لابد من تفعيل القطاعات المهنية والإنتاجية والتخلي عن الثورة الجماعية ..

الحكومة فككت المجتمعات إلى قبائل وكتل مأزومة وفشلت في إلغاء التغيير ..


ما بال هؤلاء المارة يمرون من خلالنا بغير اكتراث؟  ..
نحن على وشك أن نلتحم بكتائب الحكومة من أجل حقوق هؤلاء المارة؟ فلماذا يضنّون علينا
بكلمة تشجيع أو حتى بنظرة مؤازرة عابرة؟ ..
الأسئلة تدور في ذهن هذا الشاب السوداني وفي أذهان المئات من أقرانه الذين تجمعوا على هيئة مجموعات صغيرة متفرقة استعدادا للتظاهر .. 
قبل طلوع الفجر كانت جحافل مليشيات الحكومة المتنكرة في ملابس الشرطة قد اتخذت خطوة استباقية وحاصرت مداخل الجامعات والطرق المؤدية إليها واحتلت الميادين ووسط العاصمة الخرطوم والمدن الكبيرة ..
المارة الذين يطرقون الشوارع في هذه الساعات الباكرة ظنوا أن انقلابا عسكريا قد وقع .. لكنهم يمضون مسرعين إلى وجهاتهم المتقاطعة لا يبالون بانقلاب ولا يقتربون من شاحنات الجنود ..
مع طلوع الشمس، بدأت أعداد المارة تتكاثف في وسط المدينة تقذفهم أحشاء الباصات والحافلات المتهالكة في مواقف المواصلات فينطلقون مسرعين في كل الاتجاهات .. وبعضهم قد يمر بك أكثر من مرة جيئة وذهابا! .. 
جموع المارة تخترق مجموعات الشباب المتناثرة على أرصفة الشوارع .. 
بعض الشباب من الطلاب أخذوا طريقهم إلى داخل مباني الجامعات دون أن يعترضهم الجند ..
والآخرون وقفوا على الأرصفة يرقبون السيارات المحملة بالمليشيات .. 
الشباب يتجمعون لإطلاق تظاهراتهم التي أعلنوا عنها .. مظاهرات ضد الغلاء والجوع وقمع الحريات والبطالة وفصل الجنوب والحروب التي عمت البلاد .. وكلها أسباب وجيهة للتظاهر والثورة ..
الشباب يقفون على نواصي التوتر تدور في أذهانهم تلك الأسئلة الحائرة عن لامبالاة المارة، تخالط أفكارهم أحلام متقطعة في أن ينضم المارة إلى المظاهرات .. لم لا يحلم الشباب بانضمام المارة والناس أجمعين وقد خرجوا، أي الشباب، مصبحين للتظاهر من أجل هؤلاء المارة الذين يتلبّسهم الفقر ويتدثرون الفاقة؟ ..
لكن مئات المارة يواصلون اختراق الكتل الشبابية الشحيحة المتناثرة دون اكتراث ..

ماذا يدور في أذهان هؤلاء المارة؟ .. مسحوقون أحذيتهم تهرأت من الركض وذبل الأمل على محاجرهم .. ومع ذلك لا يلقون بالا إلى الشباب الذي يستعد للاصطدام بمليشيات الحكومة العسكرية من أجلهم .. من أجل هؤلاء المارة الذين لا يهتمون لا بالجند المدجج ولا بالشباب القلق المتوثب ولا بمظاهر وقوع انقلاب عسكري .. إنهم يركضون وكفى !

تعالوا إذن نطرح نفس السؤال الذي دار في أذهان الشباب قبل أن تبددهم كراديس مليشيات الحكومة .. لماذا لم يهتم المارة؟ ولماذا لم ينضموا إلى مظاهرات هي في الأساس من أجل حقوقهم وفقرهم وبؤسهم وحريتهم؟ ..        
حزمة من الإجابات نجدها متناثرة في رؤوس هؤلاء المارة .. فلندخل بخيال الواقع إلى صدروهم نسمع ونرى .. هذا جاء من أقصى المدينة يسعى لشراء دواء .. أرفف الصيدليات معبأة بالدواء، لكن سعر الدواء غال وجيبه خواء، لذلك فهو في طريقه إلى شخص في الطرف الآخر من المدينة لعله يجد تكملة لقيمة فاتورة الدواء .. وهذه ذاهبة إلى المقابلة رقم 17 للحصول على وظيفة، فهي لا تلوي على شيء .. وهذا عامل وتلك موظفة وهؤلاء مجموعة من الموظفين في طريقهم إلى مواقع العمل، وهذه مجموعة من الصبية المشردين ينقبون في القمامة لا يعرفون الثلاثاء من الجمعة .. وغيرهم من المارة الذين تجمعهم المصائب وتتفرق بهم سبل السعي. معظمهم يعرف أن الشباب يتأهبون لإطلاق تظاهراتهم المعلن عنها من أجل تغيير هذا الواقع الفجيعة، لكن هذا لا يريد أن يفقد عمله في حال اعتقاله فلا يجد عملا آخر وتلك تأمل في وظيفة، وثالثة تفكر مهمومة في كيفية الاحتفاظ بعملها وشرفها .. وكذا الحال عند غالبية المارة، موقنون بأهمية التغيير، لكنهم وإن بدوا كتل بشرية متزاحمة في الطرقات والمواصلات، لكنهم فرادى في دواخلهم .. يعايشون نفس الظرف القاهر جمعا وتلمهم المصائب لمّا وتحزمهم حزما، لكنهم يواجهونها فرادى ..

التفكيك والجلوس على كوم الخراب ..

