فوز أحزاب الحكومة والأمّة والاتحادي الديموقراطي يفاقم الاحتقان

 

والشعب يستعيد السلطة بالقوة بعد الانتخابات ..

 

مقاعد الحركة الشعبية ستكون مخصومة من حصة القوى غير الطائفية

 

و"الجبهة" ارتكبت خطأ فادحا بمعاداتها للتيارات الديموقراطية واليسارية

  

سالم أحمد سالم

 

باريس

  

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  

درج السودان على الانقلابات العسكرية التقليدية التي يسطو فيها فصيل عسكري على السلطة بليل وأحيانا في وضح النهار، ثم يعلن العسكريون الانقلابيون بيانهم الأول الذي يخر بعسل الآمال والوعود بعد توجيه وابل من دانات الإدانة والتقريع لأداء الأحزاب .. التي فعلت وتركت! ويقضي الشعب السوداني بقية يومه إلى جوار المذياع والتلفزيون يستمع إلى المارشات العسكرية وبيانات التأييد وقرارات "مجلس قيادة الثورة" المتلاحقة والمتضاربة في كثير من الحالات .. وطبعا مسك الختام قرار حظر التجول!

 

لكن مرحلة ما بعد الانتخابات القادمة في السودان قد تستبطن ملامح تحرك شعبي واسع من أجل استعادة السلطة بالقوة. والتحرك الشعبي المنتظر يرتهن إلى نتيجة الانتخابات التي تكاد تكون معروفة سلفا ومنذ الآن. فمن حيث تظن الحكومة وحزبا الأمّة والاتحادي الديموقراطي أن نتيجة الانتخابات سوف تؤمن لها مرحلة من الحكم الهادئ، إلا أن نتيجة الانتخابات سوف تكون المحرض للتحرك الشعبي. والتحرك الشعبي المتوقع يختلف بالتأكيد عن نمط الانقلابات العسكرية التقليدية وإن التقى معها من حيث استخدام القوة وقصر وقت التنفيذ. لا أقول ثورة شعبية مثل ثورة أكتوبر1964 لأن مفهوم الثورة الشعبية له مدلولات في وعي الرأي العام السوداني تختلف عما أقصده هنا. ولا أقول ثورة مسلحة لأن الثورات المسلحة تستغرق وقتا طويلا قد يمتد لسنوات قبل بلوغ الثورة المسلحة أهدافها. ونسبة لهذه الاختلافات والتشابهات المتداخلة، نستطيع أن نطلق مسمى (الانقلاب الشعبي) على التحرك الشعبي المتوقع حدوثه في السودان تبعا للنتيجة المتوقعة. "انقلاب" لأنه يستخدم القوة ويتم خلال فترة زمنية قصيرة، و"شعبي" لأن الشعب هو الذي سوف يتولى عملية استرداد السلطة بالقوة. فإن حدث ذلك، كما تقول الوقائع، يكون الشعب السوداني قد أصاف فلسفة جديدة في الأداء السياسي الشعبي ليس لها نظير معاصر في التاريخ الإنساني ربما باستثناء الثورة الفرنسية. طبعا ذلك كله يتوقف على مدى توافر الخصائص الاجتماعية التي تؤهل أي شعب للقيام بمثل هذا العمل.

  

أكرر وأعلن أن "الانقلاب الشعبي" الذي أعنى به هنا رهين بنتائج الانتخابات المزمعة .. ولا أعتني هنا أبدا بالإرهاصات التي يتداولها أقطاب الحكومة والناس أجمعين عن احتمالات انقلاب عسكري أو انقلاب قصر ضمن سيناريوهات الخروج من مأزق التحول الديموقراطي أو حسم معارك الأجنحة المتصارعة! نعم نتيجة الانتخابات المتوقعة سوف تكون المحرّض الأكبر وسوف تدفع الشعب دفعا نحو استرداد السلطة بالقوة، إن تمت الانتخابات، لأن القوة سوف تصبح الوسيلة الوحيدة المتاحة لاسترداد السلطة التي فقدها الشعب على ما يربو عن أربعين عاما .. وإذا سارت خطة الانتخابات على النحو المرسوم اليوم، فسوف يقع "الانقلاب الشعبي" إما مباشرة بعد الانتخابات أو بعد فترة لن تتجاوز العامين من تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات.

  

صحيح أنني أوردت النتيجة أعلاه، أي لجوء الشعب للقوة لاسترداد السلطة، قبل أن أسرد كالعادة المقدمات المنطقية التي سوف تفضي بنا إلى هذه النتيجة. لكن توقعي حدوث انقلاب شعبي في السودان بعد الانتخابات ليس مجرد رجم بالغيب أو حالة تنبؤ في طقس السودان السياسي أو قراءة في الكف، بل لأن الانقلاب الشعبي الذي أتحدث عنه سوف يأتي كنتيجة منطقية حتمية بل وتلقائية لعصارة المراحل والتجارب السياسية السابقة والراهنة التي يمر بها السودان منذ الاستقلال إلى اليوم. فإذا كانت النتيجة هي بنت القرائن حسب ما اعتقد، فإن القرائن والوقائع التي تتكاثف وتتجمع سوف تفضي تلقائيا إلى النتيجة، وهي تحرك الشعب حركة ذاتية نحو استرداد سلطته. هذه النتيجة يمكن الوصول إليها بوسيلة القراءة العلمية في مجمل المعطيات التي يستطيع المرء أن يستوعبها في عقله، وهي معطيات كثيرة ودقيقة ومتداخلة وأحيانا غير مرئية تخلص في النهاية إلى النتيجة بعد عملية حسابية داخلية قد تكون بالغة التعقيد.

  

وقد تبدو مثل النتائج غريبة بل ومرفوضة عند البعض للوهلة الأولى، بل قد يستمر الرفض والإعراض حتى تصبح الفرضية أمرا واقعا! وأذكر أنني كتبت قراءة مماثلة تحدثت فيها عن عودة العسكريين للحكم قبل ثلاث سنوات من وقوع الانقلاب العسكري الذي أفرز الحكومة الراهنة. وأذكر أن الكثيرين من السياسيين الذين تحدثت إليهم عن تلك الفرضية، من بينهم ميرغني النصري وعلي حسن تاج عضوا مجلس رأس الدولة وعلي عثمان طه زعيم المعارضة آنذاك، قد استبعدوا جميعهم وبصورة قاطعة عودة العسكريين للحكم .. وتلك قراءة أكتب تفاصيلها في سياق لاحق. المهم أنني لا أقصد من هذه الفقرة استعراض عضلات المعرفة كما لا أريد أن أقول للناس خذوا ما سوف يرد هنا كحقيقة يقينية بقدرما قصدت التأكيد على إمكانية الوصول إلى الفرضيات بصورة مسبقة إذا قرأنا الوقائع السياسية والاجتماعية قراءة دقيقة. وهذا ما سوف أحاول أن أقوم به في ما يستتبع من هذا السياق.

