عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  

ما قبل الكتابة

 

قبل أن أتوجه إلى الخرطوم للمشاركة في ملتقى الإعلاميين السودانيين، حمل بريدي الالكتروني مجموعة من الرسائل يحضّني أصحابها على عدم السفر للخرطوم. ومع اتفاق الجميع على أن لا أسافر، لكن بقي الاختلاف في الغايات. فقد كان من رأي بعض الأخوات والإخوة الأعزاء أن سفري إلى السودان يشكل خطرا على حياتي، طبعا بسبب ما أكتبه عن الحكومة السودانية الراهنة. ومن بين هؤلاء الأعزاء من كان يرى أن سفري إلى السودان، في أحسن الحالات، يهدد حريتي الشخصية وسلامتي الجسدية خشية تعرضي للاعتقال أو التعذيب. وقد كدت أن ألوي عنان فرس إرادتي الجامح عن قبلة الخرطوم فقط ولمجرد إرضاء لهذه المشاعر النبيلة من هذا النفر العزيز .. أرضي مشاعرهم مثلما أرضاها الشيخ فرح عندما شرب كوزا من الماء في عز نهار رمضان وهو يقول ما معناه: (أستطيع أن أقضي رمضان، لكن من أين لي أن أجد مرة أخرى خاطر هذا المؤمن؟ والمؤمن كان الذي قدّم كوز الماء للشيخ الصائم! " نعم، من أين لي أن أجد خاطركم مرة أخري يا من أشفقتم علي؟ لكن جواد سفري ليس له عنان .. ما أكتبه كان جواد الرغبة الجامح نحو الخرطوم .. كان البراق الذي طرت به وهبط بي في قلب الخرطوم .. ما أكتبه كان الدافع الوحيد لسفري إلى الخرطوم. كنت بصدد أن أقول للحكومة السودانية وجاهة ما أقوله عنها عن بعد جغرافي. كنت أريد أن ترى عيون الحكومة مني، وهي كثيرة حتى هنا في باريس، وأن تسمع  آذانها من فمي مباشرة ما أكتبه في الاسافير وما أقوله في الفضائيات والقنوات العالمية.

  

الكتابة في تقديري عبارة مجموعة من الأفكار المنطقية المتجانسة، والفكرة هي موقف لا ينفصم عن صاحبه إلا أن يكون مخاتلا يتبعه الغاوون. والموقف لا يحتمي بالجغرافيا ولا يتستر بالمسافات، لذلك كان لابد من السفر وإلغاء المسافة الجغرافية. سافرت وفي يقيني أن التوحد مع الفكرة والمضي معها قدما حتى آخر الشوط لا ينبغي أن يكون عملا أحمقا اعتباطيا يلقي صاحبه نفسه إلى تهلكة بائنة، لكنه موقف يأخذ بكل الأسباب، وقد كان ..

  

ثم أن ما كتبته وأكتبه عبارة عن تفاسير علمية لجوانب قضايا السودان أحاول قدر المستطاع أن أضعها في سياق منطقي من الأسانيد والوقائع والبراهين حتى يسطع القول نابضا واقفا بذاته متجانسا ليس به من فطور أو تفاوت بقدر ما نستطيع نحن البشر من إتباع سنن الكمال. ويظل القول واقفا نابضا من ذاته حتى يأتي من يقارعه بذات وسائل المنطق العقلانية فيعدّله أو يدحضه بالحق والمنطق أو يثبته من حيث أراد أن يدحضه. أما من أراد أن يدحضنا بغير المنطق والحق فليدع ناديه ..