قبل تنفيذ انقلابها العسكري في 1989 كانت الحكومة العسكرية الراهنة قد استوعبت الدرس! الدرس أن القوة العسكرية وحدها لن تسعفهم عندما يلقي الشعب السوداني بثقله في تغيير الحكومات الدكتاتورية. حدث ذلك إبّان ثورة أكتوبر الشعبية في 1964 التي أطاحت حكومة الفريق إبراهيم عبود العسكرية، ثم مرة ثانية في انتفاضة أبريل 1985 التي أطاحت حكومة جعفر نميري العسكرية. والطلاق مرتان! والحكومة العسكرية الراهنة لا تريد أن تقع عليها الطلقة الثالثة، طلقة البينونة الكبرى التي متى ألقاها الشعب السوداني على الحكومات العسكرية فلن تكون هنالك من "رجعة" ولن تصبح الديموقراطية مجرد محلل! لذلك، وعلى مدى أكثر من عقدين من الزمان، جمعت الحكومة العسكرية كيدها وألقت حبالها لتفكيك وتفتيت المجتمعات السودانية، ثم جلست في وسط كوم الخراب لتمسك بخيط كل فئة على حده. الجنوب حارب مع سند شمالي وصالح الحكومة وحده، شرق البلاد حارب جماعة وفاوض في فريقين، وفي دارفور تشن الحكومة حربها على الجميع وتفاوضهم فرادى، وأهل كجبار يقتلهم الرصاص الحي ولا بواكي لهم في كريمة، ومشروع الجزيرة أهم روافد الاقتصاد يتم تدميره وبيعه في سوق النخاسة الاقتصادية، بينما الخرطوم يشنقها الحزن ويراودها المتسولون من شيوخ الجزيرة التي كانت مروية، وسكك حديد السودان التي كانت أكبر شبكة حية خارج أوروبا، يشرّد مئات الألوف من عمالها ومهندسيها ويصهر حديدها لصناعة الدبابات والمدافع والطلقات التي تنغرس في عظام الأبرياء بينما شرق البلاد لا يسمع إلا صدى الطلقات القليلة التي تطيش، وكردفان "الغرّه ام خيرا بره" تنام على الطوى وتستعجب لماذا يترك عيال الفور ديارهم وإليها يلجأون. وعن إيقاظ النعرات القبلية فحدّث .. دناقله محس شوايقه هدندوه خاسا مسيرية بديرية دهمشية وغير دهمشية وشكرية وحلاوين وبطاحين وحلفاوي وكنزي غرابه وشراقه وجلابة دينكا ومساليت ونوير وجانقي وجعليون أصبحوا حائط مبكى الجوع وجمرة للشيطان يرجمها الغادي والرائح بجرائم رئيس مجعول.

هذا هو التفتيت، وهذه هي الحكومة العسكرية التي سمت نفسها حكومة "الإنقاذ" وقد نغزت أنصالها في عصب التماسك وجالت في حشاشات الوئام الاجتماعي وفصلت الجنوب ودارفور تقف على صف المغادرة بيدها تذكرة ذهاب بلا عودة. هي الإنقاذ التي قسمت السودان وَمَزَّقْته كُلَّ مُمَزَّقٍ وجعلته أَحَادِيثَ وشيعا كما لم يفعل سيل العرم بأهل سبأ أو فرعون مصر بقومه الذين استخف "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ" وبلغ التفتيت ذروة الوقاحة حتى صار السؤال عن القبيلة خانة في كل الاستمارات والوثائق الحكومية، وسؤالا رسميا في مخافر الشرطة: قبيلتك شنو؟ ..
بديهي إذن أن يتنزل التفتيت العرقي والقبلي والجهوي إلى مستوى القاعدة الاجتماعية. ينزلق التفتت إلى أسفل فيصيب غضاريف القرية والأسرة ويصعد فيصيب الانتماء الوطني في مقتل. وها هو يتجسد في عدم اكتراث المارة بالشباب المنتفض. وقد اتبعت الجماعة الحاكمة وسائل أخرى عديدة لبلوغ قمة الخراب والتفتيت الاجتماعي، منها:

بالإفقار وضرب القيم ..

إذلال المجتمعات السودانية بالفقر أحد الوسائل التي أتقنتها الجماعة العسكرية الحاكمة في تفتيت البنية الاجتماعية على مستوى خلية الأسرة والصاحب والجار. فقد بدأوا بتدمير المشاريع والصناعات وشردوا ملايين الكفاءات وأحرقوا الأرض بالحروب وحطموا كل تروس الإنتاج وهشموا الطبقة الوسطى شظايا وألحقوها بقاعدة الفقر العريضة، أو بتنفيرها خارج البلاد، وحولوا الاقتصاد إلى مضاربات وحصروا الثروة المغتصبة في فئة قليلة أشحة. لا غرابة إذن أن نرى شعبا يرتدي أسمال الفقر والفاقة يهيم حافيا على أرض غنية بكل شيء. والجوع كافر وبيوت النمل أضحت خاوية، لذلك قال الراشد عمر لو كان الفقر رجلا لقتلته، ولذلك أكلت الحرة في السودان من ثدييها، ولذلك تصرف الجوعى في كل ما تصل إليه أيديهم من أمانات وحقوق للغير بعد أن باعوا كل شيء كانوا يملكون. من ذلك فقد دفع آلاف وربما عشرات آلاف المهاجرين السودانيين بحصاد الغربة والعمر إلى القريب والصديق لكي يشتري لهم أرضا أو بيتا أو حتى تسليم مبلغ من المال إلى أسرهم في السودان، فلا منزل وجدوا ولا أموال وصلت .. فخسروا المال والصديق والقريب. والحال أشد سوءا في العلاقات البينية داخل السودان، حيث خسر الناس بعضهم وأقاربهم بسبب التصرف في أموال وحقوق الغير بسبب ضيق ذات اليد والفاقة والغلاء. المسغبة والظرف الاقتصادي الطاحن دفع الشريف العفيف إلى التصرف في حق غيره على أمل أن تنفرج، لكن حلقاتها تضيق وتستحكم ويقع الشريف في المحظور، فما بالك بغير الشريف؟ وبزوال الثقة في القريب، لجأ الناس إلى الغريب، فوقعوا في مصائد جماعات النصب والسماسرة اللصوص ومعظمهم من طفيليات الحكومة الذين يحميهم قانونها. وهكذا انهدّ ركن هام من أركان التكافل والقيم الاجتماعية السودانية، وحل محله فقدان الثقة والكل يصرخ لنفسه في يوم المتربة. ومن بين تشققات التفتيت والإفقار وتبدد الثقة، خرجت لامبالاة المارة التي حيرت الشباب.