  

لماذا سوف يلجأ الشعب للقوة بعد الانتخابات؟

 

الإجابة على هذا السؤال سوف تصاحبنا حتى نهاية هذا السياق. ومبتدأ الإجابة يعيدنا تلقائيا إلى الأجواء العامة في البلاد التي سبقت الانقلاب العسكري الثاني، انقلاب 25 مايو 1969. فقبل ذلك الانقلاب العسكري سادت المجتمعات السودانية حالة عاصفة من الاحتقان السياسي بسبب الانقلاب البرلماني الذي انتهى إلى طرد نواب الحزب الشيوعي السوداني من البرلمان. وزاد من الاحتقان أن الحكومة آنذاك رفضت تنفيذ قرار المحكمة الذي أصدره القاضي صلاح حسن وأيده رئيس القضاء بابكر عوض الله. فقد نص قرار المحكمة على عدم دستورية طرد النواب وحل الحزب الشيوعي. في حينها وصف الصادق المهدي قرار المحكمة بأنه "قرار غير ملزم للحكومة" ... برغم أن قرار المحكمة استند جملة وتفصيلا على الدستور المؤقت المعمول به آنذاك. فما الذي يلزم أي حكومة إن لم يلزمها الدستور والقانون؟ في ذلك اليوم سقط الدستور فسقط أهم موثق تكليف منحه الشعب السوداني لتلك الحكومة، ومن ثم تحولت الجمعية التأسيسية إلى مجموعة دكتاتورية. كان من البديهي، آنذاك طبعا، أن يستقيل رئيس القضاء ردا على رفض الحكومة قرار المحكمة، وقد جاءت الاستقالة في مذكرة من أدبيات احترام سيادة القانون والدستور باعتبار أن القضاء هو حارس الدستور والقانون، والحكومة شخص اعتباري عليها أن تخضع للدستور والقانون مثل أي مواطن أخر .. حدث ذلك في زمان كان يستقيل فيه الناس، وفي زمان كان يحترم فيه القضاة مواقعهم بلا ميل ولا غلّ ولا كيل.

  

لم يكن الاحتقان السياسي ليعني بأي حال من الأحوال وقوف الشعب مع الحزب الشيوعي لذاته ولا انتماء له، لكن وقف الشعب أولا مع حق الممارسة الديموقراطية باعتبار أن الديموقراطية حق للجميع، وأن الشعب هو الذي وصل بأولئك النواب إلى الجمعية التأسيسية، ووقف الشعب مع هيبة القانون والدستور التي كانت محل احترام من الجميع، ووقف الشعب مع حقه في السلطة لأنه استشعر أن الأحزاب قد سرقت السلطة وحولت البرلمان إلى مؤسسة دكتاتورية. واصطدمت تلك الوقفة الشعبية بموقف الحكومة التي خرقت الدستور ونالت من هيبة القضاء وألقت بالقانون وراء ظهرها ثم استدارت وركلته وذبحت الديموقراطية على عتبة شهوة الحكم. وبين الضغط المتولد بين الموقفين الشعبي والحكومي تولد توتر هائل وحدث الاحتقان السياسي الذي عم البلاد. ومنذ ذلك اليوم والتاريخ فقد الشعب السوداني السلطة إلى يوم الناس هذا.

  

كان لابد للاحتقان الاجتماعي من متنفس، وكان الشعب يبحث عن أي متنفس يرد به سلطته التي فقدها من داخل البرلمان بعد أن بذل الشهداء من أجلها في ثورة أكتوبر الشعبية .. وجاء المتنفس على هيئة انقلاب عسكري وقع في صبيحة 25 مايو 1969! وانخفضت حدة الاحتقان، لكن إلى وقت جد قصير. وبرغم أنه كان انقلابا عسكريا، فقد شعرت الجماهير بحالة ارتياح عامة والتفت حول الانقلابيين وتغاضي الشعب عن دور الحزب الشيوعي. والمفارقة أن حالة الارتياح العام بالانقلاب العسكري الثاني كانت مطابقة لحالة الارتياح التي أعقبت سقوط الحكم العسكري الأول! ولعل التماهي بين الارتياحين، ارتياح بذهاب حكم عسكري وارتياح بانقلاب عسكري، تكشف عن مبلغ الاحتقان والغضب الشعبي بسبب فقدان السلطة من داخل البرلمان، وانتهاك الأحزاب للحرية، إضافة إلى خيبة أمل الشعب عامة في الأحزاب جهة التنمية وتحقيق طموحات وأشواق ما بعد الاستقلال. وهو احتقان مطابق للاحتقان الشعبي الذي سبق ثورة أكتوبر الشعبية. ونلاحظ هنا أن "الاحتقان الشعبي" و"خسارة الشعب للسلطة" تظلان القاسم المشترك في كل تحركات المجتمعات السودانية.

  

نعم لقد انتهى انقلاب 25 مايو العسكري إلى ضد ما كان يطمح إليه الشعب وهو استعادة السلطة المفقودة. وعندما نقرأ الشعور الشعبي العام تجاه الانقلاب ضمن المعطى السياسي الاجتماعي السوداني والخارجي آنذاك، نجد أن ذلك الشعور الشعبي لم يكن تأييدا لانقلاب عسكري، بقدرما كان تعبيرا عن الراحة التي عمّت المجتمعات السودانية باسترداد السلطة، وانتزاعها، ولو بالقوة العسكرية، من أيدي الطوائف السياسية التي تردّت في الفشل وهتكت عرض الدستور والقانون وانقلبت على الأسس الديمموقراطية. وأما الأسوأ في تجربة ذلك الانقلاب العسكري فإن الشعب قد خسر السلطة من حيث ظن أنه سوف يستعيدها! فبعد أن ولغ العسكريون في دماء رفقائهم والمدنيين بعد فشل انقلاب 19 يوليو، ظن العسكريون أن السلطة قد أصبحت من حظهم ومن حقهم وحدهم لا شريك لهم فيها! ساعتها لم يفقد الشعب السلطة فحسب، بل كان عليه يعبد دكتاتورا! فقد تمت عملية ترميم وطلاء ونصب أول دكتاتور في تاريخ السودان الحديث، وبدأت "زفّة" صناعة الدكتاتور التي تدرجت به من الرئيس القائد إلى القائد الملهَم الملهِم إلى الإمام .. حتى انتهت به إلى أمير المؤمنين! وهكذا خسر الشعب السوداني السلطة للمرة الرابعة منذ الاستقلال لفترة استمرت ستة عشر عاما هي عمر تلك الحكومة العسكرية.

 فقد خسر الشعب السلطة للمرة الثانية بانقلاب 17 نوفمبر 1958 بعد أن استعاد سلطته وحريته من قبضة الاستعمار البريطاني، لكنه لم يهنأ بسلطته ولا بحريته طويلا، فقد وقع انقلاب 17 نوفمبر العسكري بعد عامين فقط من إعلان الاستقلال الوطني،

وخسر الشعب السلطة للمرة الثالثة على أيدي الأحزاب الطائفية من داخل البرلمان بعد أن ظن الشعب أنه استعاد السلطة بثورة أكتوبر الشعبية 1964 التي أطاحت الحكم العسكري الأول،

 

وخسر الشعب السلطة للمرة الرابعة بانقلاب 25 مايو 1969، حيث ظن الشعب أنه يستعيد سلطته بقوة الانقلاب العسكري ... وبدل السلطة حصل الشعب على دكتاتور جاهل،

 

ويتواصل مسلسل فقدان الشعب السوداني للسلطة مع تساوق الفصول السياسية مع ارتفاع مستمر في وتيرة ومناسيب حالة الاحتقان التي سوف تصاحبنا بدورها حتى نهاية هذا السياق.