  الحكومة السودانية الراهنة ليست بلهاء حمقاء للحد الذي تستدرج فيه الناس بدعوات رسمية لتعتقلهم أو تقتلهم أمام مرمى ومشهد من العالم، لكن الغريب أن فكرة تعرض بعض المدعوين للمخاطر كانت حاضرة أيضا في ذهن بعض أجنحة أجهزة أمن الحكومة. فقد كنت اشرب فنجانا من القهوة في مطعم الفندق الذي أقمت فيه في الخرطوم عندما اقتحم طاولتي أحدهم. طلب الإذن بالجلوس وأعطى الإذن لنفسه وجلس ليسألني في عبارة طويلة معقدة وملتوية سيئة التراكيب يفهم منها أنه يريد أن يسألني ضمن رسالة مبطنة عن لماذا حضرت إلى الخرطوم مع أن ما كتبته قد يكون سببا في تهديد حياتي وحريتي؟ لم أجد صعوبة في التعرف على هويته. فقلت له: أنا من زمان بكتب وأقول كلامي واركب الطيارة وأجي الخرطوم وحكومتك عارفه كده .. قول لجماعتك لا خايف منكم ولا من حكومتكم .. ألم تسمع ما قاله عبد الله التعايشي عن النّور عنقره؟ .. بعدين زمن التخويف نفسه ولّى من زمان .. وسلّم لي على الجنرال صلاح قوش! قال لي: دي جعليه منك ساكت. قلت له: سقراط كان جعلي؟ واللا إنتو لازم يجيكم خواجه إغريقي روماني حتى تؤمنوا إنو ممكن يقول ليكم كلمة حق بدون ما يكون خائف منكم؟ .. حاول صاحبنا تغيير الموضوع وسألني: إيه رأيك في التطور الحاصل .. الشوارع مثلا .. فقاطعته: بس .. أمسك عندك في كلمة "الشوارع" .. الشوارع عادة تُبنى من الجدار للجدار وليست ألسنة أسفلت وسط التراب تختفي حتى تبنوها من جديد بتكاليف مضاعفة تكون خسارة على المال العام وتدخل الجيب الخاص .. إذا كنتم تريدون بناء شوارع أبنوا شارعين ثلاثة فقط لكن حسب المواصفات العالمية القديمة المعروفة. فجأة أغلق صاحبنا أوراقه وهب واقفا وانصرف بسرعة تاركا خلفه حقيقتين مطبوعتين أولاهما أنه متفلّت من جهة أخرى خارج أطر الدعوة أقحم نفسه بين المدعوين، وثانيتهما أن مسألة تعرض بعض المدعوين للمخاطر كانت أيضا واردة في أدمغة بعض أعوان الحكومة وفروع أجهزتها الأمنية مثلما كانت ورادة عند أولئك الأعزاء الذين أشفقوا عليّ وربما أشفقوا على غيري من السفر للخرطوم. ولعل هذه الملاحظة الخاصة بتوجس الناس تكون مفيدة للحكومة السودانية، أقلها أن تصرم الحكومة عقول وأيادي أعوانها الذين مردوا على سياسة التخويف لأن بعث الطمأنينة في نفوس المواطنين عنصر هام في مستقبل الأيام الوشيكة وانتخاباتها غير مضمونة العواقب .. فالإنسان العاقل لا ينتخب جلاّده ومصدر رعبه وفزعه .. الإنسان العاقل يبحث أولا وقبل كل شيء عن الطمأنينة والأمان والحرية وممارسة الإرادة الذاتية ولتذهب بعد ذلك كل السدود والطحين إلى الجحيم ..

 

أما الفريق الآخر من الأخوات والإخوة الذين نصحوني بعدم السفر للخرطوم فقد كان يرى أن مشاركتي وغيري في ملتقى الإعلاميين من شأنه أن "يجمّل وجه الحكومة. لا أدري كيف يقوم حضوري وغيري بإجراء عملية تجميل لوجه الحكومة علما أن مواقفنا معلنة وصريحة من سياسات الحكومة خاصة لجهة التحول الديموقراطي وشمولية الحكم وإطلاق الحريات؟ التأويل الوحيد لهذا "التجميل" هو أن الحكومة قد وجهت لنا الدعوة بقصد توجيه رسالة للرأي العام المحلي والدولي بأنها حكومة منفتحة تقبل الرأي المناوئ لسياساتها. وهو في تقديري تأويل ضعيف اللهم إلا إذا كان من المتوقع أن نهتف بحياة الحكومة وننضم إلى حزبها بمجرد أن نهبط إلى مطار الخرطوم! وهو بالتأكيد احتمال لا تفكر فيه الحكومة ذاتها لأنها تدرك سلفا أنني على الأقل والبعض القليل من المدعوين لا ينتمون إلى هذه الفصيلة من المخلوقات الهاتفة. بل الثابت أن الحكومة حرصت على دعوتنا لأنها تدرك سلفا أننا لا نتقن الهتاف لها أو لغيرها من أحزاب وحكومات هذا الزمن السوداني. الحكومة دعتنا لأسباب مغايرة تماما لهذه الافتراضات وغيرها من الفرضيات والتأويلات التي سودت الصحف وملأت الاسافير .. أسباب غاية الأهمية في مجريات مستقبل السودان السياسي .. غالبية الذين شاركوا في المتقى أو لم يشلركوا وكتبوا عنه، وبينهم أقلام مرموقة، كتبوا في ظواهر الأشياء ولم يسبروا الغور الحقيقي الذي أرادته الحكومة من دعوتها لبعضنا للملتقى. لم يدركوا أن العدد الكبير من المدعوين كان لوحة خلفية للهدف الحقيقي من الدعوة. وسوف أعمل على معالجة دوافع الحكومة في مقبل هذا السياق لعل الله يوفقني. ثم إن سفرنا ومشاركتنا في ملتقى الإعلاميين ليس مسحوقا رديئا كالذي تستخدمه بعض فتيات السودان في تبييض وجوههن بينما تظل أياديهن وسواعدهن سوداء وسمراء نضرة جميلة من غير سوء. أنا شخصيا لا اقبل إسقاط الدونية والسوء على اللون الأسود .. أو هكذا تفعل قنوات التلفزيون السودانية التي غيبت وجوه بناتنا السوداوات والسمراوات حتى نطل على العالم بوجه زائف مسلوخ .. أو مثلما يحدث في السينما الهندية التي أعطت وجها أبيضا كذوبا لأمة الهند السوداء .. فيلم هندي في تلفزيونات السودان وفيلم هندي هناك!

