المغازي وراء محاولة طردي من الاجتماعات بواسطة العتباني غازي!

 

معركة قانون الصحافة .. موافقة بالإجماع .. واعتقال في درج رئيس الحكومة ..

  

سالم أحمد سالم

 

باريس

  

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  

(أعتذر عن التأخير في الكتابة والنشر بسبب وعكة برد .. زالت أو نحو ذلك!)

  

قبل أن أغادر باريس إلى الخرطوم للمشاركة في ملتقى الإعلاميين، كنت قد حددت قائمة قصيرة من الأهداف كلها عن العمل الصحافي والإعلامي داخل السودان. ومع أن العنوان الرئيسي للملتقى كان البحث عن "دور متقدم" للإعلاميين في الخارج "لخدمة الوطن" إلا أن بديهيات البحث في دور الكاتب والصحافي والإعلامي خارج السودان، تقتضي قبل كل شيء بحث ومعالجة أزمات الصحافة والإعلام داخل السودان بدء من رفع يد الحكومة القابضة أصبعا أصبعا وإزالة نقاط التفتيش التي تبعثر محتويات العقول وزلزلة الرقابة الأمنية زلزالا شديدا حتى تتهاوى أو نحو ذلك. إذ لا يستوي مع المنطق البسيط أن تبحث الحكومة وتطلب منا أن نبحث معها عن "دور متقدم" للكاتب والصحافي والإعلامي خارج السودان، بينما الصحافة داخل البلاد بين نطيحة ومتردية أو موقوذة ومنخنقة أو ذبيح على نُصُب الشمولية يأكل جثتها سبع الحكومة يقضم حسن بنانها ومعاصم أقلامها!

  

وفي مبتدأ هذا الجزء من السياق لا ينبغي أن نغفل عن جملة من الحقائق بالغة الأهمية، حقائق شكلت في تقديري الدافع الأساسي للحكومة للدعوة للملتقى وتحويله من ملتقى إعلامي إلى ملتقى تفاوضي مع نخبة من الأقلام السودانية. أول هذه الحقائق أن الكاتب والمفكر والصحافي المقيم خارج السودان يؤدي دوره كاملا تجاه وطنه، أداء كامل الفرائض والسنن والنوافل والمستحبات تكشف عنه يوميا الصحافة العربية والدولية وقنوات التلفزيون الإقليمية والعالمية وشبكات النت. ولا أعدو الحقيقة أن الكاتب والمفكر والصحافي المقيم خارج السودان يبز أقرانه من العرب والأفارقة من حيث أداء دوره في تناول قضايا بلاده وهموم شعبه حتى خلق إعلاما موازيا خطيرا ومزعجا يتسم بمصداقية الطرح وجرأة التناول وعمق التحليل. واليوم أصبح هذا الإعلام السوداني الخارجي الموازي قبلة للمواطن السوداني في الداخل والخارج لاستقاء المعلومة المغسولة عن الدعاية الحكومية أو تلك المبتورة بيد رقيب عتيد، أو من أجل الاستهداء بتحليل علمي معمق عن مجريات الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في السودان. وأصبح الأعلام السوداني الخارجي الموازي من أهم المصادر لوسائط الإعلام العالمي والإقليمي وللمنظمات والهيئات الدولية. ومن المفارقات أن الحكومة السودانية الراهنة قد لعبت دورا أساسيا في بناء وتقوية الإعلام السوداني الخارجي الموازي المناهض لها كمتنفس تلقائي جراء قبضتها القاسية على الإعلام الداخلي، قبضة أوردت الإعلام الداخلي مرتع الهلاك والتخلف، وفوق ذلك أدت إلى فقدان الإعلام السوداني الداخلي المصداقية لدرجة أن المواطن عندما يقرأ خبرا هاما في مطبوعة صادرة في السودان سرعان ما يبادر إلى سؤال نفسه ومن حوله عن هدف الحكومة من وراء سماحها نشر الخبر! لذلك كان لابد من إعلام بديل، وقد كان، وجاء ميلاده إعلاما وفكرا سودانيا خالصا استغنى به السودانيون عن إذاعة لندن وغيرها من المحطات الأجنبية. ويبدو أن التقدم الهائل الذي طرأ على تقنيات التواصل وبناء الشبكات الاسفيرية والاتصال العالمي أضحى خطرا ماحقا على الحكومات التي تحاصر الأعلام الوطني، وقد لعبت هذه الحقيقة دورا حاسما في انتقال المتلقي السوداني إلى إعلامه الخارجي الموازي للتعرف على شؤونه الداخلية! هنا أستطيع أن أقول في جملة واحدة: لقد انتهى عصر قبضة الحكومات على الإعلام وانتهى عصر الإعلام الحكومي الذي كان يفرض هيمنة شمولية على الرأي العام الوطني وتوجهاته ... ولعل دور الحكومة السودانية الراهنة في بلورة وازدهار الإعلام السوداني الخارجي الموازي تذكرني بالقصة المحكية عن الرسام العالمي بيكاسو ولوحته الأشهر "غريشنكا" التي رسمها من وحي فظائع الحرب الاسبانية. تقول الحكاية أن الجنود المدججين اقتحموا مرسم بيكاسو وفتشوه ثم نظروا إلى اللوحة الكبيرة وسألوه: من الذي رسم هذه اللوحة؟ فأجابهم بيكاسو: أنتم!

