عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كما توقعت في مقالي قبل الأخير .. فقد ضربت شبكة الجماعات الاسلاموية ضربتها الدامية في مصر قبل أن يجف حبر الكتابة .. سبعة أيام بالتحديد فصلت بين ما كتبته وتم نشره بتاريخ 24 ديسمبر 2010 وبين الجريمة البشعة التي ارتكبتها شبكة الجماعات الاسلاموية أمام كنيسة القديسين مار مرقص والأنبا بطرس في الإسكندرية فجر أول يناير 2011، تلك المجزرة التي أزهقت أرواح 21 بريئا من المصلين معظمهم من النساء والأطفال وقد خرجوا من بيت الله يتمنون لبعضهم البعض عاما سعيدا لم يروا شمس أول أيامه.
ما كتبته كان تحت عنوان: "الجماعات الباطنية احتلت السودان وتتربص السعودية والخليج ومصر" وقد نشر في بعض المواقع الالكترونية، وتجدون روابطه أسفل الصفحة.
قلت في النص:
(الهزات العنيفة التي أخذ يتعرض حكم الجماعات للسودان سوف يدفعها دون شك إلى الإسراع في تنفيذ خططها في المنطقة قبل أن تصبح بدون ارض. وإذا جانبني الصواب في هذه القراءة، فإنني أفضل أن أقولها اليوم عن الندم على عدم قولها في حينها الآن .. خذوا حذركم على الأقل، ولا تعينوا المحتل على شعب كريم نبيل ... فالأيام دول! ..) والمؤسف أن الصواب لم يجانبني ...
وقلت في النص:
مصر .. في الفخ !
الحكومة المصرية بدورها هللت للانقلاب العسكري (في السودان) .. وكمان اعتبرتهم أولادها! فانطلت عليها خدعة الجماعات الاسلاموية البارعة في المكر والخديعة. لكن محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك، مثل غزو الكويت، كشفت استهداف الجماعات الاسلاموية لمصر عن طريق خلق فوضى سياسية، ومن ثم فتح جبهات عنف داخل المجتمع المصري وفق خطة إطباق تعقب الفوضى. ثم إن اختلاف جنسيات العناصر التي شاركت في محاولة الاغتيال قدمت الدليل المادي على تواجد خلايا الجماعات الاسلاموية من شتى أنحاء العالم داخل السودان علاوة على سيطرة الجماعات على مفاصل القرار وتمتعها بحرية الحركة والفعل مهما كانت درجة خطورته.
وبعد فشل المحاولة بذلت الجماعات ظهرها وبطنها ودموعها لمصر لعلها ترضى، فرضيت مصر! تركوا لها حلايب وبنوا لها سد مروي وغيره لتخزين حصة مصر من مياه النيل وتمرير الطمي ورفع الضغط عن السد العالي، ثم وقفوا يساندون مصر أمام أقطار حوض النيل وأفردوا لمصر ملايين الأفدنة في أطيب أراضي السودان الخصيب في مشروع الجزيرة والشمال وغيره وفتحوا الأبواب أمام العمالة المصرية غير المدربة. وهكذا استبشرت مصر بالخير الوفير والماء والزرع والضرع السوداني الذي سوف يحل ضائقات أمرها. لكن الواقع أن مصر قد بلعت الطعم وأدخلت رأسها في حلقة حبل الشرك الذي نصبته لها الجماعات الاسلاموية بعناية، ومصر تظن أنها تحقق مكاسب في السودان! ذلك أن محاولة دخول الجماعات الاسلاموية دخولا مباشرا للسيطرة على مصر من شأنه أن يخلق ردة فعل قوية مصرية وعالمية. لذلك كانت خطة الجماعات هي إدخال مصر للسودان بإغراء مصر و"تمييع الحدود" وبالتالي فإن دخول مصر السودان يعني تلقائيا دخول الجماعات الاسلاموية إلى مصر بلا حدود ولا غربال! وأشد ما يحيرني أن مصر لم تدرك إلى اليوم أنها هي الهدف الاستراتيجي للجماعات الاسلاموية انطلاقا من السودان).
وقلت في النص:
فماذا أنتم فاعلون يا أقطار الجوار؟ !