  

ومن بين هؤلاء من كان يرى ضرورة مقاطعة الملتقى لاعتقادهم أن لا فائدة ترجى من عمل تنظمه الإنقاذ إلا لأهل الإنقاذ. هؤلاء محقون من حيث تجارب سابقة عديدة، إلا أنني كنت أختلف معهم أولا من جهة ضرورة المشاركة لإسماع الحكومة ما نريد، وثانيا حتى لا نترك الفرصة كاملة لأتباع الحكومة لإصدار توصيات حكومية باسم كل الإعلاميين في الخارج، وثالثا لجهة المتغيرات الكثيرة التي طرأت على الساحة السياسية والتي قد تكون مناسبة لنا لإحداث تأثير ممكن على العمل السياسي، ورابعا لمساندة الإعلاميين في الداخل بشأن مشروع قانون الصحافة والدفع معهم بقوة لتخليص الصحافة من الرقابة الأمنية. لذلك قلت بعدم المقاطعة وتكثيف الوجود في المؤتمر خاصة الأقلام المؤثرة. وقد وجد التوجه بعدم المقاطعة مساندة ملحوظة من نخبة من الكتاب والإعلاميين أذكر منهم الكاتبة الدكتورة إشراقه مصطفى، وقد سألت عنها بمجرد وصولي للخرطوم من أجل تكوين كتلة فكرية متماسكة، لكنها كما علمت قد تخلفت هن المجيء في اللحظات الأخيرة لأسباب شخصية.

  

لكن هنالك فئة مختلفة ظلت تمرحك على المنابر الأسفيرية تنعي على المشاركين مصداقيتهم قبل سفرهم. وبعد أن فصلت عير السماء بالمشاركين تلقاء الخرطوم كالت عليهم هذه الفئة عبارات جزافية مثل السقوط في مستنقع الإنقاذ، إلى غير مثل هذه النابيات من فاحش القول. قد نعلم أن هذه الفئة لا تعدو كونها خناصر لزعامات وجماعات سودانية. فإذا كان المرفوض والمحرّم على الصحافي والكاتب والمفكر هو اللقاء بأطقم الحكومة السودانية، فإن زعامات طوائف وأحزاب وحركات السودان تلتقي أقطاب الحكومة في الطالعة والنازلة وتعقد معهم الاتفاقات الظاهرة والباطنية وتؤلف معهم الحكومات بدأ من الدكتور جون قرنق إلى نقد إلى ما هم دون ذلك. ففي الدوحة كان اللقاء المحضور والسلام والمصافحة بين نافع علي نافع وخليل إبراهيم، ولولا أن فشلت الصفقة لكان خليل إبراهيم يشرب اليوم شاي العصر ويتبادل الحلويات الفاخرة وأنخاب المرطبات مع البشير وعلي عثمان ونافع والجنرال صلاح قوش وغالبا حسن الترابي. الدكتور خليل كان الأحق بإدانة قاسية من هذه الفئة لأنه صافح وتفاض مع الدكتور نافع تحيدا .. نافع الذي رفضنا رفضا قاطعا أن يرد اسمه في توصيات الملتقى وقد قلنا ذلك صراحة، كما سوف أبين لاحقا، وكان لنا ما أردنا. ومع ذلك لا ندين الدكتور خليل لأن من حقه أن يفاوض مثلما من حقنا أن نفاوض. وفي الأثر كانت اتفاقية القاهرة المشهودة ومعانقاتها، ثم تراضي الخرطوم، ثم مشاركة صقور الحكومة في مؤتمرات الأحزاب إلى غير ذلك مما لا يستوجب الذكر. فلماذا تعترض هذه الفئة بقبيح العبارة على لقاء الصحافي والإعلامي بأطقم الحكومة السودانية وهذا من صميم عملهم؟ لماذا الاعتراض على لقاء المفكر والكاتب بهم وقد جئنا لكي نقول لهم قولا بليغا في أنفسهم وقولا سديدا في حق الوطن والمواطن، قولا أصالة عن هذا المواطن الذي لا يستطيع أن يتوغل حيث توغلنا، قولا متجردا عن نزوات الصفقات السياسية والتجارية؟ لم لا؟ ولم الاعتراض؟