إفقار المجتمعات لم يكن بسبب أخطاء وقعت فيها الجماعة الحاكمة، لكنه نتيجة تدبير مسبق أقدمت عليه "الجبهة الإسلامية" قبل انقلابها العسكري منذ حقبة تحالفها مع حكومة نميري العسكرية. آنذاك، استغلت "الجبهة الإسلامية" أموال مصارفها المسماة بالإسلامية في شراء وتخزين واحتكار السلع الغذائية الضرورية. كان الإطباق على حلق الشعب أول خطوة ماكرة في خطة التركيع. وعندما نفذت انقلابها العسكري عمدت "الجبهة" أولا إلى تحطيم المشاريع الكبرى مثل مشروع الجزيرة والمناقل وسكك حديد السودان والمشاريع الزراعية المروية والمطرية المتوسطة والصناعات مثل مصانع الغزل والنسيج وغيرها من المصانع التي تحولت اليوم إلى أطلال ليس فيها فئران فلا يتغشّاها البوم. كان هدف الجماعة الانقلابية هو ضرب القوى الكثيفة المتمركزة في هذه المشاريع والصناعات، وهي القوى الاجتماعية التي كانت المفاعل والفاعل الرئيسي في متغيرات السودان السياسية. وطبعا ضرب المؤسسات الإنتاجية أدى إلى الانهيار الاقتصادي. وبرغم الخراب الواضح المقصود، يزعم رؤوس الحكومة بلا حياء وإلى اليوم أنهم جاءوا "لإنقاذ السودان والمواطن" ! .. حتنقذوهو بسجمكم وقد حطمتم بأيديكم وعمدا كل مقومات النهوض والحياة الكريمة؟
بديهي إذن أن يلعب الإفقار دوره العضال في اضمحلال القيم وتفتيت المجتمعات السودانية، وإنتاج هذه اللامبالاة التي حيرت الشباب. وبسبب الجوع والبطالة والمرض، "يتدافر" الناس اليوم بلا رحمة حول قليل اللقمة وشحيح الدواء وما يستر العورة، وتراجعت مطالبهم بالحرية والحياة الكريمة إلى "الحياة" ..

باحتلال النقابات والاتحادات

ضمن تدابير التفتيت وفرض الهيمنة، فقد شددت الجماعة العسكرية الحاكمة قبضتها على النقابات والاتحادات المهنية والعمالية كافة، فهي بذلك لا تشذ عن شذوذ الدكتاتوريات كافة. فالنقابات الحرة القوية هي العدو الأول للدكتاتوريات. كذلك فرضت الجماعة المستولية بدعة "نقابة المنشأ" فأصبحت النقابات والاتحادات، المسيطر عليها أصلا، عبارة عن فتات عديم الفاعلية. طبعا لم يكن في مقدور الجماعة الحاكمة فرض هيمنتها على النقابات إلا بقوة السلاح والإرهاب وتشريد القيادات النقابية وكل من يحاول الخروج على الهيمنة. ولا شك أن تكسير المؤسسات المنتجة وتشريد القيادات النقابية وضرب الكثافات الإنتاجية القوية قد قضت على الحركة الإنتاجية في البلاد، ولن ينهض الاقتصاد أبدا إلا بعودة الإنتاجية لهذه المؤسسات مثل مشروع الجزيرة والسكك الحديدية والتعليم، وعودة الإنتاجية رهين بعودة القوي الكثيفة المنتجة، الأمر الذي لن تسمح به الحكومة العسكرية الراهنة حتى لو أكل الناس أطفالهم!

بالقتل والإرهاب والاغتصاب ..

القتل والتعذيب ونشر المليشيات المسلحة والإرهاب الاجتماعي وجرائم الاغتصاب واستحياء النساء والاعتقالات والسجون ومحاكم التفتيش الجائرة وغيرها مما لا يحصى من وسائل القهر المسلح التي تمارسها الجماعة الحاكمة لعبت دورها في تفكيك المجتمعات السودانية. الشك أصبح في القريب والجار وزملاء العمل، والجماعة الحاكمة ما انفكت تغذي أفاعيلها ببث الإشاعة والدس بين الناس. زد على كل ذلك أن الجماعة الحاكمة هي خلية في الشبكة الاسلاموية العالمية التي تمدها بأبشع وسائل وأدوات تفتيت وقمع المجتمعات. فلو كانت الخلية الاسلاموية السودانية تقف لوحدها لكان قد دحرها الشعب السوداني من زمان، لكنها واجهة لشبكة دولية قوية متدثرة بثياب الإسلام متمرسة على قهر الشعوب وتملك المال والسلاح والمخدرات وبيوت الخبرة وأجهزة الإعلام المؤثرة. السودان أضحى وكرا لهذه الجماعات ومستودعا ومعبرا لأسلحتها وقاعدة لنشاطاتها الإقليمية. ولن تسلم الأقطار المجاورة طالما بقيت الحكومة العسكرية الراهنة تتحكم السودان ..

وأحزاب الطوائف ..