  

خطأ وخطيئة

 

خطأ وخطيئة لازمتا تلك الحقبة التي أعقبت الحكم العسكري الأول المعروف بحكومة 17 نوفمبر العسكرية 1958 إلى 1964. خطأ وخطيئة غيرتا تاريخ السودان السياسي وتسببتا في خسران الشعب للسلطة إلى اليوم. أما الخطيئة فقد كانت الانقلاب البرلماني الغبي قصير النظر الذي تجسد في طرد النواب وحل الحزب الشيوعي. وأما الخطأ فقد كان خطأ تكتيكيا وقع فيه الزعيم الراحل اسماعيل الأزهري عندما دمج الحزب الوطني الاتحادي في حزب الشعب الديموقراطي، حزب طائفة الختمية. وكما ذكرت في سياقات سابقة، فقد سعى الأزهري بتلك الخطوة إلى تحقيق غلبة برلمانية على غريمه حزب الأمة على أمل "جمع" نواب حزب الشعب إلى نواب الوطني الاتحادي! لكن وكما أوضحت في تلك السياقات وأيضا في كتابي "الطريق إلى الدولة" فإن عملية "الجمع" في السياسة تصاحبها بالضرورة عملية "طرح" فقد خرج مئات الآلاف عن تأييد الحزب الهجين لأن تأييدهم لذلك للحزب الوطني الاتحادي كان يقوم في الأساس على مناهضة ذلك الحزب للطائفية السياسية، حيث جسد لهم الحزب الوطني الاتحادي مناهضة الطائفية السياسية في كل أدبياته وصحفه وخطب زعاماته. زد على ذلك أن الأجيال الجديدة التي كانت تتطلع للانضمام للوطني الاتحادي عاف وعيها الانخراط في حزب طائفي. وقد أكدت أول انتخابات بعد عملية التهجين الحزبي تلك ما أشرت إليه من جمع وطرح، حيث فشل الحزب الهجين "الاتحادي الديموقراطي" في تحقيق الغلبة البرلمانية لتي كان يتوخاها. كان قرار الاندماج قرارا انتحاريا خسر بموجبه الحزب نفسه وخسر الماضي والمستقبل معا ودفعة واحدة. والأسوأ أن القرار قد أغلق باب المشاركة السياسية أمام المجتمعات الرافضة للطائفية السياسية مثلما أغلق باب المشاركة السياسية أمام غالبية الأجيال اللاحقة. ولعل الأزهري قد أسقط عن حساباته إمكانية وقوع أحداث مباغتة. ذلك عندما أتمعن اليوم في الطريقة التي كان يفكر بها الأزهري، لا أشك لحظة أنه كان لابد له من فك الشراكة مع طائفة الختمية، لكن عاجلته المنايا. منيّة انقلاب 25 مايو، ومنية الاندماج في حزب طائفي، ومنيّة الاغتيال المعنوي الذي أدى إلى وفاته.

  

وإذا كان الحزب الوطني الاتحادي المناهض للطائفية السياسية استطاع أن يحقق غلبة برلمانية مريحة في زمن عنفوان وتمدد الولاء الطائفي في السودان قبل نصف قرن، يكون من الطبيعي والمنطقي أن ينحسر دور الطائفية عن الحياة السياسية في السودان بمرور السنوات بسبب تنامي حركة الوعي الاجتماعي والتعليم وبروز أجيال جديدة لا تعترف أصلا بالولاء الطائفي ناهيك عن دور للطائفية في الحياة السياسية. ما حدث ويحدث هو العكس تماما، فقد تمددت الطائفية والعقائدية السياسية. وهنا تنكشف الآثار العنيفة التي نجمت عن خطيئة الانقلاب البرلماني وخطأ دمج الوطني الاتحادي في الحزب الطائفي الشعب الديموقراطي. فقد كان من المفترض أن يستوعب الوطني الاتحادي الملايين المارقة عن طوع الولاء الطائفي. كما أن وجود الحزب الوطني الاتحادي على قيد الحياة السياسية كان سوف يستدعي إما نهوض حزب جديد على شاكلته أو انفصال حزب الأمة عن طائفة الأنصار حتى يكون ندا قويا للوطني الاتحادي. لكن الوطني الاتحادي أضحى أثرا بعد عين بعد أن ذاب في أحضان الطائفية ثم في أمعائها الغليظ، الأمر الذي منح الطائفية السياسية فرصتها الكاملة فتمددت وفرضت سيطرتها على مقاليد الحياة السياسية في السودان. وبرغم حالة الجفاء العريق بين طائفتي الختمية والأنصار، إلا أن الطائفتين تحالفتا حلفا مقدسا على منع ظهور حزب سياسي جديد يملأ الفراغ الرهيب الذي خلفه اندثار الحزب الوطني الاتحادي. وفي تلك الأجواء كان من الطبيعي أن تنمو الجبهة الإسلامية أو جبهة الميثاق خاصة وأن زعيمها آنذاك حسن الترابي قد لعب دورا قياديا في عملية الانقلاب البرلماني وطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان .. برغم أنه دخل البرلمان بمساندة منهم!

  

ولأن الأمم لا تكف عن النمو، فقد نشأت في السودان منذ الاستقلال إلى اليوم ثلاثة أجيال وتضاعف عدد سكان السودان. وإذا أخذنا قرينة ارتفاع معدلات الوعي العام والتعليم من ناحية مع اضمحلال الأجيال ذات الولاء الطائفي السياسي بسب تقدم العمر والوفاة خلال نصف قرن سوف نتأكد أن التآكل قد قضى تقريبا على أي وجود فعلي للطائفية نفسها ناهيك عن الطائفية السياسية. وإذا أخذنا قرينة فوز الحزب الوطني الاتحادي في أول انتخابات قبل نصف قرن، سوف نتأكد في عملية حسابية بسيطة أن الأغلبية الغالبة من الشعب السوداني اليوم ترفض الولاء الطائفي وترفض اليوم أي دور للطائفية في الحياة السياسية. وبرغم أنف هذه الحقيقة نجد أن الطائفية والعقائدية السياسية هي المسيطر بالكامل على المسرح السياسي في السودان! حالة سياسية أغرب من الخيال .. غالبية الشعب السوداني ليس لها حزب وخارج دائرة الأداء السياسي، وأحزاب أقليات طائفية وعقائدية تنفرد بالأداء السياسي !! لا عجب. فقد انضمت الجبهة السياسية الإسلامية إلى الحلف الطائفي المقدس (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ) بأن لن يسمحوا أبدا بنشوء أي حزب يحل محل الوطني الاتحادي أو نهوض أي حزب آخر يعبر عن تطلعات الأغلبية المغلوبة من الشعب السوداني الخارجة عن طوع الطائفية والعقائدية السياسية. وبذلك أصبحت الخيارات السياسية محددة بين حزبين طائفيين هما الأمة والاتحادي الديموقراطي ومشتقاتهما فاقدة الدسم الفكري وبين الحركة الإسلامية هي الفسيل الثالث لنخلتي الحزبين الطائفيين جهة الدين السياسي .. وقد فاق الفسيل النخلتين طولا!

  

لكن من الأهمية بمكان الانتباه إلى حقيقة أن إبقاء شعب بكامله خارج دائرة المشاركة السياسية الطبيعية تظل المصدر الأساسي للاحتقان السياسي العنيف في أوساط المجتمعات السودانية. إن إبقاء الشعب خارج الأداء السياسي هو الاعوجاج والانحراف الذي ظل يدمغ مسار الحركة السياسية في السودان، وهو احتقان لابد أن ينفجر بما لن ترضاه الأحزاب الثلاثة ما لم يجد متنفسا له في حزب سياسي يعبر تعبيرا مباشرا عن تطلعات هذه الفئة التي لا يمكن الاستهانة بدورها.

