارٍ.

 

فالمشكل الأكبر أن الانفصال سوف لن يعني أبدا أن يذهب كل فريق بنصفه. الانفصال سوف يشكل بداية ثلاث حروب طاحنة متزامنة تزيل السودان كله عن الخارطة العالمية، ولن تنجح كل قوات الأمم المتحدة والأرض جميعا في وقفها أو محاصرة انتشار نيرانها. فهناك حرب شمال جنوب لابد أنها مندلعة حيث سوف تتحول تخوم الفصل إلى جرح فائر بالماء، ثم هناك الحروب الإثنية الجنوبية الجنوبية التي سوف لن يفلح أحد في منعها أو كبحها، ثم الحروب الواسعة التي سوف تندلع في الشمال من أقصاه إلى أقصاه. وحدهم المرضى والحالمون في الغيبوبة هم الذين يظنون أن فصل الجنوب سوف يمر على سلام من بعده يحكمون. انفصال الجنوب هو نهاية ما يعرف اليوم بالسودان، بعدها لن تجد الحركة الشعبية ولا المؤتمر الوطني ولا سائر ما يسمى بالأحزاب في السودان أرضا تقف عليها ناهيك عن بلد تحكمه أو تحلم بحكمه، اللهم فاشهد. ومن هذا الفهم جاءت توصية الملتقى حول ضرورة معالجة نقاط الخلافات بين الشريكين.

 

قد يبدو غريبا أن يطبع التوتر العلاقة بين شريكين كلاهما شمولي يسترهب الناس بعتاده ويتقاسمان عش الشراكة بالرضا وصداق قسمة الثروة حسب قسيمة نيفاشا. أعتقد أن التوتر يعود في الأساس إلى سببين أولهما عدم توصل الحكومة والحركة إلى "لغة حوار" مشتركة يفهم بها كل طرف "مضامين" حديث الطرف الآخر .. ولا أعني عربي جوبا الذي يفهمه الطرفان! والتوصل إلى هذه اللغة المشتركة يقتضي أن يتعرف كلاهما على مكنونات الخصائص الاجتماعية والسلوكية والتاريخية التي تنبثق عنها "لغة" الطرف الآخر وتعابيره وصوتياته ولغة الجسد. وأما السبب الآخر فهو خوف الحكومة من تنتهي ورطة نيفاشا والتحول الديموقراطي إلى فك قبضتها عن الشمال. والواقع أن الحركة الشعبية تخاف من نفس المآل جنوبا، لكن المقاومة العنيفة التي تبديها الحكومة للتحول الديموقراطي والاحتكام للدستور منحت الحركة الشعبية غطاء آمنا من النيران الكثيفة، فلم تعد الحركة الشعبية مضطرة لإعلان مناهضتها للتحول الديموقراطي. كما أن النيران الكثيفة التي تطلقها الحكومة على المطالبين بالتحول الديموقراطي سمح للحركة الشعبية الوقوف عن بعد من مرمى مع المطالبين بالحريات والديموقراطية، لكن في الشمال فقط! تماما مثل موقف الشريكين من مشروع قانون الصحافة. فقد ظلت الحركة الشعبية تنادي بحريات الصحافة حتى مسكتها الحكومة متلبسة بتقديم مشروع قانون الصحافة كأسوأ ما تكون القوانين المناهضة لحريات الصحافة والرأي. فأمسكت الحكومة بمشروع الحركة وهرعت به إلى مجلسها الوطني لإجازته باعتباره مقدم من الحركة الشعبية!  

 

قانون الصحافة والمطبوعات .. تاني!

بوصفي رئيسا للجلسة لم يكن من حقي التداخل في الحوار، بل إدارته، فهناك فرق! وفي معرض حديثه عن سرعة بت حكومته في إقرار القوانين، قال د. غازي أن مشروع قانون الصحافة والمطبوعات في منضدة مجلس الوطني وستتم مناقشته في غضون أسبوع! قلت في نفسي الله الله طيب نحن جينا ليه؟ بقيت بضع دقائق من الزمن الرسمي للجلسة، لكن قلت لا بأس من بضع دقائق زيادة لمشروع قانون الصحافة الذي قطعنا فيافي السماء لأجله. لذلك طلبت "توضيحا" من الدكتور غازي وقلت له أن ما سمعناه رسميا أن القانون قد تم سحبه عن منضدة المجلس وأنت تقول ما يخالف ذلك، يرجى توضيح ذلك. أكد غازي أن مشروع القانون موجود ولم يسحب وسوف تتم مناقشته في الموعد المحدد. وهنا طلب السيد بيتر أدوك فرصة للرد وقال أن مشروع القانون قد تم سحبه، ليرد غازي لا لم يُسحب .. لا بل سحب .. لا لم يسحب. وبين سحب ولم يسحب أنهيتُ الجلسة!