واذكر في الكتاب أحزاب السودان الطائفية التي لعبت وتلعب دورها في عملية تفكيك المجتمعات السودانية بتمييع قاعدة الحزب وصهرها وصبها في شخص الزعيم. نعم الحزب السياسي هو مؤسسة اجتماعية مملوكة للمجتمع وتفتيته ممنوع لأنه تفتيت لقوى المجتمع. نحترم الولاء الروحي طالما أنه يخص صاحبه بعيدا عن السياسة. لكن عندما تصبح الطائفية العمود الفقري للحزب، فإنها تجعل الحزب يقوم على سلطة الفرد لا على البرنامج المقيد لسلطة الفرد ونزعاته. لذلك انتهى كل حزب إلى "حزب في رجل" أو العكس. على سبيل المثال، فقد شاهد السودانيون خلال الآونة الأخيرة لعبة "رفع الحماس وتبديد الحماس" التي مارسها زعيما الحزبين الطائفيين، وظلا يعكفان عليها منذ سوءة الانتخابات الأخيرة إلى يوم الناس هذا. زعيم طائفة الأنصار وحزب الأمة السيد الصادق المهدي يعلن أكثر من مرة أنه سوف يعمل على إسقاط الجماعة الحاكمة أو التنحي، لكنه سرعان ما يتراجع إلى منطقة ضبابية من التفاوض تستره عن التنحي، الأمر الذي تسبب في إرباك شباب الحزب وإطفاء حماسهم الوطني. ثم زعيم طائفة الختمية والحزب الاتحادي الديموقراطي السيد محمد عثمان الميرغني الذي وضع أتباع حزبه في ثلاجة تجميد من الصمت عليهم مؤصدة، ثم غط في نومه وضبط المنبه ليوقظه في أغسطس ليجد كومه. فالواضح جدا أن الزعيمين يمارسان عملية "قتل الوقت" إلى حين موعد إعلان انفصال الجنوب في أغسطس واستلام حصتيهما في قسمة ثروة السلطة من الجماعة الحاكمة، ومن ثم يعود السودان إلى أثافي "مثلث الجبهة الاسلاموية وزعماء الحزبين الطائفيين" ..
موقف الزعيمين مزق شباب الحزبين بين اتخاذ موقفهم الطبيعي المنحاز إلى حركة الشباب، وبين إتبّاع مواقف الزعيمين. وطبيعي أن يؤثر انحسار شباب الحزبين سلبا على حركة الشباب في البلاد كإضافة سالبة لحالة اللامبالاة. ولا علاج لشباب الأحزاب إلا أن يخلقوا لأنفسهم كتل شبابية قوية ومتماسكة ومؤثرة كل داخل حزبه، وليس في ذلك خروجا عن الحزب أو على زعامته إن كانت الزعامة ساعية إلى تقوية الحزب كمؤسسة اجتماعية متطورة .. بغير ذلك فإن الشباب "يخرجون" ..

بالتشريد والتهجير ..

التشريد الجماعي من الوظائف والمطاردات هجّرت ملايين الكفاءات السودانية إلى خارج البلاد، غالبيتهم من حملة الوعي السياسي خاصة الطبقات الوسطى والعمال رأس الرمح ومحرك المتغيرات السياسية والانتفاضات الشعبية. التهجير كان ضخما حيث بلغ تعداد المهجّرين نحو ثمانية ملايين، ما يقارب تعداد مواطني أقطار الخليج والسعودية، وكان تهجيرا جماعيا لأنه تم خلال فترة قصيرة لم تجاوز عشر سنوات. التهجير الجماعي الكبير أفقد السودان جل كفاءاته وأحدث زلزلا عنيفا في التركيبة السكانية وفراغا سكانيا وسياسيا هائلا خاصة في المدن. وتبعا لذلك، وبسبب الحروب والظروف المعيشية الطاحنة، فقد هاجرت ملايين أخرى من الأرياف ملأت الفراغ في المدن وفاضت إلى أزمات في الأرياف وفي المدن معا. على أن الملايين التي هاجرت من الأرياف إلى المدن، برغم وعيها وحسها الوطني، إلا أنها مازالت تتشكل على الأداء السياسي الجماعي. وما زاد في صعوبة تشكّلها أن الملايين حاملة الخبرة السياسية الجماعية تم تهجيرها إلى خارج البلاد، الأمر الذي حرم الوافدين إلى المدن من تلقي "الخبرة" الكافية في العمل السياسي الاجتماعي الجماعي. فقد حدث ما أستطيع تسميته "انقطاع في تواصل الخبرات السياسية وثقافات التغيير" فالخبرة في هذه المجالات لا تختلف عن الخبرات المهنية الأخرى.
ولحسن الحظ، فقد ساعدت التقنية الحديثة في ردم بعض الفجوة، حيث يشارك المهجّرون في نشر الوعي السياسي داخل السودان عبر شبكات الانترنت وصفحات الفيس بوك والرسائل القصيرة. وهذا دليل على حس وطني رفيع لدى المهجّرين، وبرهان أنهم قد حملوا معهم الوطن هما ومشاركة. اللافت في كتابات معظم المهجرين أنهم يشاركون الشباب حيرتهم إزاء موقف الشارع السوداني غير المكترث، حيث يروى المهاجرون شارعا مختلفا عن الشارع الذي كانوا يعرفون! لكن ربما نسي المهجّرون أنهم أنفسهم كانوا جزء مهما من مكونات ذلك الشارع، وكانوا أنفسهم يسهمون بقدر فعال في صناعة الأحداث وفي تواصل التجربة السياسية الاجتماعية! وينبغي أن لا يتأثر المهجّرون بحملات التخذيل التي يشنها طفيليو الحكومة وكتبتها مثل وصفهم للمهجّرين بعبارة "مناضلي الكيبورد" نعم هو نضال جاد له مفعول السحر، ومسبار الهلع الذي دخل في الجماعة الحاكمة يؤشر إلى معدلات خوفها من الانترنت والفيس بوك ودفعها إلى تشكيل "كتيبة مليشيات مسلحة بالبنادق" لسحقهم! .. بس يسحقوهم بالبنادق كيف؟ الله أعلم! ..

سوق الذمم والأقلام ..