  

ونلاحظ هنا أن هذه الأحزاب الثلاثة تكاد تكون حزبا واحدا مع اختلاف المسميات، ودليلنا في ذلك سهولة عمليات نقل وتناقل وزرع الأعضاء بين حزب الأمة وحزب المؤتمر الوطني، ثم بين الحزب الاتحادي الديموقراطي وبين حزب المؤتمر الوطني. وعندما تلتقي "الأعضاء المنقولة" من الأمة بالأعضاء المنقولة من الاتحادي الديموقراطي داخل جسد حزب المؤتمر الوطني لا تلفظ هذه الأعضاء بعضها البعض مثلما يلفظ الجسد الأجساد الغريبة ولا يلفظها جسد المؤتمر الوطني. وفي هذا دليل علمي على وحدة الخلايا واتفاق الأنسجة بين هذه الأحزاب الثلاثة! .. كله من بعضه .. تراضي .. نصرة .. اتفاقات وصفقات ظاهرها سياسي وباطنها تجاري .. لكن أين الأغلبية الغالبة من الشعب السوداني؟ إنها بالتأكيد خارج هذه المقاصة السياسية. وهنا قد يرى البعض أن هذه الأحزاب الثلاثة قد تجسد تطلعات غالبية المجتمعات السودانية. ونرد بحقيقة دامغة هي تلك الملايين التي خرجت من نفسها لاستقبال الدكتور جون قرنق عندما وصل الخرطوم. تلك الملايين كانت "عينة" صغيرة من غالبية الشعب السوداني غير المنتمية لأي من هذه الأحزاب الثلاثة. خرجت تلك الملايين سريعا قوية كثيفة منبثقة طاغية لم يحبسها ترس ولا حابس، ثم انحسرت سريعا أيضا كأنما علمية خروجها وانحسارها مضبوطة على إيقاع دقيق .. أين ذهبت تلك الملايين؟ هل بلعتها الأرض؟ كلا، إنها موجودة ضمن حالة الاحتقان الاجتماعي السياسي غير المسبوق.

  

نعود إلى المجتمعات السودانية فنجدها لا تستسلم ولا تكف عن محاولاتها المستميتة من أجل استعادة سلطتها. فها هي تثور للمرة الرابعة من أجل استعادة سلطتها المفقودة، فكانت الثورة الاجتماعية التي أطاحت الحكومة العسكرية الثانية، حكومة مايو العسكرية. لكن الميلاد جاء في أقماط عسكرية متمثلة في تلك الحكومة الانتقالية برئاسة المشير محمد الحسن سوار الدهب وزير دفاع حكومة مايو العسكرية. لقد كان من المفترض أن تزول حكومة مايو العسكرية تماما ومن جذورها، لكن يبدو أن المجتمعات السودانية قد ظنت أن الحكومة الانتقالية سوف تمهد إلى عودة السلطة إليها. لكن الأوضاع على الأرض كانت تختلف عن حلم الشعب. فالأحزاب الرئيسية التي كان من المزمع أن تخوض الانتخابات كانت أحزاب الأمة والاتحادي الديموقراطي والجبهة الإسلامية، وهي أحزاب كما رأينا لا تختلف عن بعضها البعض في كثير شيء عدا الأسماء، والأهم أنها لم تكن تجسد الفكرة العامة لغالبية المجتمعات السودانية، لكنها كانت الخيار الوحيد المتاح، وعلى الشعب أن يختار أقلها سوء. طبعا كان هنالك الحزب الشيوعي، لكنه يبقى محدد السقف بما يحول بينه وبين تحقيق أغلبية برلمانية في السودان. واقترع الشعب على بصيص أمل أن تكون الأحزاب قد تعلمت من التجارب فترعوي إلى جادة العمل الوطني وتعيد السلطة للشعب أولا من خلال الأداء وثانيا بتعميق التجربة الديموقراطية والعمل على ضمان استمراريتها. لكن شيئا من ذلك لم يحدث. فقد فازت الأحزاب الثلاثة وعادت ذات الوجوه بذات الأساليب. حولت الأحزاب الثلاثة أوراق الانتخابات إلى صكوك ملكية للسلطة وليس تفويضا من الشعب. كل ما حدث أن السلطة انتقلت من الحكومة العسكرية إلى هذه الأحزاب وبيوتاتها الطائفية وزعاماتها ذات الدين السياسي، وبقي الشعب معلّقا خارج قسمة السلطة التي من المفترض أن تكون مملوكة له بالكامل. ومرة أخرى يخسر الشعب السلطة من حيث أراد استردادها عبرصناديق الانتخابات .. ويتواصل الاحتقان وترتفع معدلاته ..

  ومن حيث أن الأحزاب الثلاثة قد اعتبرت أن السلطة أصبحت مملوكة لها، انحصر الصراع حول السلطة بين هذا الثالوث الحزبي والشعب يتفرّج. ومن هنا دخلت الأحزاب الثلاثة في دوامة الانقلابات البرلمانية والانقلابات البرلمانية المضادة. وقد كان من الطبيعي أن يصل الصراع بين ثالوث الأحزاب إلى المنعطف المسدود وإلى المستوى الذي لا يمكن حسمه إلا بالقوة، والقوة عادة هي قوة الجيش. ومن هنا بدأ سباق أصحاب العمائم إلى ثكنات الجيش! ذلكم هو السبب الذي دفعني إلى الإصرار على فرضية استيلاء الجيش على السلطة، تلك الفرضية التي تحدثت عنها مع ذلك النفر من السياسيين وكتبت عنها في صراحة المستوثق. وليت أن الحادثات قد خيبت ظني، فقد وقع الانقلاب وجاءت هذه الحكومة!    المهم هنا أن الشعب السوداني لم يشعر أنه فقد شيئا عندما استولت الجبهة الإسلامية على السلطة عسكريا. طبعا يفسر مفسرو أحلام الحكومة الراهنة أن الشعب لم يتحرك ضد الانقلاب يومئذ بسبب فشل الأحزاب. ومع أن فشل الأحزاب حقيقة ماثلة لا جدال حولها، إلا أن التفسير مردود على أهله. ذلك لو أن الانقلاب وقع ضد حكومة كانت تجسد فعلا سلطة الشعب، لشعر الشعب أن الانقلابيين قد اغتصبوا السلطة منه، ولنهض الشعب مدافعا عن سلطته المغتصبة بدلا عن حالة الوجوم والتيه واللامبالاة التي ضربت المجتمعات السودانية صبيحة يوم الانقلاب. لكن السلطة في ذلك الوقت لم تكن في يد الشعب بل كانت بيد الزعامات الحزبية التي استولت على السلطة عبر صناديق الانتخابات وطردت الشعب بعيدا دون أن تنفحه أجر المناولة! لذلك لم يحرك الشعب ساكنا ضد الانقلاب العسكري لا حبا في حكم عسكري لكنه أحجم عن الدفاع عن حكومة حزبية سرقت سلطته ولا تمثله، إذ لم يعد هنالك من فرق إذا كانت السلطة عند زعامات الأحزاب أو في قبضة فصيل عسكري .. سيان. وهنا ولدت اللامبالاة الاجتماعية، لكن بقي الاحتقان والغبن يسيطران على وجدان الشعب وليس الاستكانة.   