مصر معقل الكثافة السكانية ذات الموقع الاستراتيجي والسعودية وأقطار الخليج ذات النفط تظل الهدف الأساسي لهذه الجماعات وليس السودان. والواقع وحقائق التاريخ تؤكدان معا أن احتلال الجماعات الباطنية للسودان هو احتلال تكتيكي لأن السودان بتنوع اثنياته ونزوع مجتمعاته للديموقراطية والحرية كمطلب أول وأزماته الاقتصادية خاصة بعد انفصال الجنوب الوشيك، ثم تراث الحكم في السودان الذي لا يقبل تفرد شخص أو فصيل واحد بالحكم، كلها عناصر تجعل في حكم المستحيل استمرار احتلال السودان لفترة طويلة. فقد فشل "التمكين" والشعب يدفع بقوة نحو الحرية حتى لو تصدّعت البلاد كما قشرة البيضة.
مأزق أقطار الجوار أن السودان يشكل اليوم الأرض الثابتة لهذه الجماعات للانقضاض ولو بعد مائة عام على الأهداف الإستراتيجية في السعودية وأقطار الخليج حيث النفط كسعلة ذات مردود وسلعة ضغط على القوى الدولية، علاوة على الموقع الاستراتيجي. وبذات المستوى سوف يظل الخطر يتهدد مصر ذات الموقع التاريخي والجغرافي والكثافة السكانية طالما ظلت شبكه الجماعات الاسلاموية تستعمر السودان. ذلك أن وقوف هذه الجماعات على أرض صلبة في السودان يجعل خلايا الجماعات الاسلاموية في مصر تقف على نفس الأرض الصلبة، فهي جماعات لا تعترف بالحدود ولا بالهوية القطرية .. وما أقصر المسافة بين قصر عابدين والقصر الجمهوري عند مقرن النيلين! والمشكل مع هذه الجماعات أنها لا تحيد عن أهدافها مهما بلغ حجم الترضية المادية المبذولة لها، فهي تريد "الأصول الثابتة" وليس فائض القيمة ولا تقبل بالقسمة! فلا تغرنكم دعوات "دولة العروبة والإسلام وشرع الله واللغة العربية" فهي حبل من مسد! والهزات العنيفة التي أخذ يتعرض حكم الجماعات للسودان سوف يدفعها دون شك إلى الإسراع في تنفيذ خططها في المنطقة قبل أن تصبح بدون ارض).
انتهى الاقتباس عن مقالي السابق.
من المؤسف جدا أن يصدق ما توقعته خاصة وأن الضحايا أبرياء، ومن المؤسف حقا أن حكومات الأقطار التي نصحنا لها مثل مصر بقولنا "خذوا حذركم" قد ألقت تحذيرنا ظهريا بينما دفع الأبرياء ثمن اللامبالاة الرسمية. الإدارات الأميريكية عادة تحمل مثل هذه القراءة محمل الجد وتقوم بالاحتياط اللازم. فالإدارات الأميريكية تعين مئات الخبراء لمثل هذه القراءات وتدفع لهم الملايين، بينما نبذلها نحن لمصلحة شعوبنا وأجرنا على الله ومنه فلا نريد منهم جزاء ولا شكورا!
نعم مصر وأقطار الخليج هي الهدف النهائي لشبكة الجماعات الاسلاموية العالمية، واحتلالها للسودان خطوة تكتيكية وصولا للهدف النهائي. والضربة الدامية التي تلقتها مصر دليل قاطع إلى ما ذهبنا إليه من أن (الهزات العنيفة التي أخذ يتعرض لها حكم الجماعات للسودان سوف يدفعها دون شك إلى الإسراع في تنفيذ خططها في المنطقة قبل أن تصبح بدون ارض) بالمقابل، فإن اقتراف جريمة الإسكندرية يؤكد أن الأرض فعلا بدأت فعلا تميد تحت أقدام الجماعات الاسلاموية في السودان، وأنها بدأت في تنفيذ خططها في مصر.