وضمن سياسة التفتيت اشترت الجماعة العسكرية الحاكمة بعض الأقلام المفروشة في سوق نخاسة الضمائر وأرصفة نجاسة المنقلب، يكتبون لها ما يفتت المجتمعات ويشيع الفرقة ويضيع البوصلة على الرأي العام. طبعا لا اقصد هنا أقلام الحكومة المعروفة التي لا تواري سوءة ما تكتب، فهؤلاء لا أملك إلا أن أهنئهم على هذه الجرأة على الحق والحقيقة! لكنني اقصد الأقلام القليلة التي تكسبت من مناهضتها السابقة للحكومة، ثم باعت ما اكتسبت لنفس الحكومة! إنهم حصان طروادة الذي أرادت أن تدخل به الجماعة الحاكمة إلى حصن الشعب الرافض للحكم الدكتاتوري الماثل. على سبيل المثال هذا الهمام الذي اشترته الجماعة الحاكمة نقدا وعينا بصفقات ملتوية، فالتوى قلمه في تدبيج المقالات التي تصرف الناس إلى أمور هامشية ومعارك انصرافية، يمدح الدكتاتورية بما يشبه القدح، جبان يتخفّى في الأسافير وراء اسم مأجور ورسم غيره، يحاول عبثا اغتيال شخصيات أصحاب الأقلام المفندة لولي نعمته الحكومة العسكرية، جبان حتى وهو متستر لأنه كلما حاول النيل من قلم، نجده يدفع أمامه أحد أذيال الحكومة أو من يفلح في التغرير بهم عبر مكالمات هاتفية .. وكله بأحره! والملهاة البايخه أنه كلما عرّى المتابعون مقالاته مدفوعة الأجر، ينهض للدفاع عنها تحت نفس الاسم والرسم المأجور بذات عباراته وأسلوبه الذي يستخدمه في مقالاته التي ينشرها باسمه الحقيقي! طبعا طالما أننا نستطيع انتقاد الحكومة ولي نعمته لن يعجزنا ذكر اسمه، لكن يعز علينا منحه هذا الشرف برغم معرفتنا تفاصيل عملية الشراء! فقط أتساءل مع عمر الخيام: عجبت لهذا البائع لقلمه، أيشتري بالمال أفضل مما يبيع؟ .. مشكلة هذا الهمام وغيره أن أقلامهم هي التي ترفع الأسمال عن مؤخراتهم لأنهم يحاولون الوقوف بين حق الشعب وبين باطل الحكومة الدكتاتورية، فلا يجدون منطقة وسطى بل شفرة حادة من وعي الشعب. صحيح أن التحذلق المكتوب قد أضل البعض، لكن إلى حين قصير كشف فيه الشعب السوداني كمية السم المدسوس في دسم الكلام. والبائعون لأقلامهم هم في الواقع مجرد حجارة استنجاء تستخدمهم الحكومة بعد قضاء الحاجة وتلقي بهم فوق حاجتها وتنصرف، لكن نذكرهم هنا نسبة لخطورة الإعلام المضل، وأيضا للتذكير بالمال الذي تغدقه الحكومة العسكرية في شراء الأقلام والذمم كأدوات شيطانية في تفكيك المجتمعات وفي تدمير القيم.

لا يأس يا شباب .. ولا طمأنينة للدكتاتورية:

الحالة التي عرضنا هنا لبعض جوانبها تبدو قاتمة وقد توحي بالإحباط. لكن بمجرد النظر إلى تاريخ السودان السياسي القريب نجزم أن الحكومة الدكتاتورية حالة عارضة لكونها خارج منطق التطور الكوني، سنة الله التي لا مبدل لها. فقد اقتلع السودانيون استعمارين تركي وبريطاني جثما لأكثر من مائة عام واشبعا السودانيين قتلا وتفريقا. ثم أزاح السودانيون حكمين عسكريين كؤودين. فالدكتاتوريات والاستعمار مهما استمرت تظل في خانة الاستثناء ولن تصبح أسلوبا ثابتا للحكم حتى تذهب جفاء. وقد أشرت إلى هذه الحقيقة الكونية في سياقات سابقة، ثم جاءت متغيرات تونس ومصر وليبيا واليمن لتثبّت أن حكم الشعوب لأنفسها هو الأصل في آلية حركة التطور الإنساني. لا عاصم عن التغيير والحكومة العسكرية زائلة مهما حشدت المليشيات وحشرت الأقلام، وسوف تنكفئ الجماعة وتنقلب صفحة التاريخ، ولا ينبغي أن يصيب اليأس الشباب، فالتغيير قادم بأيديهم وكل الشعب السوداني الذي يفجعهم اليوم بلامبالاته. لا يأس لأسباب عديدة ومبشّرة منها:
- أن المجتمعات السودانية ثائرة ومتمردة بطبعها وغير قابلة للإرغام لأنها ذات تركيبة متحولة نحو الأفضل، قلقة في تاريخها وموقعها وطقسها الجغرافي والسياسي الذي يصعب التنبؤ باحتمالاته،
- آلاف السنوات من التراكمات الحضارية لا يمكن تبديلها في بضع سنين، فقد اندثر التمكين.
- ما ارتكبته الجماعة الحاكمة بقدرما به من فظاظة ومظالم، بقدرما مهد للثورة وأنضجها تماما ..
-  الحكومة العسكرية تقف على عصاتين من القهر والتخويف، وقد ولى زمن القهر والتخويف بدليل تصاعد وتيرة الاحتجاجات والتظاهرات التي لم تعد قابلة للانحسار ..
- لم تقدم الجماعة الحاكمة مشروعا واحدا فيه خير. حتى سد مروي الذي قطع مجرى النيل والأعناق والأرزاق جاء دينا واجب السداد ونغمة على البشر والاقتصاد والبيئة والتراث التاريخي ومرتعا للأمراض ولا ينتج كهرباء ذات جدوى، وماؤه غور مصري الهوى. كارثة بكل المقاييس أغرق الزرع وأهلك الضرع والنسل وخالط ماؤه دم الأبرياء وعظام الموتى. وإذا أضفنا ذلك إلى كوم الفظائع والجرائم والخراب، فلن يندم أحد على رحيل الجماعة العسكرية الحاكمة .. طبعا عدا الذكرى السيئة واللعنات التي سوف تطاردها من جيل إلى جيل .. باشبزق هذا العصر ..
- اثنان وعشرون عاما من الحكم وضح خلالها للشعب السوداني أن الجماعة الحاكمة لم تأت من أجل مشروع حضاري أو تنموي أو أخلاقي أو ديني كما تزعم قولا، بل لسرقة الثروات ونهب الأموال ونشر الفساد والتلذذ بتمريغ المؤخرات على كراسي الحكم، وهي محصلة كافية لتوليد طاقة هائلة من الحقد الاجتماعي الحاصل.
- هي حكومة مكروهة في أعلى معدلات الكراهية. لم يكره الشعب السوداني في تاريخه حكومة أو استعمارا مثل كرهه لهذه الجماعة. حتى ملافظهم كريهة ونتنة وسوقية من "لحس كوع" "وتحت جزمتي" وغيرها من قبيح القول الذي يضاهئون به ذميم أفعالهم. حتى عناصرهم المبثوثة في المواقع الاسفيرية قميئة تحرّض من لا يكره على كراهية الجماعة الحاكمة فردا فردا .. فلا بأس من كل ذلك لأن كراهية الشعب للحكومة هي وقود الثورة.
كل ما فعلته الحكومة الاسلاموية العسكرية يقع ضمن مؤججات الثورة وليس من بين أدوات إخمادها. وتأجيج الثورة كما قلت في سياقات سابقة هو عمل تراكمي غير مرئي لكنه منظم في خطوات قصيرة ومتلاحقة من شأنها تفعيل معظم قطاعات الشعب بالتعبئة الدؤوبة حتى يتأكد غالبية الشعب أن الحل الوحيد لفقره وجوعه ومرضه ولتوفير احتياجاته هو زوال الجماعة الحاكمة وليس الركض واللهاث وراء ما يسد الرمق أو ترقيع  الدكتاتورية بمفاوضات رقيعة واتفاقات ضيزى.
لا يأس إذن، فمن بين أتون الحريق تنبت حتما زهرات الأمل وتغلظ سوق أشجاره السوامق "كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" ..