وعندما وقع الانقلاب كان من المفترض جدلا وعقلا أن يعمل الانقلابيون على تكريس مرحلة انتقالية يتم خلالها إعادة بناء المؤسسات الحزبية الديموقراطية بما يفتح قنوات المشاركة الفاعلة للمجتمعات السودانية وتمكينها من استعادة سلطتها المسلوبة. لو فعل الانقلابيون ذلك لحفروا لأنفسهم موقعا في تاريخ السودان والبشرية ولبنوا لأنفسهم هرما من الامتنان في وجدان المجتمعات السودانية قد يفتح لهم طريقا نحو العودة المشروعة لتمثيل المجتمعات السودانية بعد انقضاء المرحلة الانتقالية والاحتكام إلى انتخابات حرة عادلة ونزيهة. لكن بدلا من تمكين الشعب في حقه وهو السلطة، عملت الجماعة الانقلابية على "تمكين" نفسها على أمل أن تحكم إلى الأبد، هكذا وبالقوة! وذلك كان حوبا وخطئا عظيما. فمحاولة تمكين الذات الانقلابية دليل أكيد على عدم وعي الجماعة الانقلابية بالمكنونات السياسية للمجتمعات السودانية، بل والمجتمعات الكونية بصفة عامة. لقد تشظى التمكين ثم انهار لأنه كان محاولة بذر تمكين فوق تربة إرادة الشعب وعلى أرض سلطته المنزوعة قهرا وبدون وجه حق. زرعوا "سيخة" وانتظروها أن تنمو شجرة .. كل تمكين من هذا النوع مصيره إلى زوال. فقد استعاد شعب أنغولا سلطته بعد أربعمائة عام من "تمكين" الاستعمار البرتغالي، واستعاد شعب جنوب أفريقيا سلطته بعد عقود طويلة من "تمكين" الأقلية البيضاء، وحصلت المجتمعات الجديدة في أميريكا على سلطتها بعد عقود طويلة من الاستعمار البريطاني والفرنسي .. وهكذا الحال ما دام دوران عجلة التاريخ وما دامت البشرية تعيش على هذا الكوكب.

  إن محاولة التمكين السلطوي غصبا عن الإرادة الوطنية العامة، ولو بواسطة فئة من نفس البلد، تخلق وضعا شاذا يتنافى مع المسار الطبيعي لحركة التاريخ وتطور الحياة الإنسانية وحقوق الشعوب والمجتمعات. لذلك يفرز التمكين السلطوي مقاومة طبيعية مضادة عند المجتمعات المغلوبة مثل كرات الدم البيضاء التي يفرزها الجسد الحي لمقاومة الأجسام الغريبة. فالتمكين الجبري يخلق هذا الاحتقان الذي نتحدث عنه. وحتى إذا لم تفلح المجتمعات المغلوبة في استعادة سلطتها المسلوبة اليوم، فإنها سوف تنجح حتما في الغد أو بعد الغد. الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية من النماذج المعاصرة لمحاولة تمكين فاشلة برغم كل فظائع القمع الوحشي وحبل القوى العظمى، إذ لابد أن تزول إسرائيل ذات يوم لأنها حالة اختلال يتناقض مع سياق طبيعة الحياة البشرية وحقوق الشعوب في سلطتها على أرضها. وسوف لن يزول الاحتقان حتى تزول إسرائيل أو تتوصل البشرية إلى تسوية عادلة ترفع الحيف ويقبلها الشعب الفلسطيني. فالاحتقان هو حالة من الإصرار الاجتماعي المستمر، ظهر أم اختبأ من ذاته، خفت أم تنامي، لكنه يبقى مستمرا حتى تتمكن المجتمعات من استعادة السلطة المسلوبة أو أي حق اجتماعي عام أخذ عنها بالقوة. ومن ضمن خصائص الاحتقان الاجتماعي صعوبة تحديد موعد دقيق لانفجاره، لكنه منفجر لا محالة .. فهلا سألنا شعب الجزائر لماذا لم يكف عن السعي من أجل استعادة سلطته برغم سقوط أكثر من مليون شهيد؟ إنه نفس السبب الذي يحول دون خضوع الناس لهذه الحكومة أو يقبلها كأمر واقع أبدي ..     

انتقلت السلطة من زعامات الأحزاب إلى قبضة الانقلابيين؟ أي نعم، لكن بقي الاحتقان الاجتماعي متردد الذبذبات هبوطا وصعودا. وقد يجد بعض فرجات التنفيس مثلما حدث يوم وصل جون قرنق إلى الخرطوم كما ورد. ثم إن ظهور جون قرنق يشكل عنصرا هاما عند هذا المفصل من السياق. فعندما استشعرت الحكومة الراهنة بداية تحلل التمكين وواجهت مأزق الاستمرار في القبض على السلطة، كان لابد لها من خطوة تكسبها قوة دفع جديدة تشرعن استمراريتها. ثم إن نار الحرب في الجنوب مسكت في ملابس الحكومة وتلابيبها بعد أن استفاق الناس من خدر "الجهاد" ومن غشاوات الكؤوس الدهاق من ثغور كاعبات حور الحكومة العين. كانت قوة الدفع هي إبرام اتفاقات نيفاشا. جاحد من ينكر أهمية اتفاقات نيفاشا لجهة وقف الحرب لعله يكون دائما وبلوغ الاتفاقات منتهى الإنفاذ والاستحقاق. فالسلام الذي تحقق ليس شريحة طرية من اللحم المشوي تتلذذ الحكومة بالتهامها مثلما يلتهم جان ماري لوبين زعيم اليمين الفرنسي المتطرف قطعتين ضخمتين من شرائح اللحم البقري في الوجبة! فقد تضرست أسنان الحكومة بعظمة التحول الديمقراطي المختبئة في مطايب اتفاقات نيفاشا. وجاء وقت الاستحقاق .. والتفت الساق بالساق والى صناديق الاقتراع الحر يومئذ المساق .. فأين تذهبون؟

  

لا .. لا .. إلا هذه .. فالحكومة الراهنة تريد أن ترمي عظمة التحول الديموقراطي وتمضي في عملية النهش والمضغ والبلع المنفرد! الحكومة تقول أنها تريد إجراء انتخابات حرة نزيهة لكنها تريد في نفس الوقت من هذه الانتخابات الحرة والنزيهة كمان أن تضمن لها القبض المستمر على السلطة .. كيف يعني؟ الحكومة نفسها غلبها أن تحل هذه المسألة الخارجة عن قواعد المنطق والحساب والدين والمواصلات العامة ومالك عقار!

  

الديموقراطية هي مرحلة من الممارسة السياسية الحرة وليست أبدا عملية إلقاء وريقات في صناديق الانتخابات. الديموقراطية أداء والاقتراع أجراء. والممارسة الديموقراطية هي أن يلعب الجميع على ملعب مستو بنفس شروط وأدوات اللعبة لا أن يدخل فريق إلى الملعب ويفرض نفسه خصما وحكما وبيديه السيخ والبنادق ويقول: اليوم أنا غالب أو غالب! طبعا نعلم أن حديث الحكومة عن انتخابات حرة ونزيهة مجرد غلالة شفافة لا تستر الحالة الدكتاتورية الماثلة وقمع المعارضة وسحل الصحافة ونشر التخويف .. فالجمع بين الديموقراطية وبين الدكتاتورية في قلب حكومة واحدة جمع مستحيل أهون منه الجمع بين الأختين عند الشيخ الهميم الذي خمّس وسدّس وجمع بين الأختين حسب رواية صاحب الطبقات .. وحليلك يا دشين قاضي العدالة حتى تفسخ زيجات هذه الحكومة ...    