وكما ذكرت في تحليلي الوارد ذكره، فقد كان من البديهي أن تستهدف شبكة الجماعات الاسلاموية العالمية مصر من ناحية الجنوب. فالحدود المصرية الأخرى تكاد تكون مؤمنة من خطر هذه الجماعات، ثم إن الجماعات الاسلاموية تفرض على السودان سيطرة استعمارية، وأرض السودان مفتوحة تتوافد إليها هذه الجماعات تسرح وتمرح بحرية وتقيم معسكرات التدريب العسكري وتصنيع السلاح إلى جانب أطنان الأسلحة التي تمر عبر الموانئ والشواطئ السودانية تحت إشراف حكومة الجماعات الاسلاموية. وقد بذلت الجماعات الحيل كافة والجهد لاستخراج النفط السوداني الذي تذهب معظم عائداته لتسليح هذه الجماعات من أجل تنفيذ مشروعها الكبير في المنطقة، والذي يقتضي تدعيم سلطتها الاستعمارية للسودان كقاعدة انطلاق. لذلك تذهب عائدات البترول للسلاح والأمن بدليل حالة الإفقار التي يعاني منها الشعب السوداني. بل أن الجماعات الاسلاموية دمرت أكبر مشروع زراعي، الجزيرة، للحصول على الحديد من قضبان السكك الحديدية والمعدات الزراعية واستخدمته في صناعة السلاح.
سيطرة الجماعات الاسلاموية على السودان جعلت ظهر مصر هدفا عاريا ومكشوفا أمام هذه الجماعات. فالحدود بين البلدين واسعة ويستحيل السيطرة عليها. زد على ذلك أن شبكة الجماعات الاسلاموية درست بعناية سيكولوجية الحكومة المصرية، ومن ثم تمسكنت وخدعت حتى ظنت الحكومة المصرية أنها هي المسيطر على حكومة الجماعات وأن مصر تحقق مصالح اقتصادية في السودان! والخطأ المشترك الأعظم الذي وقعت فيه الحكومة المصرية هو خطأ مزدوج. فالحكومة المصرية تنظر إلى السودان من عل بذات النظرة التركية القديمة. زد على ذلك أن الحكومة المصرية مازالت ترى أن الحكومة السودانية الراهنة هي انقلاب عسكري نفذته مجموعة من ضباط "حزب الجبهة الإسلامية" دون أن يمتد نظر الحكومة المصرية إلى أبعد من ذلك لكي ترى أن حكومة الخرطوم هي حكومة شبكة الجماعات الاسلاموية العالمية التي تستعمر السودان استعمارا استيطانيا تكتيكيا للانقضاض على أهدافها الإستراتيجية في مصر وأقطار الخليج النفطية. كذلك أغفلت الحكومة المصرية مد الجسور والروابط مع الشعب السوداني واكتفت بروابطها مع حكومة الجماعات في الخرطوم. أما إذا كامن الحكومة المصرية لا تعلم بالروابط والاتصالات والتنسيق بين شبكة الجماعات الاسلاموية وخلاياها داخل مصر، فتلك مصيبة!

وما زاد في التعقيد أن مصر تقع بين فكي حكومة الجماعات الاسلاموية المستعمرة للسودان وبين حركة حماس في غزة، وبالتالي روابط حماس وامتداداتها شمالا إلى مناطق العراق وإيران حتى أفغانستان. فقد كان من الخطأ بمكان تصديق الإشاعة التي بثتها شبكة الجماعات الاسلاموية أن شحنات الأسلحة والمتفجرات الإيرانية التي تدخل عبر ميناء بورتسودان، والتي ضرب بعضها الطيران الإسرائيلي، كانت تعبر الأراضي المصرية إلى حركة حماس في قطاع غزة. وإذا وضعنا في الاعتبار صعوبة بل استحالة تمرير السلاح عبر الحدود بين مصر وبين قطاع غزة، فإن كل القرائن تميل إلى ترجيح فرضية أن الأسلحة تبقى في مصر ولا تغادر الديار المصرية. وعلينا أن نأخذ في الاعتبار فضيحة شحنات الأسلحة الإيرانية التي كانت متوجهة إلى بعض الجماعات الاسلاموية المتطرفة في نيجيريا، تلك الفضيحة التي أطاحت وزير الخارجية الإيراني، ليس لأن الرئيس الإيراني لم يكن يعلم أو أنه ضد العملية، لكن لأن العملية انكشفت واتخذها احمدي نجاد سببا لإقالة وزير خارجيته في أوار الصراع بين الرجلين.  