  

وعلى نسق العوامل الجديدة التي أضحت تشكل الرأي العام السوداني الداخلي، نجد أن ملايين المهاجرين السودانيين الذين هجّرتهم الحكومات المتعاقبة أصبحوا اليوم يلعبون دورا أساسيا في تشكيل الرأي العام السوداني داخل البلاد بدلا عن العكس! فقد جرت عملية تبادل للدور وانتقلت عملية تشكيل الرأي العام السوداني الداخلي إلى المهاجرين بفضل كثافة المهاجرين، وجلهم من أصحاب الكفاءات، وأثرهم على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الداخل، ثم عنصر التواصل الاجتماعي بين الداخل والخارج وسهولة الاتصال وفرصة المهاجرين الكبيرة في تلقي معلومات أكثر نقاء عن تلك التي يحصل عليها المواطن داخل السودان من إعلام محلي يتراوح بين إعلام حكومي أو إعلام مدجّن أو مخنوق مبتور، أو إتجار بالإعلام على غرار الاتجار بالفواحش يمارسه سماسرة الصحافة الذين يحصدون عطايا الحكومة وإعلاناتها التجارية الحصرية والإعلانات السياسية مدفوعة الأجر لقاء التلفيق والابتذال وتزوير الحقائق والتجهيل والتبجيل والتدجيل حتى انتفخت منهم الأوداج وكبرت المقاعد وتضخمت الأرصدة.

  لا رفث ولا جدال أن الكتاب والمفكرين والصحافيين خارج السودان يؤدون دورهم ويلعبون دورا أساسيا في تشكيل حركة الوعي الاجتماعي والسياسي وتوجهات الرأي العام داخل السودان، طبعا بما لا يحيف بالدور الذي تقوم به بعض الصحافة المحلية وهي معقوفة الذراع. وإذا أضفنا الدور الذي تعلبه المجتمعات المهاجرة، لوجدنا أن عملية تشكيل الرأي العام السوداني الداخلي تكاد تكون قد انتقلت بالكامل إلى خارج حدود السودان!   

ربما لم تمسك الحكومة بأعراف سوابق المنطق التي امتشقنا صهواتها إلى ميس هذه الحقائق. لكن لا شك أن الحكومة أدركت أهمية وخطورة الدور الذي يقوم به الكاتب والمفكر والصحافي السوداني المقيم خارج السودان وتأثيراته المباشرة في بلورة وتوجيه الرأي العام داخل السودان. من هنا انطلقت فكرة إيقاظ فكرة الملتقى الإعلامي بعد أن أهملته الحكومة طيلة الثلاث سنوات الماضية. ويتضح لي من المعطيات أن بعض الوزراء والحكوميين قد نظروا إلى معاودة الدعوة على تلك الوجهة التقليدية التي تم بها الملتقى الأول، بينما كان لفريق آخر، وهو الفريق الذي أمر بمعاودة الدعوة وأمسك بكامل خيوطها لاحقا، أهداف أخرى لم يعلن عنها حتى لغالبية أركان الحكومة من النافذين على مستوى القرار. دليلي في ذلك أن رئاسة مجلس الوزراء أشرفت إشرافا مباشرا من خلال الوزير كمال عبد اللطيف على الملتقى وسحبت البساط من تحت الجهات الحكومية الأخرى التي كانت تظن أنها المعنية قبل غيرها بملتقى الإعلاميين وبكل ما يتعلق بالإعلام والإعلاميين مثل وزارة الإعلام وشؤون المغتربين وإدارة الإعلام الخارجي واتحاد الصحافيين، خاصة وأن هذه الجهات الحكومية كانت قد أشرفت من قبل إشرافا مباشرا على الملتقى الإعلامي الأول. لكن رئاسة مجلس الوزراء أسندت لهم هذه المرة فقط مهام تنفيذية وتمويلية ومشاركة طرفية وتشريفية .. وأحيانا تمويهية. وقد استمعت في الخرطوم خلال لقاءات جانبية عديدة إلى امتعاض بعض قيادات الوزارات من انفراد رئاسة مجلس الوزراء بالملتقى، وفي الامتعاض دليل أن رئاسة مجلس الوزراء قد أطبقت بما يشبه الانقلاب على الملتقى وأطبقت الصمت على نواياها. وسوف نرى لاحقا أن شخصية نافذة مثل غازي صلاح الدين كان يغرد خارج سرب الفئة القليلة من أركان حكومته الذين أمسكوا بزمام الملتقى وحددوا أهدافهم منه .. هذه الفئة القليلة قد لا تتجاوز رئيس الحكومة ونائبه والوزير كمال عبد اللطيف.

  

إذن الحكومة السودانية كانت تدرك سلفا أن الكاتب والصحافي يقوم بدوره، لكنه لا يقوم به على الوجهة التي تريدها الحكومة ولا يشبع عندها غريزة البقاء الشمولي، بل هو حرب على الشمولية. والواقع أن الحكومة السودانية الراهنة ومن قبلها حكومة مايو العسكرية قد أدركتا منذ فترة بعيدة خطورة الدور الذي يلعبه الكتاب والصحافيون في الخارج في عملية تشكيل الرأي العام الداخلي والعالمي والإقليمي. وقد شنت الحكومات العسكرية على مدى عقود طويلة الحروب وراء الغزوات على معاقل الفكر والإعلام السوداني المهاجر، لكن بأساليبها وأدواتها القتالية التقليدية التي تستخدمها في الداخل مثل محاولاتها إعادة تشريدهم وقطع أرزاقهم في المهاجر عن طريق أذرع أجهزتها في سفاراتها بالوقيعة وتقارير السوء إلى المؤسسات التي يعملون فيها، وما يحدثك مثل خبير، فقد كنت وربما ما زلت أحد هؤلاء حتى آخر لحظة غادرت فيها باريس إلى الخرطوم وحتى عودتي عندما فقدت سيارتي التي تركتها وديعة عند السفارة السودانية في باريس! لكن كل تلك الأساليب فشلت، بل أدت إلى مزيد من تفاقم العمل الإعلامي والفكري الخارجي المناهض للحكومة. هذا الفشل علاوة على صمود الكتاب والصحافيين جعلا الحكومة تدرك، بعد أمّة، أن لهؤلاء الكتاب والمفكرين والإعلاميين قضية يؤمنون بها ضحوا وارتضوا الغربة من أجلها ورفعوا أسنة أقلامهم دفاعا عنها وهم عنها لا يتنازلون.