  

ثم نترك الحكومة وهي تحاول شططا تفكيك خيوط معادلتها العجيبة هذه ونفزع إلى الحزبين الطائفيين. غريما القسمة وقسيما الريد الخفي مع الحكومة، الأمة والاتحادي الديموقراطي، يتفقان مع الحكومة تمام الاتفاق على خوض الانتخابات المزمعة بدون فترة من الحريات العامة التي ينبغي أن تسبق وتؤسس لانتخابات حرة وعادلة ونزيهة. لماذا؟ لأن فترة الحريات العامة ترج المجتمعات رجا وتفرز زبدة هي نشوء  تيار أو حزب يعبر عن أشواق المجتمعات السودانية ويمهد بالتالي إلى إرجاع السلطة للشعب بيد الشعب عبر صناديق الانتخابات متى ما كانت الانتخابات حرة ونزيهة ومسبوقة بمرحلة سياسية حرة. إن ميلاد مثل هذا الحزب يعني أولا نهاية الطائفية السياسية نهاية لا رجعة لها بعدها، كما يخلق معادلا سياسيا قويا للجبهة السياسية الإسلامية. كما سوف يؤدي بروز مثل هذا الحزب إلى نشوء حزب سياسي آخر يكون معادلا له في مستقبل السودان السياسي، أو تضطر الجبهة الإسلامية، المؤتمر الوطني يعني، إلى إحداث تعديلات جذرية في وسائلها لتجاري المتغيرات الجديدة. لذلك ظل هذا الثالوث الحزبي، الأمة، الجبهة، الاتحادي الديمقراطي، يسد كل المنافذ أمام نشوء مثل هذا الحزب أو التيار بعد أن تم القضاء المبرم على الحزب الوطني الاتحادي. ولسوف تظل أوضاع السودان السياسية قائمة على عوج وتظل شاذة عن منطق التطور الاقتصادي الاجتماعي ومحتقنة ما لم ينشأ هذا الحزب.

  

إذن فقد أصبح في حكم المؤكد إجراء الانتخابات المزمعة بدون فترة من الحريات وبدون السماح لتبلور تيار جديد معادل. وعليه تكون الأحزاب الثلاثة الاتحادي الديموقراطي، الأمّة وحزب الحكومة المؤتمر الوطني هي الأحزاب الرئيسية التي سوف تخوض الانتخابات، منها تتشكل الحكومة ومن بينها تكون المعارضة .. وهذا هو الخلل الكبير الذي ظل يلاحق ويعيق ازدهار الحركة السياسية وبالتالي ضمور التطور الاجتماعي والتنموي في السودان. نعم قد يحدث اصطفاف تكتيكي مرحلي قبيل الانتخابات المزمعة قد يجمع بين الحزب الاتحادي الديموقراطي وبين حزب الأمة والشيوعي وربما الحركة الشعبية والأحزاب الصغيرة بغية عدم تمكين حزب الحكومة من تحقيق أغبية مريحة. لكننا إذا قرأنا هذا الاصطفاف قراءة عميقة نجده لا يعدو كونه عملية استغلال لرغبة القوى الاجتماعية السودانية في الخلاص من حكم الجبهة الإسلامية. وقد شهد المسرح السياسي السوداني حالة اصطفاف مماثلة في أخر انتخابات من هذا النوع. فقد كانت رغبة الشارع السوداني منع حسن الترابي من دخول البرلمان نسبة لدوره في تقوية حكومة مايو العسكرية وقوانينها المسماة بالإسلامية التي أشبعت السودان فقرا وبترا. استغلت الأحزاب تلك الرغبة العارمة عن الشارع وحدث الاصطفاف. سقط الترابي (دائرة الصحافة) وتحققت رغبة الشعب ... ولأن الأمور تؤخذ بخواتيمها فإن الأحزاب كانت الرابح من تلك الصفقة. ففي مقابل تحقيق رغبة الشعب أخذت الأحزاب مقعد الدائرة ثمنا مقبوضا! ولا فرق إذا ذهب المقعد إلى أحد الحزبين الطائفيين أو إلى حزب آخر أو إلى شخص مستقل طالما أن المقعد لم يكن ضمن مقاعد برلمانية لحزب يمثل التطلعات المستقبلية للمجتمعات السودانية الغالبة. ففي مثل هذه الحالة يحقق الشعب فائدة من إسقاط الترابي. لكن ما حدث كان غير ذلك، فقد تم استغلال أصوات الشعب في انجاز المهمة وذهب المكسب للغير .. !

  

وغالبا ما ينجح هذا الاستقطاب الحاد في منع الجبهة الإسلامية بشقيها الوطني والشعبي من الحصول على أغلبية تشكيل حكومة. لكنها، أي الجبهة الإسلامية غالبا ما تحصل على غلة لن تقل عن ربع المقاعد البرلمانية. فالجبهة تمسك بمفاصل السلطة وتسخر أموال الشعب وأجهزة الإعلام وذراعها الأمنية حتى تجعل من الانتخابات وسيلة للاستمرار في الحكم شبه المنفرد. عدد المقاعد البرلمانية التي سوف تحصل عليها الجبهة إضافة لأسباب أخرى تجعل من حزب الجبهة السياسية الإسلامية الشريك المؤكد في أي حكومة ائتلافية تأتي بها مثل هذه الانتخابات المسماة بالديموقراطية. لكن السؤال الأكثر إلحاحا هو: إلى من سوف تذهب غالبية المقاعد البرلمانية الأخرى؟ بالتأكيد سوف تكون قسمة بين حزبي الأمة وبين الحزب الاتحادي الديموقراطي. وهنا نقيم العلاقة بين ما حدث في دائرة الصحافة وبين النتائج شبه الأكيدة للانتخابات المزمعة. فالمقاعد البرلمانية التي لن تربحها الجبهة السياسية الإسلامية سوف يذهب معظمها للحزبين الطائفيين. وبمثل هذه النتيجة تذهب السلطة من جديد من يد الحكومة الراهنة إلى يد الأحزاب الثلاثة بينما تحتفظ الحكومة بحصة الثلث المعطّل. انتقال السلطة إلى الأحزاب الثلاثة يطابق تماما ما حدث في الانتخابات الأخيرة عندما تم نقل السلطة من حكومة مايو العسكرية إلى الأحزاب الثلاثة مرورا بحكومة انتقالية نصفها الأعلى المملوء عسكري ونصفها الأسفل الفارغ مدني! ويبقى الشعب محتقنا فاقد السلطة .. وليشرب بعدها الشعب من ماء الماسورة الذي هو أسوأ من ماء البحر، فقد صوت لنا وانتهى دوره .. وهاك يا سلطة من وراء حجاب ستائر البرلمان!

  

والمدهش حقا أن البعض يعول على المقاعد البرلمانية التي سوف تحصل عليها الحركة الشعبية. لكن حساب السياسة يقول أن المقاعد التي سوف تحصل عليها الحركة الشعبية سوف تكون عديمة الفاعلية في هذه التركيبة ومخصومة من حصّة القوى الاجتماعية غير المنضوية تحت إمرة الأحزاب الثلاثة لأن مقاعد الحركة كثرت أم قلت سوف تكون ضمن حصة الحركة الشعبية في الحكومة، وهي حصة محددة بموجب اتفاقات نيفاشا .. بى عربي جوبا كده .. يعني يا خي بالطريقه دا الحركة الشعبية بيكون قدّمت خدمة كبيره للحزب بتاع الحكومة والحزبين الطائفيين. المقاعد البرلمانية التي سوف تفوز بها الحركة الشعبية ستكون مفيدة في حال أن جاءت هذه المقاعد كإضافة لمقاعد حزب يعبر عن الأشواق الحقيقية للمجتمعات السودانية حتى تكون هذه المقاعد مجتمعة خصما من حصص الأحزاب الثلاثة المذكورة. لكن هذا الحزب ممنوع من الصيرورة .. إنه أغرب حزب في الدنيا .. حزب له قاعدة كبيرة وكاسحة، لكنه لم يولد بعد! فقد تمكنت الأحزاب الثلاثة المذكورة من منع ميلاد هذا الحزب منذ نصف قرن، حتى جاء التمكين ثالثة الأثافي. لكن التاريخ ليست له محطات يتوقف فيها. فعلى مدى العقود الماضية تجمعت مياه الاحتقان حتى كونت بحيرة ضخمة وبلغ اليوم الاحتقان أقصى معدلات ذروته ولن يفلح سد الأحزاب في صده مثلما فشل سد مأرب .. ولا أقول سد مروي! الأحزاب الثلاثة ستكون الخاسر الأكبر لأن انفجار الاحتقان لن يبقي ولن يذر "وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا" .. اللهم فاشهد. 