  

التفسير الذي أجده لهذه الحالة أن بعض التيارات والزعامات السياسية تريد أن تثبتنا بمساميرها على مواقع نقد الحكومة، أي استخدام الكاتب والمفكر كأداة من أدوات الضغط على الحكومة بما يمهد للتيارات والزعامات والجماعات التفاوض منفردة لبلوغ أهدافها وإبرام صفقاتها، ومن بعد ذلك إلقاء الكاتب والصحافي في أول سلة مهملات أو رصيف أو خور بعد أن تكون قد قضت منه وطرها. الميرغني والصادق المهدي والشيوعي والبعثي وما يسمى بالتجمع جميعهم قلبوا ظهر المجن للأقلام التي ظلت تتقدم صفوفهم في أشرس المعارك ضد الحكومة بمجرد أن أبرمت هذا الزعامات والجماعات معاهداتها وصفقاتها مع هذه الحكومة واستعادت ممتلكاتها الشخصية المسروقة من الشعب ورزنت مجالسها في كراسي الوزارات الوثيرة وقاعات المجلس الوطني المكيفة تخلف رجلا وتهز الأخرى، والصحافيون وقوف على الهجير أمام المجلس الوطني حتى رحمتهم كوامر الجنرال قوش إلى ظل سجن ذي ثلاث شعب. عادت الزعامات ورؤوس الجماعات على وثير محفات الوفاق والاتفاقات وتركوا الأقلام والمفكرين وراءهم ظهريا يتلمظون حسرات المهاجر. وإذا كان قد جانفني الصواب هنا، فليقل لنا هؤلاء ماذا فعل زعماؤهم من أجل الأقلام والمفكرين والصحافيين الذين خاضوا معركة الرأي العام وفتحوا لكم أيها الزعماء صفحات الصحافة الدولية وفضاء الفضائيات؟ ماذا فعلتم أيها الزعماء العائدون المصالحون لكتّاب وأقلام في قامة صديق محيسي ومحمد عتيق وأخواتهم وإخوانهم؟ لا شيء، وأنا عليم بمرارات وحسرت نفر كريم من هؤلاء الكتاب والمفكرين ..

  

والمؤسف أن لهذه التيارات والزعامات والجماعات خناصرها التي تحركها متى شاءت عبر كل المواقع الاسفيرية وشبكات الانترنت لممارسة الضغوط على الكتاب والمفكرين والصحافيين لإحراجهم بجارح الكلام وسفيه القول كأنهم بسفرهم للخرطوم قد قتلوا حسينا أو رموا بالمنجنيق قداسة البيت الحرام (على حد تعبير شاعرنا صلاح أحمد محمد صالح، وقد أخطئ في نسبة القصيدة لأنني أكتب من غير مراجع، والتي يقول مقطع منها: ومَدَدْتُّ كفّي بالسّلامْ .. لكنّ كفّك في الطريقِ ترددتْ وتَعَثّرتْ .. فكأنما كفّي حرامْ .. وكأنما قَتَلَتْ حُسينا أو رَمَتْ بالمنجنيقِ قُداسة البيت الحرام ... ) ولكم في هذا المقطع البديع استراحة لا تلهينا عن المواصلة .. 