وأصدقكم القول أنني كتبت في التحليل المشار إليه: "إن انسحاب الجماعات الاسلاموية عن مسار الانتخابات المصرية الأخيرة لم يكن بسبب تدخل الحكومة المصرية في مسار الانتخابات، لكن يتوجب قراءة الانسحاب كخطوة تكتيكية من هذه الجماعات الاسلاموية، التي برعت في مثل هذه التكتيكات المضللة، من أجل اتخاذ أسلوب آخر" .. لكنني حذفت هذه الفقرة مع غيرها اختصارا للتحليل!

قد يظن البعض أن انفجار كنيسة الإسكندرية يجيء ضمن الصراع المتصاعد بين المسلمين والأقباط في مصر. لكن الوقائع تدحض هذا الظن. أولا يجب أن نعي أن شبكة الجماعات الاسلاموية قد عملت على مدى سنوات على بذر الاحتكاكات بين المسلمين وبين الأقباط في مصر مثلما فعلوا في العراق بين المسلمين وبين المسيحيين عموما. وهو أسلوب "تهيئة مناخ الفوضى والعنف" وقد فعلت الجماعات الاسلاموية نفس الشيء في السودان عن طريق الفوضى الاقتصادية واحتكار السلع وحركة المال والمصارف، علاوة على الفوضى السياسية حتى دب اليأس في نفوس الشعب في قدرة الأحزاب والديموقراطية في علاج الأزمات، ومن ثم نفذت الجماعات الاسلاموية انقلابها العسكري كمقدمة لاستعمارها للسودان. لذلك يجب أن نقرأ الاحتكاكات بين المسلمين وبين المسيحيين في مصر بأنها ضمن خطط الجماعات الاسلاموية لتهيئة مناخ الفوضى، لكن الاحتكاكات ليست لها علاقة بتفجير كنيسة الإسكندرية الذي وقع في غرّة هذا العام. فأدوات الاحتكاك لم تتجاوز القذف بالحجارة وإطلاق النار من أسلحة فردية ومواجهات جماهيرية غير منظمة، بينما جريمة الإسكندرية عمل منظم قامت به جماعة منظمة من حيث الإعداد والتنفيذ والأدوات والتوقيت والأهداف المحددة بدقة. فالعمل المنظم محدد الأهداف يختلف عن الانفعالات والاحتكاكات الجماهيرية غير المنظمة.
لكن الجماعات الاسلاموية الضالعة في المكر والخديعة أرادت أن يقرأ الناس جريمة الإسكندرية، كخطوة أولى، في معطى الاحتكاكات بين المسلمين والمسيحيين المصريين وكجزء من هذه الاحتكاكات. وطبعا الهدف من هذا الربط هو نشر العنف الاجتماعي وانتشار الأعمال الانتقامية المضادة بحيث تفقد الحكومة المصرية القدرة على السيطرة على الأوضاع الأمنية وتعم الفوضى وتنتشر الجماعات المسلحة نهارا جهارا، وهو هدف تكتيكي قبل الانقضاض على السلطة تحت شعر "الإسلام هو الحل" أو أي شعار من هذا النوع. لذلك اعتقد من واجب الحكومة المصرية أن تقوم بحملات توعية شاملة تعزل من خلالها مجزرة كنيسة الإسكندرية عن الاحتكاكات الجارية بين المسلمين والمسيحيين.

ليس تنظيم القاعدة!