  

مثل هذا الإدراك الذي أزعم أن الحكومة قد توصلت إليه هو مسألة طبيعية ونتيجة حتمية تصل إليها جميع حكومات فرض الهيمنة. ويدفعني سياق المنطق إلى التمادي في التفكير بعقل الحكومة وأزعم أن تلك الفئة القليلة من ناس الحكومة رأت ضرورة التفاوض المباشر مع الأقلام السودانية التي ما فتئت تنادي بالحريات السياسية والاجتماعية وبالتبادل السلمي الديموقراطي لإدارة البلاد وحريات الصحافة والرأي والاحتكام للدستور والقانون وحق الشعب غير المنقوص في اختيار من يتولى إدارة شؤونه. وما يسند مزاعمي ويضعها موضع اليقين أن الحكومة أضحت تواجه استحقاق الانتخابات كأخطر استحقاق تواجهه الحكومة على مدى عقدين كاملين من الحكم الشمولي المنفرد، استحقاق قد ينتهي بها إلى خارج دست الحكم .. وإلى ما قد يستتبع ذلك.

  

وحتى إذا لم تقتنع الحكومة بعدالة القضايا الوطنية التي يتصدى لها الكتاب والصحافيون في الخارج، فقد كان من البديهي أن يدرك بعض أقطاب هذه الحكومة أن حكومتهم ورثت وتورطت في حرب لن تكسبها لأنها لا تملك أسلحتها ولا تختار ارض معاركها ضد "فصائل" من المفكرين والكتاب والصحافيين أشد خطرا من جميع الجماعات المسلحة، لذلك كان لابد للحكومة من التوصل إلى حل مع هذه الفئة المارقة عن طوع الشمولية! ذلك أن ما تخطه الأقلام السودانية المهاجرة أضحى يشكل في هذا المفصل الانتقالي الانتخابي أكبر هاجس للحكومة بما يفوق قضية دارفور وقرار قاضيات المحكمة الجنائية الدولية. فمن خلال تعامل الحكومة الراهنة مع قضية دارفور نجد أن الحكومة تنظر إلى قضية دارفور باعتبارها "قضية إقليم" يمكن التعايش معها ومع تفاعلاتها وقابلة للحل التفاوضي، وأنها قضية لا تهبش مركز السلطة. وفي ظني أن الحكومة ظلت تدفع بقضية دارفور نحو المستقبل حتى تحقق من القضية الفائدة القصوى في الوقت المناسب. ذلك أن الاتفاق مع حركات دارفور من شأنه أن يشرعن استمرار الحكومة بمواثيق دولية مثلما فعلت اتفاقات نيفاشا، وبذلك تقلب الحكومة الطاولة في وجوه الذين ينادون بإجراء الانتخابات! زد على ذلك أن العمليات العسكرية للحركات الدارفورية المسلحة تكاد تكون معدومة الأثر، طبعا باستثناء غزو العدل والمساواة لأم درمان وتخوف الحكومة في الدفع بعمق القوات المسلحة. ودون أن نتوغل في تفريعات قضية دارفور نكتفي بالقول هنا أن زعامات الحركات الدارفورية انكفأت على الإقليمية وعجزت عن طرح القضية على المستوى الوطني الشامل بتقديم التحول الديموقراطي على مطالب الإقليم مثلما فعل الدكتور جون قرنق ونجح في ذلك. فقضية دارفور إذن لا تشكل بهذا المنظور الحكومي خطرا مباشرا على استمرارية الحكومة في الحكم، برغم كونها عنصر ضغط دولي وإقليمي وصل بالحكومة إلى عتبات المحكمة الجنائية الدولية. وبهذه المقاربة يتأكد أن ما تكتبه الأقلام السودانية في الخارج وما يقوم به الإعلام السوداني الخارجي الموازي أضحى يستهدف مركز عصب وعظم استمرار الحكومة ذاتها بتأثيراته المباشرة في تشكيل الرأي العام الداخلي في وقت يطرق فيه استحقاق الانتخابات بعنف على باب السودان ويقلق مضجع الحكومة. لذلك قلت أن ما تكتبه الأقلام السودانية في الخارج وما يقوم به الإعلام السوداني الخارجي الموازي أشد خطرا على الحكومة من قضية دارفور وتداعياتها. ولذلك كان لابد من التفاوض مع "فصائل" الكتاب والصحافيين والوصول معهم إلى نقاط التقاء قد تكون مرحلية في حال لم تؤمن الحكومة بعدالة قضاياهم الوطنية .. وطبعا المرحلي يقابله مرحلي! 