التفكيك لم يمنع التغيير!

زيادة على تفكيكها للفئات المهنية والإنتاجية واحتلال النقابات والتشريد، فقد ربطت الحكومة الدكتاتورية الكتل المهنية والإنتاجية بأزمات طاحنة ... كتلة المزارعين والزراعيين وارتباطها بأزمات الإنتاج الزراعي والحيواني وملكيات الأرض، كتل العمال المختلفة وارتباطها بأزمات تدمير الصناعات والمرافق الكبرى، كتل المهنيين وأزمات ندرة المواد والأدوات، كتلة القطاعات الطبية والدوائية وأزماتها التي لا تعد ولا تحصى، كتل الموظفين والخدمة المدنية وأزمات ضآلة الأجور وانعدام الاستقرار الوظيفي وسيف التشريد، كتلة المدرسين ومحنة التأهيل وانهيار التعليم وشح الإمكانيات وتدني الأجور، كتل عمال الشحن والتفريغ في الموانئ وأزمات نقص الآليات والأجور وارتفاع معدلات مرض السل والبطالة. أيضا عملت الحكومة العسكرية على عزل هذه الكتل عن بعضها البعض. مثلا عندما يعترض مزارعو الجزيرة على تدمير الحكومة للمشروع، لا يجدون سندا عمليا من باقي الكتل والفئات الأخرى. وفي حالات عديدة لا تتفاعل فئة مع ما يصيب قطاع داخلها. مثلا عندما يعتدي أمن الحكومة على الأطباء ويزج بهم في السجون، لا تتحرك فئات أخرى داخل نفس الكتلة الطبية العلاجية. كل ذلك واقع صحيح ويجب الاعتراف به.
صحيح أن تفكيك الحكومة للمجتمعات قد أعاق الأسلوب التقليدي للحركة الجماعية الجماهيرية، وحدّ من قدرة الشعب على الثورة الشاملة. لكن السؤال المهم: هل حقا أعاق هذا التفتيت عملية التغيير في حد ذاتها؟
إجابتي: لا ! كل هذا التفتيت والتخريب ليس السبب الوحيد في تأجيل عملية التغيير في السودان.

انتظار "الثورة الشاملة" أكبر معوقات التغيير:

تأجيل عملية التغيير في السودان يعود إلى سببين مباشرين:
السبب الأول: الاعتقاد السائد في أن أسلوب الثورة الجماهيرية الجماعية هو الوسيلة الوحيدة للتغيير. والثورة الشعبية الشاملة المنتظرة هي أن تخرج الجماهير مجتمعة وتسقط الحكومة، أي على غرار ما حدث في ثورتي أكتوبر وأبريل، أو مثلما يحدث حاليا في الأقطار العربية. وهكذا بقي الناس في محطة انتظار حدوث الثورة الشاملة! والحقيقة أن الواقع السياسي في السودان قد تجاوز مرحلة الثورات الشعبية الجماعية كوسيلة وحيدة للتغيير، والواقع أيضا أن الثورات الشعبية العربية التي جرت وتجري في مصر وتونس وسوريا واليمن وليبيا لا تعدو كونها مرحلة قد تجاوزتها المجتمعات السودانية منذ ثورة أبريل 1985. "تجاوز" المجتمعات السودانية للثورات العربية الذي أعنيه هو "إدراك" الشعب السوداني المسبق لمرحلة ما بعد اقتلاع الحكم الدكتاتوري. بمعنى أن الشعب السوداني يدرك سلفا أن إسقاط الحكومة العسكرية يعني عودة نفس الأحزاب الطائفية إلى حكم البلاد، والعودة إلى مربع الفشل المعروف. بالمقابل نجد أن شعوب البلدان العربية بعضها دخل، مصر وتونس، وبعضها على وشك الدخول في نفس المراحل والتجارب التي مر بها الشعب السوداني عقب ثورتي أكتوبر وأبريل، إنها مرحلة "تجريب" أداء الأحزاب السياسية وما قد يكتنفه من فشل ونجاح وبحث مضن عن مستقبل أفضل. وفي الاعتقاد أن قطار هذه الأقطار سوف يمر على نفس قضيب التجربة السودانية. وما يزيد من الصعوبات المحتملة أن الأحزاب في هذه البلدان العربية لا تتمتع بأي رصيد من التجربة العملية في إدارة البلاد لأنها لم تجربها أصلا. فهي إما أحزاب جديدة، أو أحزاب كانت تقوم بدور "اللوحات الخلفية" للحزب الدكتاتوري الحاكم.
وقبل تجاوز هذه النقطة لابد من القول أن إدراك الشعب السوداني قد أفرز عنده نوعا من التوجس من عودة ثالوث الأحزاب الطائفية للحكم بنفس قياداتها الطائفية، وهو توجس في محله من حيث عدم توافر بديل سياسي جاهز. لذلك صار التوجس من الأحزاب الطائفية من ضمن كوابح التغيير. لكن أستطيع القول أن التغيير الوشيك والحتمي سوف يتجاوز، بالضرورة، الأحزاب الطائفية ولن تعود هذه الأحزاب مرة أخرى لحكم البلاد بنفس رموزها وأدواتها القديمة الراهنة. فالتغيير سوف تقوده الفئات المهنية والإنتاجية تماما مثلما قاد العمال والمزارعون والمدرسون والموظفون حركة الاستقلال، ومن هذه الفئات سوف يتبلور واقع حزبي "برامجي" يواكب أهداف التغيير القائم على برامج إصلاحية. لذلك سوف يحدث التغيير تغييرا تاما في تركيبة الأحزاب السودانية ويحولها إلى أحزاب برامجية لها قيادات متغيرة ديموقراطيا. فلا مجال لحكم السودان دكتاتوريا ولا مجال لإدارة أحزابه طائفيا وأسريا لأن الديموقراطية الاجتماعية السودانية غالبة وراسخة وعمرها آلاف السنوات، وسطو الطائفية على الأحزاب السودانية هو إفراز طفيلي من إفرازات الأحكام الدكتاتورية التي تسببت فيها نفس الزعامات الطائفية. ولولا أن الطائفية والعقائدية الدينية وانقلاباتها العسكرية قد أحكمت قبضتها على الأحزاب السودانية، لكانت أحزاب السودان النموذج العربي الأفريقي الموازي لأحزاب الهند وأوروبا الغربية.