 

انتهت الجلسة نعم، لكن من تلك اللحظة انتابني وغالبا غيري هاجس كيفية اللحاق بالمجلس الوطني قبل أن يجيز مشروع القانون بشكله ذاك العصملي المعيب. حاولنا أن نرتب جلسة مع د. غازي وكان وسيط الاتصال أميره الطويل. إلا أنها قالت لي لاحقا عبر الهاتف أن الدكتور غازي اعتذر. اتصلت بمحي الدين تيتاوي رئيس اتحاد الصحافيين، فلم يكن يملك من مثل هذا الأمر شيئا. لكن في موازاة ذلك كنا على اتصال مكثف بالوزير كمال عبد اللطيف وسكرتارية مكتبه حتى أفاء الله علينا بمكالمة منه للمشاركة في اجتماعات الكتل البرلمانية وخطابه الموجه لرئيس المجلس مع توصيات الملتقى حسب ما شرحت ذلك في الجزء الثاني من هذا السياق. 

 

كلام الصورة والحوار الصعب!

نشرت بعض المطبوعات والمواقع صورة لي أثناء الجلسة وأنا أميل برأسي ناحية الدكتور غازي صلاح الدين. الصورة تبيّن، لكل من ألقى البصر وهو شهيد، أنني كنت في حديث جانبي مع الدكتور غازي، لكن ذهب بعض أهل الغرض إلى تفسير الصورة بأنني أحني رأسي وأتبادل الابتسام مع غازي صلاح الدين! ويا له من مرض وغرض .. أولا ما المانع من تبادل الحديث والابتسام مع د. غازي؟ ثم أنا بفطرتي الربانية أبتسم في وجه محدثي مهما كانت قوة النقاش، ومن يشاهدني على الفضائيات يلاحظ ذلك خلال نقاشات صعبة، وتلك من نعم الله التي يصطفي بها بعض عباده. فالوجه العبوس القمطرير لا يعني قوة الحجة ولن يكسبها قوة، وطيف الابتسامة ينم على الأقل عن الوثوق ونشاط العقل واستعداده لاستمرارية الحوار. لذلك كنت مبتسما برغم صعوبة الموضوع الذي كنت أتحاور فيه مع الدكتور غازي صلاح الدين وخطورته على استمرارية ونجاح الجلسة. وقد ملت ناحية د. غازي برأسي حتى لا يلتقط الميكرفون كلمة أو عبارة من ذلك الحوار القصير جدا والخطير على مسار الجلسة.

فعلى حين غرّة قال لي الدكتور غازي بصوت هامس ومهذب أنه سوف يغادر الجلسة! انتظرت بضع ثوان قبل أن ألتفت إليه متسائلا بعيوني عن السبب. وعندما أراد الحديث أدرت رأسي على تلك الهيئة حتى لا يلطش المايك نتفة من الحديث. وأردف د. غازي هامسا مهذبا: عندي جلسة مجلس وزراء ولابد ألحقها" أدركت لحظتها أن مغادرة الدكتور غازي سوف تحطم الجلسة تماما ولابد من إبقائه حتى النهاية مهما كان! نظرت إلى الساعة الكبيرة أمامنا وقلت للدكتور غازي وأنا أبتسم وأتحاشى المايكروفون: "الجلسة أصلا بدأت متأخرة تلت ساعة .. بعدين يا دكتور ده أهم ومجلس الوزرا ملحوق! " ولعلني الآن انتهز فرصة الكتابة وأشكر الدكتور غازي الذي استجاب وواصل.. وقد لاحظت بعدها أن الدكتور غازي قد نسي تماما حكاية مجلس الوزراء وتجاوز الزمن الممنوح له! بالمناسبة أنا لم أشاهد الصورة المذكورة، أرجو ممن يجدها أن يرسلها على عنواني الالكتروني!

 

ونواصل مع خفايا معركة التوصيات التي كادت أن تؤدي إلى فشل الملتقى في لحظاته الأخيرة والناس جلوس داخل القاعة في انتظار تلاوة التوصيات! 

 

سالم أحمد سالم

باريس

يوليو 2009