  

ويبدو أن هدف الحكومة التفاوضي من الملتقى الإعلامي قد غاب أو تم تغييبه عن غالبية أركان الحكومة ربما خشية إعاقة مسار التفاوض من قبل بعض الأطراف الحكومية المتشددة التي لا ترى طريقا إلا طريق المضي قدما في الهروب إلى الأمام بفرض الشمولية رغم أنف استحقاق الانتخابات مثل نافع علي نافع الذي لا يؤمن باستحقاق الانتخابات، وإن آمن به لا يرضى منه بغير الفوز! كذلك، ومن خلال متابعتي لمعظم ما كتب عن الملتقى الإعلامي يتأكد أيضا أن الهدف التفاوضي من الملتقى قد غاب أيضا عن الأقلام التي شاركت أو لم تشارك في الملتقى، فاندلق حبر كثير على الهوامش دون المتون .. والغريب أن بعض الأقلام المشاركة كانت موضع تباحث وتلميحات قامت بها أطراف حكومية بارزة تحت غطاء اجتماعي سواء في قندهار أو غيرها من معالم الخرطوم الجديدة ومطاعمها الشعبية السياحية! ولا أزعم أنني كنت أدرك سلفا نية الحكومة في التفاوض معنا، لكنني كنت متأكدا أنني جئت للملتقى للتفاوض مع الحكومة حول قضايا الحريات الإعلامية وإبطال قانون الصحافة والمطبوعات وإلغاء الرقابة على الصحف لكونها قضايا إعلامية، لكنني لم أكن على قدر من التفاؤل حول استجابة الحكومة. لكن كلمات الحكومة في الجلسات الافتتاحية وكلمة رئيس الحكومة وما تضمنته هذه الخطابات من رسائل تصالحية واعترافات كانت تنم صراحة عن رغبة في التفاوض. لكن الذين حشدتهم أجهزة السفارات تحت غطاء مهنة الإعلام أكلوا القشرة ورموا البرتقالة فأفسدوا جزء من خطة حكومتهم وبددوا على الصحافيين والإعلاميين مكاسب واختراقات كانت في قيد الإمكان! ومرة أخرى تتأكد الحكمة أن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل! وبرغم كل ما يرد في هذا السياق من مقتضيات التحليل العلمي، فإنني، وبالأصالة عن نفسي، أثمن عاليا المنحى التفاوضي الذي انتهجته الحكومة، أو قل فئة منها، مع "فصائل" الكتاب والصحافيين والمفكرين السودانيين في حال أن مضت الحكومة قدما وأردفت القول بالفعل البائن للناس أجمعين بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

  

كانت أهدافي محددة بدقة ووضوح:

 

أولا: خوض معركة قانون الصحافة والمطبوعات ضمن مجهود الصحافيين داخل السودان، ووضع ثقل الكتاب والصحافيين المشاركين إلى جانب الصحافيين في الداخل،

 

ثانيا: الجلوس إلى أعضاء المجلس الوطني مع صحافيي الداخل لأن مشروع القانون مر من وراء الصحافيين إلى المجلس الوطني، إذ لا يقبل العقل والعدل مناقشة قانون بواسطة مؤسسة مفترض أن تكون تشريعية قبل عرض مشروع القانون على الفئة التي سوف يطبق عليها القانون، وهي فئة راشدة وليست فئة مجرمة يتنزل عليها قانون جنائي.

 

ثالثا: مواجهة الجنرال صلاح قوش حول الرقابة التي تفرضها أجهزته على الصحافة، واستنطاقه عن الجهة التي أمرته بتطبيق الرقابة. وإذا كانت الجهة هي المجلس الرئاسي حسب ما سمعنا، سوف نطلب لقاء بالمجلس الرئاسي لأن مسألة الرقابة على الصحف ليست بالأمر الهين أو البسيط.

 

رابعا: مطالبة الحكومة السودانية برصد ميزانية عاجلة وكبيرة للإنفاق على تدريب وتأهيل الصحافيين والإعلاميين السودانيين داخل وخارج السودان. وضعتُ مسألة إنفاق الحكومة على تأهيل الكوادر الصحافية والإعلامية ضمن أجندتي لأن التدريب حق من حقوق هذا القطاع المهني، ولأن كل الدول الديموقراطية في العالم تولي القطاع الإعلامي عناية خاصة برفعه إلى أعلى مصاف المهنية لأنه قطاع يؤثر تأثيرا مباشرا وخطيرا على المجتمع من خلال خطاب يومي، والأهم من ذلك معالجة التدني المهني الذي يعيق أداء الصحافة السودانية.

  

هكذا حدثتني نفسي غير الأمارة بالسوء بهذه الأهداف قبل أن أتوجه للخرطوم. كذلك قلت لنفسي أن مدخل أزمة الصحافة السودانية سوف يفضي بنا مباشرة إلى البحث مع الحكومة في قضايا السودان السياسية التي ظللنا نكتب عنها أحيانا بالهدواة ومرات بنصال الأقلام للوصول إلى جسم الحكومة الحي، وهي قضايا الحريات العامة السياسية والاجتماعية والشروع في الدخول في بدايات تحول ديموقراطي جاد يسبق قيام انتخابات حرة ونزيهة وشفافة يفوز فيها من بفوز لا يهم. نعم البحث مع الحكومة في قضايا الإعلام كان بالتأكيد سوف ينتهي بنا إلى بحث أمهات القضايا لأن الإعلام كما أفهمه هو محور الارتكاز والقطب الأعظم الذي يدور بذاته حول نفسه وتدور حول قطبيته كل أفلاك ومقتضيات الحرية والديموقراطية والتطور الحضاري. فلا حرية ولا تحول نحو أي شكل من أشكال الديموقراطية ولا انتخابات نزيهة قبل أن يدور محور الإعلام حرا بذاته وحول ذاته، ولا تطور حضاري بدون هذه الحزمة المتجانسة من الحريات، أو هكذا ينبغي أن يفهم الجميع. بل أمضي إلى القول الجازم أن التطور الحضاري لن يتحقق في أي بلد ومجتمع، حتى تحت حكم شمولي، بدون حرية كاملة غير منقوصة للصحافة ووسائل الإعلام .. لذلك تصطدم الأحكام الشمولية بالحريات إذا فهمنا أن التطور الحضاري يختلف كلية عن التطور الغوغائي الذي أشرت إليه. والإعلام في معناه العريض الذي أقصده هو تنسم وامتلاء رئة المجتمع بهواء الحرية الذي يبدأ شهيقه وزفيره من الحوار البسيط بين شخصين يستطيعان الحديث بغير همس أو خوف، ثم يتصاعد مفهوم الإعلام ليمر بالصحف والمجلات والقنوات بما فيها التلفزيون والإذاعة حيث تقبع مدرعتان تحرسان لسان الحكومة وحنجرتها وهما يضاهيا لسان وحنجرة غوبلز.