أما السبب الثاني في تأجيل التغيير، فهو سبب ثانوي من حيث أن الشعب السوداني ظل ينتظر أن تقوده الزعامات الحزبية الراهنة للثورة الشاملة. طبعا ما فتئت الزعامات الحزبية الطائفية تغذي هذا الاعتقاد عند الرأي العام السوداني. وغني عن القول أن قيادة ثورة شعبية لم تكن ذات يوم في وراد هذه الزعامات الطائفية! فهي ببساطة أقرب للحكومة منهجا وحسبا ونسبا عن أي وضع سياسي جديد يفرزه التغيير الحتمي. لكن الاعتقاد السائد أن قيادات أحزاب الطوائف سوف تقود التغيير هو أيضا سبب جوهري في تأجيل التغيير كما أشرت من حيث توجس الشعب من عودة حكم زعامات وبيارق الطائفية.
والأحزاب الطائفية لا تقتصر على الأمة والاتحادي الديموقراطي، فالحكومة الراهنة هي حزب طائفي، ومزعة حزب الترابي، المؤتمر الشعبي، هي أيضا حزب طائفي. فالطائفية السياسية هي تأسيس كيان سياسي على مذهبية دينية أيا كان الدين. ففي لبنان طائفية مارونية مسيحية، وهناك طائفيات مجوسية وهندوسية ولا دينية. والطائفية السياسية هي الأخطر لأنها لا تقيد المعاصم، بل تقيد العقول لتحكم وتتحكم. وقد أسس حسن الترابي "الجبهة الإسلامية" كمعادل لطائفتي الختمية والأنصار بغية الوصول إلى الحكم. لذلك كان وسوف يظل الترابي أحرص الناس على بقاء المنظومة الطائفية في حكم البلاد، ومناوشاته للحكومة الراهنة هي نوع من الضغط من أجل العودة. وها هو حسن الترابي يدور حول مشهد الحكومة وهي تضاجع الوطن غصبا في انتظار أن "تخلص" الحكومة ليقضي هو وطره. وها هي الأحزاب الثلاثة ترفع ورقة الدين في وجه كل وطني، وها هي تناصر وتفاوض بعضها سرا وعلانية. لمجمل ذلك أصف دائما هذه الأحزاب بأنها "ثالوث" الأحزاب الطائفية، أو أحزاب الطوائف والدين السياسي، التي تتعارض في بنيتها وأهدافها وتطبيقاتها مع حقيقة الدين الإسلامي. التغيير سوف يكنس كل ذلك، وعندما يفيض نهر ثورة التغيير لابد أن يغمر ماؤه خيران الأحزاب ويطهرها تطهيرا "لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ"

التغيير بالأهداف والقطاعات المهنية والإنتاجية:

نعم لقد أصبح التغيير في السودان مستحقا، لكن التغيير أيضا له آلياته ووسائله التي ينبغي أن تتبدل وفق الواقع. فمتغيرات السودان السكانية والسياسية وفعائل الحكومة الدكتاتورية شكلت مجموعة من العوامل المتداخلة التي جعلت تحريك كل الكتل الاجتماعية مجتمعة وفي وقت واحد مسالة ثقيلة وشبه مستحيلة تتطلب جهدا عظيما ووقتا طويلا. كما جعلت انتظار "الثورة الشاملة" قبل أوانها ضمن محاولات إعادة التاريخ.
إذن لابد من تفعيل حالة التفكيك نفسها! وأول خطوة في هذا الاتجاه هي أن نقرأ ونفهم "تفكيك" بأنه "تحرير" كل قطاع من القطاعات المهنية والإنتاجية عن ثقل الحركة الجماعية. وبالتالي يستطيع كل قطاع مهني أو إنتاجي العمل بمرونة وحرية على تحقيق أهدافه المحددة عن طريق إعادة بناء كتلته وإكسابها القوة والفاعلية والحركة الذاتية وتشخيص أزماته وتحديد طرق علاجها وتنظيم قاعدته البشرية، ومن ثم تضغط الكتلة بكل ثقلها الجماهيري. تفعيل الكتلة الإنتاجية أو المهنية هو الممكن لأن الأزمة تمس كل فرد داخل الكتلة مسا مباشرا في معيشته وحياته اليومية. أزمات الإنتاج الزراعي والحيواني مثلا تؤثر على كل المجتمع، لكن يظل المزارع هو المتضرر الأول وهو بالتالي صاحب القضية الذي يتوجب عليه قيادة السعي إلى علاجها. وكذا يمضي الحال بالنسبة لكتل المدرسين والعمال والموظفين وغيرهم من الكتل. فالشعارات العامة مهما كانت واقعية، لكنها لا تنتج حركة جماعية كما رأينا في لا مبالاة المارة. ثم إن القطاعات المهنية والإنتاجية في أوروبا مثلا تتبع نفس أسلوب الحركة الحرة لكل قطاع مثل حركة قطاع السكك الحديدية والمواصلات في فرنسا أو ألمانيا، أو حركة المزارعين والمنتجين في الدول الأوروبية. فجميعها تحركات فئوية لكنها قوية ومؤثرة وتحقق مطالبها.