  

وعليه عندما ننظر من موقعنا هذا إلى برلماننا المنتظر نجد أن أحزاب الاتحادي الديموقراطي والأمة والجبهة الإسلامية هي التي تحتكر الأغلبية داخل البرلمان وهي التي سوف تشكل الحكومة التي بالضرورة ستكون حكومة ائتلافية بين اثنين من هذه الأحزاب الثلاثة ويحصل الثالث على أغلبية مقاعد المعارضة حتى لا تنفرد الأحزاب الأخرى بمقاعد المعارضة! وسوف تمارس الأحزاب الثلاثة نفس السياسات بنفس الوجوه، وقد تتبادل الأحزاب الثلاثة المواقع بين مقاعد الحكومة والمعارضة حسب الأمزجة وتقلبات السوق والمصالح .. وهذا سيداتي سادتي هو التحول الديموقراطي الذي تريده هذه الأحزاب الثلاثة .. تحول ديموقراطي يعيد أوضاع السودان إلى نقطة الصفر التي كانت عندما وقع الانقلاب العسكري الثاني، وإلى نقطة الصفر التي كانت عندما وقع الانقلاب العسكري في نسخته الثانية المعدلة التي أتت بهذه الحكومة

  زد على ذلك فقد أصبح في شبه المؤكد أن الأحزاب الثلاثة لن تدخل خلال مرحلة ما بعد الانتخابات في صراعات مثلما حدث في الماضي، ولن تدخل في دورة جديدة من الانقلابات العسكرية ضد بعضها البعض. فالانقلابات العسكرية الحزبية قد خرجت عن دورة الحياة السياسية في السودان. فالحزبان الطائفيان تحولا إلى مجرد رأس بلا قواعد ذات انتماء عضوي سياسي، والترهل سوف ينحسر عن حزب الجبهة وسوف تذوب عنه شحوم الطبقات الطفيلية بعد أن يفقد نوعا الخاصية الدكتاتورية مع دخول الشركاء الجدد. ثم إن أي انقلاب حزبي سيعود على مرتكبيه بالويلات العظام لأن الانقلاب العسكري الحزبي سيفتح جبهة مقاومة شعبية لا سابق لها. لكن المرجح قيام تنسيق مليشيات مسلحة بين حزب الأمة ومليشيات الحكومة تكون أقوى من الجيش وتفرض سيطرة مماثلة على الشارع السوداني مما سوف يدفع البلاد إلى أتون حروبات أهلية. وإذا قرأنا عدم قدرة الأحزاب على ارتكاب انقلاب عسكري حزبي كجزء المشهد السياسي بعد الانتخابات ونتيجتها شبه المؤكدة، نجد أن بدائل تخيف الاحتقان قد اضمحلت، مما يقرب الأوضاع خطوة هامة من الانقلاب الشعبي.   

الأمر كذلك، وسياق المنطق يقول أنه سيكون كذلك، لذلك لم يعد من شك أن مرحلة ما بعد الانتخابات سوف تكرس وتفاقم من حالة الاحتقان الشعبي خاصة بعد أن تدرك المجتمعات السودانية وبعد فوات الأوان أنها قد خسرت السلطة مرة أخرى من حيث أرادت استردادها عبر صناديق الاقتراع. والاحتقان الجماهيري لابد له من متنفس شاء الشعب أم أبى ومهما بلغت قوة الاستحكامات وجرعات التخدير الحكومية. وهنا تحديدا سوف تتنامى في أوساط المجتمعات السودانية فكرة استعادة السلطة بالقوة. وسوف تجد الفكرة قبولا ورواجا شعبيا من حقيقة أن الشعب ظل يخسر السلطة تارة بالانقلابات العسكرية وتارة أخرى بالانتخابات البرلمانية، ولم يعد أمامه من خيار سوى استعادتها بقوة يده .. هو "انقلاب الشعبي" إذن. ثم علينا أن نضع في الاعتبار تنامي الحركات والجماعات المسلحة وانشطاراتها وانتشار السلاح المتدفق من كل حدود السودان، علاوة على ترسانة الأسلحة التي تستوردها وتصنعها الحكومة، إضافة لأسلحة مليشياتها .. لمن نصنع ونحشد السلاح؟ ربما لاستعادة حلايب أو الفشقة؟ .. ربما ..

  

انقلاب شعبي، ثورة مسلحة أو سمها ما شئت، لكنها علمية استعادة للسلطة بالقوة قد تشبه إلى حد بعيد الثورة الفرنسية التي انتزعت السلطة بالقوة المسلحة من أيدي النبلاء بعد أن ظن نبلاء فرنسا أن السلطة قد أصبحت من حقهم بعد إعدام الملك، مثلما يظن نبلاء السودان أن السلطة أصبحت دُولة بينهم بعد رحيل الاستعمار .. ولا يظن نبلاء السودان أنني استلهم ما أكتب هنا من أدبيات الثورة الفرنسية بحكم حياتي في فرنسا. فقد وردت لي مقاربة الثورة الفرنسية في التو واللحظة في هذا المفصل بعد قراءة متكاملة في متغيرات السودان السياسية واحتمالات ما بعد الانتخابات وأشراطها.

  

الترياق من الانقلاب

 