  لمجمل المعطيات وغيرها مما لم نقصصه هنا وضعنا الأولوية لقضايا الإعلام والصحافة الداخلية أولا لأن تطويرها وتحريرها جزء من رسالة كل كاتب وصحافي وعاقل، ثم لأننا كنا نفهم سلفا أن دور الصحافي والكاتب المقيم خارج السودان يمر في جزء عظيم منه من خلال قنوات الإعلام والصحافة داخل السودان، ولابد أولا من فتح هذه القنوات. زد على ذلك أن الصحافة والإعلام داخل البلاد تظل ناقصة البنيان المهني ومثقوبة السقف الفكري بدون عطاء الكاتب والمفكر والصحافي المقيم خارج السودان، خاصة وأن السودان يعيش أسوأ هجرة للكفاءات والعقول في هذا المضمار. فالكاتب والمفكر والصحافي المقيم في الخارج جزء لا يتجزأ من الصحافة والإعلام وحركة الفكر في البلاد، وقضية الصحافة في السودان هي قضيته وضمن أسباب خروجه من بلاده، ولم نكن بحاجة إلى من يحاضرنا في هذه البديهيات .. أو أن يلقي الضو في أمنيتنا ..   

بمجرد أن وصلت الخرطوم قدمت أجندتي للوزير كمال عبد اللطيف (مناقشة مشروع قانون الصحافة، الجلسة المشتركة مع المجلس الوطني، الجنرال قوش، التدريب). أما مقابلة قوش فقد كانت ضمن أجندة لقاءات الملتقى .. لكن الجنرال قوش راغ عنها وعنا ولم يعد إلينا بعجل حنيذ أو حتى بدجاجة منتوفة الريش نازفة منزوعة المنقار تعتب على ساق واحدة برغم الرسائل الكثيرة الشفهية والمكتوبة والساخرة أحيانا التي كنت أبعثها له من خلال عيونه وآذانه المنتشرة بيننا كالفراش المبثوث. وأما بالنسبة للتدريب فقد ورد بوضوح في التوصيات وقد تركت مذكرة تفصيلية طرف الوزير كمال عبد اللطيف، وسأعود إلى ذلك لاحقا عندما أكتب عن "معركة التوصيات" التي كادت أن تتسبب في انهيار الملتقى، واسمحوا لي أن لا اقطع السياق عن مشروع قانون الصحافة ..

  

غازي وأنا

 في الطريق إلى الخرطوم، تشاء الصدف أن نلتقي في مطار القاهرة الأستاذ عادل الباز رئيس تحرير صحيفة الأحداث ونستغل معا نفس الطائرة المصرية إلى الخرطوم. وفي مقهى مطار القاهرة تحدثنا تحديدا عن مشروع قانون الصحافة والمطبوعات الذي قدمته الحركة الشعبية للحكومة واتخذ سبيله إلى المجلس الوطني عجبا! حيث أكد الباز للحضور أن مشروع القانون فعلا لم يعرض على الصحافيين. ثم شرحت للحضور فكرتي عن ضرورة عقد جلسة مشتركة بين الصحافيين في الداخل والخارج وبين المجلس الوطني حتى يستمع أعضاء المجلس لآراء وملاحظات الصحافيين. لكن كان رأي الباز الاكتفاء بإجراء لقاءات جانبية مع بعض الأعضاء المؤثرين في المجلس، لكني لم استسلم لفكرة الباز وأضمرت في نفسي ضرورة الاجتماع مع المجلس لأنها تكسب النقاش طابعا رسميا علميا وليقرر بعدها أعضاء المجلس ما هم مقررون.   

انتهت جلسات الملتقى وجلست أنا على حال من عدم الرضا لأنني لم أجد ردا حول طلب الجلسة مع المجلس الوطني، فقد انهدم ركن آخر في خطتي بعد أن غاب الجنرال قوش ولم نتمكن من مواجهته حول الرقابة المضروبة على الصحف. وعلى غير موعد تلقيت مكالمة هاتفية من الوزير كمال عبد اللطيف يبلغني فيها أنه وجه رسالة لرئيس المجلس الوطني مرفق معها توصيات الملتقى، وأنني سوف أشارك في جلسات الكتل البرلمانية للبحث في مشروع القانون. وقبل الاجتماعات تحدثت ومحمد عتيق مطولا مع الدكتور محي الدين تيتاوي نقيب اتحاد الصحافيين ومحمد السيد أمين الاتحاد حول أهمية الاحتفاظ بأعلى سقف فوجدناهما على نفس الروح برغم ما سمعته عن موالاة اتحاد الصحافيين للحكومة! والحق يقال كانت لهما مداخلات قوية أثناء اجتماعات الكتل البرلمانية.

  

كانت الجلسات برئاسة الدكتور غازي صلاح الدين بوصفه ممثل الكتلة الأكبر .. وتكلم غازي، كما لم يتكلم زرادشت! فقد صب غازي جام حديثه حول فرض المزيد من الضوابط على الصحافة .. كأنه قد بقيت مساحة لضوابط جديدة .. وضرورة إقرار المواد التي تتيح مصادرة المطابع ودور النشر ومعاقبة الصحف والصحافيين وفرض العقوبات المالية والحبس، وزاد عليها من عنده الكثير من توابل القمع والتخويف والتغريم والتجريم. وقدم د. غازي العتباني دفوعات غريبة "لتمكين" رأيه في مواجهة الملاحظات التي أبداها بعض النواب عن الحركة الشعبية والتجمع. واتبع الدكتور غازي أسلوبا غريبا غير حصيف في إدارة الاجتماعات. إذ كلما أوشكت الآراء على الاتفاق على غير الوجهة التي يريدها، فرض غازي على الاجتماع الانتقال إلى المادة التالية .. والأعجب أنهم كانوا يوافقون!