هذا يعني باختصار انتقال حركة التغيير برمتها إلى الفئات المهنية والإنتاجية وفق أهداف هذه الفئات. لمجمل ذلك اقترحت في السياق الأخير في ابريل الماضي، والذي جاء تحت عنوان "القطن .. صاعق تفجير ثورة التغيير" ضرورة تحرك الفئات الإنتاجية والمهنية والعمالية في مشروع الجزيرة. وكما نشاهد من "معركة القطن" الدائرة، فإن تحرير الفئات الإنتاجية والمهنية في الجزيرة والمناقل عن ثقل الحركة الجماعية يولد طاقة اجتماعية هائلة وكافية لإحداث التغيير. فقد حققت تجربة تفعيل الكتلة الزراعية نجاحا مشجعا تجسد في تنامي حركات المطالبة بحقوق الملاك والمزارعين في مشروع الجزيرة ورفض بيع الأرض والمطالبات بتوفير المعينات والقروض والبذور الجيدة لزراعة القطن ضمن منظومة الاحتجاجات القائمة التي تدفع نحو إعادة المشروع إلى سابق عهده قبل أن تطاله معاول الحكومة ولصوصها. وحتى تصمد الاحتجاجات ويحقق أهل الجزيرة أهدافهم، لابد أن تتضافر باقي الفئات الاجتماعية والمهنية في ولاية الجزيرة خاصة المزارعين والعمال والمهندسين والتجار والرياضيين والمثقفين والمطربين. فلا وفود تفاوض في معزل عن الكتلة الجماهيرية، ولا رجوع عن حالة التجمهر والاعتصام .. كل الجزيرة متضررة .. وكل الجزيرة جوّه مدني!

حركة الكتل المهنية والإنتاجية تفضي تلقائيا إلى نشوء تنسيق نشط وفعال بين هذه الكتل في عموم البلاد، كما أنها تقضي على نقابات واتحادات الحكومة وتلغي تلقائيا "نقابة المنشأ" باعتبار أن الحركة أصبحت حركة قطاعية إنتاجية مهنية لا ترتبط بالمنشأة وخارج الأطر النقابية التي تسيطر عليها الحكومة العسكرية وخارج قيادة الأحزاب المذكورة. زد على ذلك أن حركة الكتل الإنتاجية والمهنية سوف تحدث تحولا في الحوار السياسي وتضع أي تفاوض مع الحكومة الراهنة واللاحقة في محتوياته الاقتصادية المرتبطة بحياة الشعب المعيشية اليومية، كما تضع نهاية للمفاوضات والمناورات السياسية الدائرة حول اقتسام ثروة السلطة بين الحكومة وبين الزعامات الحزبية.

لقد جاء الوقت الذي تتحرك فيه الكتل المهنية والإنتاجية الأخرى وتطالب بحقوقها وبعودة مؤسساتها المدمرة مثل السكة حديد والتعليم والحقل الطبي والوظيفي وغيرها. وعندما تتحرك جل القطاعات المهنية والإنتاجية خلف قضاياها، نكون قد وصلنا إلى الثورة الشاملة! فالثورة الشاملة لن تكون الخطوة الأولى، بل ستكون بمثابة المرحلة الأخيرة التي سوف تتجمع عندها تحركات الفئات الإنتاجية والمهنية في البلاد كافة. فالتغيير الشامل هو الإصلاح الشامل. والإصلاح الشامل لا يعدو كونه من مجموعة "إصلاحات" متعددة. وعليه عندما تنجح كل كتلة إنتاجية أو مهنية في معالجة أزماتها، فإن مجموع الإصلاحات يساوي بالتأكيد الإصلاح الشامل أو التغيير الشامل. فالإصلاح في صيغته الشاملة يعني تغيير السياسات والأساليب المتبعة حاليا التي أنتجت الأزمات. وتغيير السياسات والأساليب هو التغيير الشامل المطلوب بعينه لأنه يعني تلقائيا تغيير الحكومة أفراد وسياسات، وبالتالي اعتماد الآلية الصحيحة لتداول إدارة البلاد!

وللشباب ...

هذه مرحلة تكثيف الندوات لشرح وتداول الأزمات الاقتصادية والمعيشية والتعليمية وغيرها. ندوات في المدن والقرى والمدارس والجامعات والميادين العامة وفي كل مكان لخلق توعية شعبية حاشدة حتى يكون الشعب على بينة من الأمر، وحتى يستوعب كل قطاع قضيته وكيفية معالجتها. ولعلني اقترح على الشباب تكثيف الندوات والمنشورات والكتابة على الجدران، والتوجه أولا إلى المواطن في الريف والحضر وشرح كيفية معالجة الأزمات الإنتاجية والمهنية حتى تكون التظاهرات خطوة تلقائية وفاعلة، وحتى يتحرك المواطن من ذاته بدلا عن محاولات جذبه من تلابيب العاطفة وحصاد اللامبالاة.  

لقد فرضت الحكومة الراهنة نفسها بقوة السلاح وقالت للشعب سوف أطعمكم وأسقيكم وأكسيكم وأحرركم. لكنها أطعمتهم جوعا وأشبعتهم فقرا وكستهم عريا وسقتهم من دمعهم ودمهم وحررتهم عن الحرية كرها. لذلك أصبح زوالها أولوية. 22 عاما كافية أن يدرك الشعب أنه لن يحصل منها إلا على مزيد من الخراب وسفك الدماء والفساد ونقص في الأنفس، فلا ثمرات حتى تنقص. ونعم يجب أن يتم إسقاط كل الحكومات الدكتاتورية لأنها فاشلة وقمعية ومدمرة للثروات. أصبح من الضروري أن يقوم كل قطاع مهني أو إنتاجي بحركته الذاتية في اتجاه تغيير واقعه. من مجموع الحركة الذاتية تتكون حركة التغيير الشامل التي تدفع الحكومة الدكتاتورية نحو هاوية السقوط. فلا تغيير بلا ثورة، ولا ثورة قبل تفعيل وتقوية الكتل الإنتاجية والمهنية ولا تفعيل وتقوية بلا وعي جماهيري. لقد بدأت مسيرة إعادة مشروع الجزيرة إلى سيرته إلى الأولي، وليبارك الله العمل على إعادة سكك حديد السودان وباقي القطاعات المهنية والإنتاجية إلى سيرتها الأولى ..

سالم أحمد سالم
9 يونيو 2011
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.