عندما وقع الانقلاب العسكري لهذه الحكومة كنت أظن أن الانقلابيين سوف يعملون على تحييد الطائفية عن المعطى السياسي، ومن ثم فتح أفق جديد للمجتمعات السودانية تمهيدا لمرحلة ديموقراطية. لكن الانقلابيين وقعوا في خطأين جسيمين. الخطأ الأكبر كان ذلك "التمكين" كان الجنون بعينه أن يظن حزب أنه قادر على فرض نفسه بالقوة وأن المجتمعات السودانية سوف تخضع له بالقول والفعل كأمر واقع في بيت الطاعة. إذا حدث ذلك في أي قطر آخر فإن ذلك لن يحدث في السودان لأن التركيبة الاجتماعية والجغرافية في السودان لن تقبل بذلك مهما بلغ الجبروت والبطش وحجم الانجازات. ذهب التمكين، لكنه خلّف جراحات غائرة في وجدان هذه الأمة. وأما الخطأ الثاني هو أن الجماعة الانقلابية استهدفت التيارات الوطنية بعداء سافر غير مسبوق من سجن وقتل وتعذيب وتشريد، بينما خفضت جناح الذل من الرحمة للطائفية السياسية عدا مصادرة خجولة لبعض الممتلكات. لقد اكتسبت كوادر الجبهة السياسية الإسلامية العداء ضد التيارات الوطنية المسماة باليسارية منذ أيام الدراسة الثانوية والجامعية. فقد ألقت زعامة الجبهة السياسية الإسلامية في روع أولئك الفتية أن الجبهة الديموقراطية واليساريين هم العدو الكافر وجهادهم من واجبات المسلم! ولا ننسى استخدام حسن الترابي الملتوي للآية الكريمة (فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) فعوضا عن تلاوة الآية الكريمة كاملة والتي تخصص الكافرين بالجهاد، نجده يبتسرها في (وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) في معطى حديثه المحرض على عداء التيارات الوطنية، فيدعو المسلم لجهاد يأباه الله ضد أخيه المسلم، وتلك كانت الفتنة التي هي أشد من القتل وذلكم كان أصل البلاء. فلا نعجب أن تسلح أولئك الفتية بالسيخ والمطاوي للفتك بزملائهم الطلاب وهم في تلك السن الباكرة تحت تأثير الانبهار بالزعيم. وعندما استولوا على السلطة عسكريا فجروا في الخصومة والشراسة فأعملوا فيهم أسلحتهم قتلا وتنكيلا بما لا يرضاه الله والدين الإسلامي والعرف. لم يدرك الانقلابيون ساعتها أنهم يبذرون زقوم الكراهية بأيديهم في كبد المجتمعات السودانية قاطبة. ولم يدرك الانقلابيون ساعتها أنهم يسعون إلى تدمير المعادل الطبيعي لمستقبلهم السياسي في السودان، والذي كان سوف يقوي من تموضعهم السياسي بندٍّ قوي فتتشكل ثنائية سياسية عقلانية قابلة للتطور وقادرة على تنحية هوام الطائفية عن مجريات الحياة السياسية في السودان. كان من المفترض أن يسير الانقلابيون في الاتجاه المضاد تماما بالعمل على ترقية ومهادنة هذه الفئات الاجتماعية المتحررة من الربقة الطائفية بدلا من محاولة نحرها .. كان الأمر يحتاج إلى نظرة ثاقبة وعميقة نحو المستقبل .. ولم تكن ..

  

أسرفنا في البيان أن الاحتقان السياسي هو الذي سوف يدفع المجتمعات السودانية لاستخدام القوة من أجل استعادة سلطتها بعد الانتخابات. ووصلنا إلى أن المتنفس الوحيد للاحتقان هو نشوء تيار أو حزب قادر على استيعاب تطلعات قطاعات عظيمة مؤثرة من المجتمعات السودانية. واليوم لم يعد من ترياق للحيلولة دون "الانقلاب الشعبي" الذي سوف يقع بعد الانتخابات إلا بإحداث تغييرات عميقة في توجهات وتحالفات وسياسات ومواقف الحكومة الراهنة، وأن تنظر الحكومة بموضوعية إلى مستقبلها السياسي بدلا من هذا الروليت الروسي. الحكومة الراهنة نعم لأنها الممسك اليوم بمفاصل السلطة منفردة، وهي بالتالي قادرة على تنفيذ هذه الخطوات:

 

أولا: التحرر من فكرة وهوس "ضمانات الفوز" في الانتخابات المزمعة، وعلى الحكومة أن تدخل الانتخابات كغيرها من الأحزاب والتيارات دون توظيف مخل بمؤسسات الحكومة وأموال الشعب لصالح حزبها، فهذا أمر يتنافى مع الدين والأمانة ومكارم الأخلاق، والفوز لن يغني من الأمر شيئا. فإذا كان ولابد، فثلث لطعامها وثلثان للشعب حتى يتمكن من بلورة تيار يعبر عن رغباته،

 

ثانيا: حسب منطوق الدستور الانتقالي واتفاقات نيفاشا، فإن الحكومة الحالية هي حكومة انتقالية. لذلك لابد أن تقترن كلمة (انتقالية) مع كلمة الحكومة ليكون اسمها المتداول هو (الحكومة الانتقالية) في كل أجهزة الإعلام والمكاتبات والقرارات التي تصدر عن رئيسها ومجلس الوزراء والمجلس الوطني المعين وكل أجهزة الحكومة الانتقالية،

 

ثالثا: التحرر من حالة العداء المستحكم ضد التيارات الاجتماعية الوطنية غير الطائفية وبذل كل المساعي للتصالح مع هذه التيارات المذكورة، والاعتذار لها عما لحق بها ومحاسبة الجناة بنزاهة وعدل تتطلبان نزاهة الجهاز القضائي وتجرده عن الولاء السياسي. ليس في السياسة مواقف جامدة، بل دائما هنالك مصالح متحركة. وعندما تستوثق هذه التيارات من صدق الحكومة، أثق أن هذه التيارات سوف تتخذ خطوة هامة في اتجاه مسعى الحكومة،

 

رابعا: العمل على إفساح المجال أمام هذه التيارات الوطنية لتأسيس حزب أو تكوين يعبر عن تطلعات وأشواق قطاعات عريضة من المجتمعات السودانية حتى لا تظل هذه القطاعات خارج قسمة السلطة. أن بقاء هذه القطاعات المؤثرة خارج الفعل السياسي هو السبب المباشر للاحتقان الآيل للانفجار،

 

خامسا: إقرار فترة الحريات الشاملة التي لابد أن تسبق الانتخابات وتؤسس لها وما يقتضيه ذلك من رفع الإجراءات المقيدة للحريات وإطلاق حرية الصحافة وكسر احتكار الحكومة لوسائل الإعلام العامة من إذاعة وتلفزيون ووضع الأجهزة الأمنية كأجهزة ذات طابع وأداء وطني حسب دورها المحدد في اتفاقات نيفاشا وليس مجرد أجهزة لتأمين سطوة الحكومة. مثل هذه الخطوات من شأنها أن تخفف نوعا من حدة الاحتقان غير المنظور، لأنه متى حم القضاء فلن ينفع الحكومة جهاز أمنها ولو جاءت بمثله مددا،

 

سادسا: تأجيل الانتخابات لعامين آخرين شريطة أن تتسم فترة التأجيل بتطبيق الخطوات الوارد ذكرها،

 

سابعا: تطبيق كل ما ورد في اتفاقات نيفاشا روحا ونصا،

 

ثامنا: إلغاء كل القوانين المتعارضة مع الدستور الانتقالي،

  

السودان يحتاج اليوم إلى مرحلة تسبق الانتخابات تخضع فيها الحكومة والأحزاب والناس أجمعين إلى سيادة الدستور والقانون، مرحلة تكفل حقوق الأفراد وحرية التعبير والتفكير وحرية الحركة واستقلال القضاء. وأجدني أتفق مع الخبراء الذين يرون أن الديموقراطية تظل غير متماسكة ما لم تسبقها هذه الخطوات. في الغرب كانوا يسمونها المرحلة الليبرالية، ونحن نسميها "مرحلة التركيز الدستوري" وهي مرحلة لابد أن تصير شاءت الحكومة أم أبت، ومن الأحسن لها أن تشاء بيدها وأن تضع خطا فاصلا بين "إنقاذ" كانت وبين حكومة انتقالية تتصف بالصفات الواردة في النقاط السابقة .. لا يوجد ترياق أخر يخفف من الاحتقان.

  

نعلم أن مثل هذه الإجراءات تتطلب من الحكومة قدرا عاليا من الجسارة والثقة في النفس. ونعلم أن الحكومة تشعر أنها في حال تطبيق هذه الإجراءات تكون كمن ترك حبل الأمان للامساك بحبل أخر. لكن ينبغي على الحكومة الحاكمة أن تعلم أن الحبل الذي تتعلق به اليوم قد شدّ طرفاه على شفا جرف هار.

  

سالم أحمد سالم

 

باريس

 أول مايو 2009