  

كان لابد لي من الكلام، وقد صوبت مداخلاتي على نقاط محددة:

 

أول النقاط التي طرحتها: أن مجلس الوزراء قد أقر مشروع القانون بقرار بتوقّيع رئيس الجمهورية بتاريخ 19 مارس 2009. أما ديباجة مشروع القانون فقد كانت عبارة عن شهادة صادرة من وزارة العدل بتاريخ 12 أبريل 2009 ممهورة بتوقيع عبد الباسط صالح سبدرات يشهد فيها سبدرات (أشهد أن وزارة العدل أعدت صياغة مشروع قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2009)! طبعا إذا نظرنا إلى التاريخين نجد أن رئيس الجمهورية قد وقع على مشروع القانون في 19 مارس قبل أن يصل مشروع القانون ذاته من وزارة العدل إلى مجلس الوزراء! فوزارة العدل أعدت النص في شهر أبريل، وشهر مارس يسبق شهر أبريل إن لم أكن من الخطائين! يعني وزارة العدل قد أعدت مشروع القانون في 12 أبريل بعد أن وقع عليه رئيس الجمهورية في 19 مارس 2009 .. أو أن رئيس الجمهورية قد وقّع على قانون غير الذي شهد وزير العدل بإعداده، وهو بالضرورة مشروع قانون آخر خلاف مشروع القانون الذي تم عرضه على المجلس الوطني ويختلف كلاهما عن مشروع القانون الذي وقع عليه رئيس الحكومة .. أو أن وزير العدل قد أعد مشروع قانون أخر لم يتم عرضه بعد على مجلس الوزراء .. إلى غير ذلك من الاحتمالات التي لا يقبلها العقل ولا علم التقويم. لكن الأقرب إلى المنطق أن شهر أبريل أصبح قبل شهر مارس حسب تقويم هذه الحكومة! أما إذا أردنا معرفة الحقيقة، فعلينا أن ننظر إلى مشروع القانون، فإذا وجدنا أن قميصه قد قُدَّ من دُبُر فقد صدق وزير العدل وهو من الكاذبين! .. صبرا، فهذه ليست النهاية. فإدارة التشريع قد أرفقت مع مشروع القانون مذكرة أبدت فيها ملاحظاتها على مشروع القانون بتاريخ 3 ديسمبر 2008 .. ياتو مشروع قانون؟ الذي صادق عليه رئيس الجمهورية بتاريخ 19 مارس 2009 قبل أن يصل من وزارة العدل، أم مشروع القانون الذي صاغته وزارة العدل بتاريخ 12 أبريل 2009 بعد أن وقع عليه رئيس الجمهورية في 19 مارس أم مشروع قانون خامس؟ وأرجو أن لا أكون قد تسببت لكم في نوزيا أو لاق جِتْ أو دوار بحر أو ما ينجم عن ذلك!

  

طبعا قبل الجلسات كنت قد قرأت مسودة مشروع القانون، ونظرت إلى هذه البديهيات التي قد لا ينتبه إليها الناس عادة في مثل هذه المجامع. عرضت ملاحظتي حول التواريخ باختصار ليس كالذي ذكرت فوق والتمست من الاجتماع أن يصحح ذلك ولو على الورق مداراة للفضيحة! الملاحظة حققت الهدف لأنها أصابت المدافعين عن مشروع القانون بشلل في العزيمة وبفقدان الحجة، الأمر الذي مهد لنا والزملاء أن طرح الملاحظات والتعديلات بشيء من القبول العام .. لكن ملاحظتي أثارت غضبا صامتا عند الدكتور غازي صلاح الدين العتباني .. سوف ينفجر لاحقا ..

  

النقطة الثانية: قلت لا توجد في الدول الديموقراطية قوانين للصحافة على شاكلة هذا القانون الذي يقيد مهنة الصحافة ويجرم الصحافي ويصادر المطابع ويغلق الصحف ودور النشر. هناك قوانين تحمي الصحافي مثل قانون البطاقة الصحافية الذي يخول الصحافي دخول المرافق العامة والحصول على المعلومات، والقوانين التي تمنع اعتقال الصحافي أثناء تأدية واجبه المهني إلى غير ذلك من الإجراءات التي تسهل مهمة الصحافي. لذلك لابد من إلغاء مشروع القانون جملة وتفصيلا ..

 

النقطة الثالثة: شرحت فيها قدر فهمي العلاقة التجارية التعاقدية العادية التي تنشأ بين الصحيفة أو دار النشر وبين المطبعة، وأن هناك فقرة ثابتة في جميع عقود الطباعة ترفع عن المطبعة أي مسؤولية أو مساءلة قانونية تجاه النص المطبوع. لذلك ليس من حق أحد مصادرة أو محاكمة أو تغريم مطبعة بسبب نص ورد في مطبوعة طبعتها المطبعة.

 النقطة الرابعة: طالبت بنقل القيد الصحافي من مجلس الصحافة إلى إتحاد الصحافيين أو نقابتهم لأنه لا يستوي وضع القيد، الصحافي طبعا، في يد جهاز تنفيذي، ثم لأن أهل الصحافة أدرى بالموضوع، مع إلغاء المبلغ المالي الكبير الذي يدفعه الصحافي للحصول على القيد.