  

وحتى الحركة الشعبية لم تكن بمفازة عن نجاسة التخلي عن الكتاب والصحافيين ونبذهم وكسر أقلامهم وسجنهم ووضع القيود الحديدية على معاصمهم وإفقارهم بالغرامات المليونية ومصادرة مطابعهم وممتلكاتهم. فقد قدمت الحركة الشعبية للحكومة ومجلسها الوطني أسوأ قانون دكتاتوري قامع مر على تاريخ الصحافة السودانية، حتى أن الحركة الشعبية نفسها خجلت من مشروع قانونها وسعت إلى سحبه، لكنها فشلت في سحبه. فقد تمسكت الحكومة بمشروع قانون الحركة الشعبية لأنها، أي الحكومة، وجدت فيه ضالتها لتضرب الحركة والصحافة بحجر واحد .. حجر مشروع القانون الذي قدمته لها الحركة الشعبية! ولولا أن تصادف مناقشة المجلس الوطني لمشروع قانون الصحافة عند خواتيم مؤتمر الإعلاميين لأجاز الشريكان مشروع قانون الصحافة إلا من بعض اللمم من التعديلات على الهوامش. فقد كان لي أن أشارك في اجتماعات الكتل البرلمانية وتوجيه نقد أردته أن يكون لاذعا لفقرات مشروع القانون، وقمت بشرح العلاقات التعاقدية بين جهات إصدار الصحف ثم اقتراح التعديلات الأمر الذي أثار حفيظة الدكتور غازي صلاح الدين، حتى شرع د. غازي في إجراءات طردي من الجلسات لولا أنني دفعت إليه بصورة من موثق من حكومته! وسوف أعود لاحقا إلى سرد كيفية مشاركتي وتفاصيل تلك الجلسات التي انتهت إلى قبول الكتل البرلمانية للتعديلات التي اقترحناها وإجازة المشروع بالإجماع. وإلى حين أن أعود لهذا الموضوع، أقول إذا لم ينجز ملتقى الإعلاميين مثقال خردلة، يكفي أننا انتزعنا هذا القانون بالحد الأدنى من العلل التي يمكن معالجتها مستقبلا بعد أن كان القانون بؤرة عراك طاحن بين الحكومة والحركة الشعبية بينما الصحافة والصحافي مجرد أداة ضمن أدوات الحرب في معركة الشريكين.

  

الزعامات والحركات المذكورة تريد بخناصرها الأسفيرية وأدواتها البدائية الإبقاء على المفكر والكاتب والصحافي مجرد طلقات في بندقيتها تطلقها متى تشاء ولا تعبأ بمظروف الطلقة، أو قل كمستودع خلفي تستلهم منه الأفكار والسياسات وهي عاطلة عنها، أو قل مجرد بقرة تحلب لبنها وتذبح وتشوي أبناءها. والأعجب أن الزعامات والحركات ترى أنها وحدها التي يحق لها إجراء الحوارات والمفاوضات المباشرة مع الحكومة .. ذات الحكومة، وما على الكاتب والمفكر إلا أن يبقى في زريبة الصفوف الخلفية يناولها لبنات وبنات أفكاره ولا أجر مناولة. لذلك كلما تقدم المفكر والكاتب للقيام بدوره الطليعي المباشر في البحث والتفاوض غرست الزعامات والحركات خناصرها الأسفيرية في ظهره وشدته بمخالب شداد غلاظ ليعود إلى زريبتها الخلفية .. ومن لا تنجح في إعادته للحظيرة تطلق عليه الرصاص من الخلف!

  

الكاتب المفكر هو الذي يخترع مواقفه ويصوغ أفكاره بنفسه ليس عليه مسيطر إلا أرادته الذاتية وما يقتضيه التبصر والإطلاع والحوار لتدعيم وتقويم أفكاره. لذلك لا ينبغي أن يملي عليه أحد متى يتقدم ومن يفاوض أو يقابل. واليوم انتهز المناسبة لإعلان هذه المفاصلة ولتعرية هذا الأمر لتعرف الزعامات والجماعات أن زمن حبس المفكر والكاتب في زرائبها الخلفية قد انتهى وولى، ودخلنا في الزمن الذي يقوم فيه المفكر والكاتب بدوره الطليعي والطبيعي في التفاوض المباشر وفي التعبير المباشر والشجاع عن قضايا الأمة .. وإذا شاءت الزعامات والحركات فلتستخدم خنصرها الإسفيرية في هرش ظهورها أو أي جزء آخر من جسدها .. نحن ضمير الأمة، فمن يتحدث صدقا عن الأمة غير ضميرها؟ 

 

ونواصل

  

سالم أحمد سالم

 باريس