النقطة الخامسة: قلت أن الغرامات المقترحة في مشروع القانون عبارة عن تدخل مخل في أعمال القضاء وبالتالي تخالف الدستور المخول للقانون المدني والجنائي. وإذا كان ولابد من قانون للصحافة، يجب أن يتقدم أصحاب العلاقة والمتضررين للقضاء للفصل وتحديد العقوبة أو التعويض أو خلافه.

 

النقطة السادسة: منع حبس أو احتجاز الصحافي إلا بعد الرجوع إلى الاتحاد أو النقابة

 

النقطة السابعة: إلغاء كل أشكال الرقابة على الصحف (حسب ما ورد في توصيات الملتقى)

 

ولا يفوتني في هذا المفصل أن أذكر للأمانة مطالبة الدكتور تيتاوي برفع يد وزير ووزارة الإعلام عن العمل الصحافي باعتبار أن الوزارة جهاز تنفيذي لا ينبغي أن تخضع له الصحافة، بل ينبغي أن يكون أداء الوزارة تحت رقابة الصحافة. وللحقيقة فقد وجدت التعديلات التي اقترحناها استحسانا وقبولا من غالبية أعضاء الكتل البرلمانية. كما أثار أمين اتحاد الصحافيين نقاط جوهرية قوية دفاعا عن المهنية والحريات الصحافية .. خلافا للدكتور غازي صلاح الدين العتباني الذي انفجر عنه غضب عنيف دفنه وراء الإجراءات بغية طردي من الجلسات عندما قال لي: أنا لم أتلقى خطابا أو تفويضا أو ما يفيد بالسماح لك بالمشاركة في الجلسات! فقلت له: نحن يا دكتور غازي لم نحضر هنا لندعي ما هو ليس من حقنا .. هناك خطاب موجه من حكومتك لرئيس المجلس الوطني بهذا الخصوص، هل وصلك؟ قال لا لم يصلني. ولحسن الحظ فقد حمل لي الدكتور تيتاوي نسخة من الرسالة دفعت بها إليه وقلت له تفضل هذا خطاب حكومتك. وقد قوبل تصرف غازي العتباني بعدم ارتياح صامت باستثناء عبارات احتجاج من محي الدين تيتاوي. طبعا فهمت أنا كما فهم الجمع أن الغضب الذي سيطر على الدكتور غازي العتباني ومحاولته الاحتماء خلف الإجراءات لطردي من الاجتماعات يعري نضوب الحجة والرأي عند الرجل، لذلك لا أعتب عليه .. ولحسن حظه لم تكن معه سيخة!   

  

بعد نهاية تلك الجلسة مباشرة، وضمن حركة دؤوبة بين الأطراف والكتل والتشاور المستمر مع الصحافيين، توجهنا محمد عتيق وأنا إلى مكتب الدكتور هاشم الجاز أمين مجلس الصحافة وناقشناه مليا ومطولا حول ضرورة نقل القيد الصحافي إلى اتحاد الصحافيين، فوجدنا منه قبولا تاما ومساندة للفكرة. وفي الاجتماع الثاني للكتل البرلمانية، أعلنت للاجتماع موافقة مجلس الصحافة على نقل القيد إلى اتحاد الصحافيين .. كان من الواضح أن الخبر قد باغت الدكتور غازي وربما غيره، فاقترح غازي إبقاء "ضوابط" السجل في يد مجلس الصحافة والمطبوعات .. تاني ضوابط؟ .. لكن أحدا لم يؤيد اقتراح الدكتور غازي. انتهت الجلسات، وبعد يوم عدت إلى مبنى البرلمان وسلمت مقرر الصياغة نسخة موجزة بالتعديلات التي اقترحناها .. وبقينا في انتظار ما سوف يقرره المجلس لاحقا. وبعد بضعة أيام أخبرني محي الدين تيتاوي أن المجلس الوطني قد وافق على جميع التعديلات التي اقترحناها وأجاز القانون بالإجماع. ولا شك أنني فوجئت، لكنني سعدت بالخبرية التي جاءت متناقضة جملة وتفصيلا مع الطرح الذي جمعه الدكتور غازي صلاح الدين رئيس كتلة الأغلبية .. ما سبب هذا التحول من النقيض إلى النقيض؟ سوف نفتش عن تلك الفئة القليلة التي أشرت إليها ..

  

ذكرت ما ذكرت من تفاصيل قد تكون طويلة أولا لتوضيح بعض الملابسات التي صاحبت اللحظات التي سبقت صدور القانون، ثم لأنني كلفت بالدفاع عن توصيات الملتقى، وساحة المجلس الوطني كانت الساحة المناسبة للقيام بالمهمة حتى لا يقر المجلس مشروع القانون على تلك الشاكلة المعيبة، فتصبح المعالجة أو الجراحات البلاستيكية في حكم المستحيل. أما إسهابي في تفاصيل ما بدر عن الدكتور غازي فهي أبعد ما يكون عن شخصنة الأمور أو القدح في الشخصية، فعلى هذا الصعيد الشخصي له مني كل الاحترام وأتمسك بالاحترام والنقاش الموضوعي الذي نتبادله كلما التقينا في باريس. لكنني ذكرت ما ذكرت لأن الرجل تصدى للعمل العام ومن حق المجتمع أن يعرف كيف تدار الأمور وبمن تدار. ثم إن تشدد الدكتور غازي في حقوق الصحافة والصحافيين ورفضه لكل التعديلات، ثم يأتي مجلسه الوطني ليقرر ما يناقض تماما مواقف الدكتور غازي ويوافق المجلس على معظم التعديلات ويجيز مشروع القانون بالإجماع، بما فيهم صوت د. غازي نفسه، دليل قاطع أن الدكتور غازي صلاح الدين كان أيضا يغرد خارج سرب تلك الفئة القليلة من حكومته، تلك الفئة التي انتزعت ملتقى الإعلاميين وحولته إلى لوحة خلفية للتفاوض مع نخبة من الأقلام السودانية. كما يجيء التحول المباغت الذي طرأ على موقف أعضاء الحكومة داخل المجلس، بما فيهم د. غازي نفسه، دليل أكيد أن هنالك آلية أخرى توجه أداء المجلس، فبقي د. غازي على قديم مرتكزاته وفجر في خصومة الصحافة حتى باغتته تلك الآلية، أو بالأحرى تلك التعليمات! لذلك كان من المفترض أن يجاز القانون بجميع أصوات المجلس باستثناء صوت الدكتور غازي الذي كان عليه التمسك بمواقفه المعلنة. ولو كان بالسودان صحافة وإعلام حر لما أحوجني إلى سرد التفاصيل ولخرج كل ذلك إلى الملأ في حينه .. خذ مثلا التلفزيون كان منتظرا يتسكع خارج القاعة التي كنا نجتمع فيها، وبمجرد أن خرج المجتمعون تسلطت الأضواء على وجه غازي صلاح الدين ومدّت سبائط المايكروفونات إلى فم غازي صلاح الدين وحده لا شريك له في حق التصريح ! فإن كان هذا هو الإعلام فإنّا به كافرون.

  

لا شك أن قبول الحكومة للتعديلات وإقرار القانون المعدل بالإجماع يأتي في معطى التفاوض الذي أشرت إليه. فالحكومة ترى أنها قدمت تنازلا كبيرا بموافقتها على التعديلات، وهذا دائما شأن الحكومات الشمولية حيث ترى أنها قدمت لك تنازلا وهي تقر بحق من حقوقك سبق أن انتزعته منك عنوة! فليكن ذلك، وليكن للحكومة ما أرادت. وبما أنني لا أتحدث بإسم الصحافيين، سوف أكتفي بدعوة الكتاب والصحافيين إلى اعتبار ذلك تنازلا كريما من الحكومة، لكن في تقديري، الشخصي أيضا، أن الكتاب والوسط الصحافي لن يوقع على هذه الجزئية من الاتفاق بصورة نهائية ما لم يوقع رئيس الحكومة أولا على القانون ووضعه موضع التنفيذ وإلغاء الرقابة عن الصحف إلغاء لا رجعة عنه وإطلاق حريات الرأي والتعبير، ثم ما يستتبع ذلك من حريات سياسية واجتماعية .. وسيك سيك معلق فيك هذه المرة يا الوزير كمال عبد اللطيف! حِلّها وهات التوقيع وارفع الرقابة! (الذين حضروا الجلسة الختامية لملتقى الإعلاميين يعرفون مغزى هذه العبارة) ولمن لم يحضر فقد قال لي الوزير كمال من على المنصة (.. ويا سالم سيك سيك معلق فيك .. فايزين فايزين ..) ويقصد أن حزبه سوف يفوز في الانتخابات .. العبارة كانت موجهة لي والرسالة كانت موجهة لنافع علي نافع .. أو هكذا فهمت أنا!

  

نعم لم نفتح عكا ولم نطلب من أحد أن يصفق لنا، ولسنا أبطالا ولم نقم بعمل بطولي نستحق عليه لقب البطل أو ننال عليه شيئا من هذا .. أو حتى من تلك السامقة الرويانة "قصبة مدالق السيل" .. وقد نعلم أيضا أن قانون الصحافة فيه الكثير من الهنات كالتي في التوصيات، لكنها هنّات أصبح الآن في قيد الإمكان معالجتها إما عن طريق تقديم مقترحات تعديلات للمجلس الحالي، أو الطلب من المجلس المنتخب الآتي لا ريب فيه بإلغاء القانون جملة وتفصيلا. نعم لقد قام الصحافيات والصحافيون والكاتبات والكتاب في الداخل بفرضي العين والكفاية وبالدور الأساسي وبمجاهدات تظل محل فخر لكل من امتشق قلما بحقّه أو عمل بالصحافة عن جدارة وشرف وكتب بتجرد دون أن يزدرد ريقه لمواعيد المناصب ليبخس غيره من طرف خفي لا يفوت على الفطنة. ولا شك أن مجاهدات من بالداخل قد تناغمت وتكاملت مع ما يقوم به أخوات وإخوة لهم خارج البلاد، حيث شارك صحافيو وكتاب الخارج في معركة الحريات مشاركة لا ينكرها إلا جاحد لفضل ربه. فقد قام الصحافيون والكتاب في الخارج بنقل وقائع معركة الحريات الصحافية للمجتمعات السودانية في الداخل والخارج وللرأي العام العالمي والإقليمي بعد أن أصبح إعلام السودان الخارجي الموازي مصدر المعلومة والخبر والقوة الضاغطة، ولولا هذا النقل لما كان التفاعل الحاصل. كان لابد لي من تبيان هذا التكامل والتعاضد ووحدة القضية والهدف بين الصحافيين والكتاب في الداخل والخارج لكي نقول أنهم جميعا سويا قد أقاموا البنيان، وكل ما قمنا به أثناء وعشية الملتقى الإعلامي أنهم أسندوا إلينا شرف وضع تلك اللبنة الناقصة في مكانها .. لم يحن وقت التصفيق بعد، والقواعد لم ترفع عن البيت بعد، والمعركة لازالت مفتوحة، فمن كان عنده فضل ظهر فليجد به على من لا ظهر له.

  

ونواصل حول معركة التوصيات التي كادت أن تؤدي إلى انسحابنا وإلى فشل الملتقى

  

سالم أحمد سالم

 

باريس

 يوليو 2009