إذن شبكة الجماعات الاسلاموية العالمية لها جملة أهداف من ارتكابها مجزرة كنيسة القديسين مار مرقص والأنبا بطرس في الإسكندرية. أهم هذه الأهداف هي نقل العنف في مصر من أسلوب المواجهات والاحتكاكات إلى مرحلة "العنف الجماعي" وأسلوب الضربات الدامية التي تلتهم أرواح العشرات بغية خلخلة كيانات المجتمعات المصرية وتعويمها، وبالتالي يسهل على هذه الجماعات  الانتقال بمصر إلى مرحلة "العنف الشامل" تماما كما يحدث في العراق. فجريمة كنيسة الإسكندرية هي نسخة غير معدلة عن جريمة كاتدرائية بغداد التي وقعت في أكتوبر الماضي. وقد صدق مواطن مصري وصف مجزرة الإسكندرية أنها "مشهد من العراق"
وفي ذات التضليل والتمويه، مهدت شبكة الجماعات الاسلاموية العالمية بتصريح منسوب لما يسمى تنظيم القاعدة يتوعد فيه المصريين بضربات كرد على التعاطف المصري المسيحي مع ضحايا مجزرة كنيسة النجاة أو كاتدرائية بغداد. وفعلا انساقت الحكومة المصرية وراء الفرية الاسلاموية عندما صرحت أن تنظيم القاعدة هو مرتكب مجزرة كنيسة الإسكندرية. كذلك لعب الإعلام المصري دورا أساسيا في نشر وتكريس هذا المفهوم عند الرأي العام المصري. وأقول أن ما يسمى بتنظيم القاعدة ليست له علاقة عملية بمجزرة الإسكندرية لسبب بسيط هو أنه لا يوجد الآن "جسد تنظيمي فاعل" اسمه تنظيم القاعدة! تنظيم القاعدة أيها السادة صنيعة أميريكية كان في بادئ أمره لتجميع العرب للحرب في أفغانستان نيابة عن أميريكا جهادا باسم الإسلام! ثم من بعد استنفاذ أغراضه "الجهادية" في أفغانستان حولته أميريكا إلى وهم صدّقه الشعب الأميريكي وشعوب العالم. لابد أننا سوف نكون على درجة لا نحسد عليها من الغباء والغفلة إذا صدقنا أن شرذمة مشردة في كهوف تورا بورا هي التي دمرت أبراج التجارية الدولية في أميريكا! .. طائرة فلان المصر وعلان السعودي مجرد حبكات في فيلم من أفلام الخيال السياسي! وأسامة بن لادن والظواهري مجرد أسماء كلما خبا مفعولها خرجت علينا أميريكا بحديث صوتي مصطنع تقنيا، وتنظيم القاعدة اليوم لا يعدو كونه اسما على الشيوع يستخدمه من يشاء لإخفاء هويته، تماما مثلما كانت إسرائيل وأميريكا تستخدمان اسم "الجهاد الإسلامي" والجماعات الاسلاموية العالمية كغيرها توظف اسم تنظيم القاعدة. فالجماعات الاسلاموية قديمة في المنطقة سبقت تنظيم القاعدة بمئات السنوات، وتنظيم القاعدة اليوم خلية شبه ميتة داخل الشبكة الاسلاموية منذ أن طردت أميريكا أسامة بن لادن من السودان لأنه كان يتحرك في الظاهر، بينما من المفترض أن يكون دوره في الباطن والخفاء! ومن ثم سطت شبكة الجماعات الاسلاموية على أمواله وممتلكاته في السودان .. نعم توجد شبكة خلايا عالمية للجماعات الاسلاموية هي التي ارتكبت مجزرة الإسكندرية، لكنها ليست تنظيم القاعدة. وبديهي أن لهذه الشبكة خلاياها داخل مصر.  

نعم شبكة الجماعات الاسلاموية تعمل في الخفاء، لكن من الضروري أن ندرك أن لها رؤوس في الظاهر ممثلة في الأحزاب والتيارات الاسلاموية في مصر وفي كل الأقطار الإسلامية. وقد كان من الصعوبة حتى وقت قريب إيجاد الرابط والبرهان على علاقة باطن هذه الجماعات يظاهرها. لكن عندما احتلت شبكة الجماعات السودان انكشف المستور وظهر للعلن الروابط العضوية بين الأحزاب السياسية الاسلاموية في السودان. ولا أظن أن مصر تحتاج لتجربة مريرة كالتي يمر بها السودان لكي تدرك مصر أن جميع الرموز السياسية الاسلاموية الظاهرة ونواب البرلمان من الاسلامويين المصريين هم جزء أصيل من خلايا الشبكة الاسلاموية العالمية.
ومن حيث تمركز هذه الشبكة في السودان، ومن حيث أن أهدافها في السيطرة على المنطقة قد أضحت واضحة منذ غزو العراق للكويت عندما تحالفت هذه الشبكة مع صدام حسين للسيطرة على المنطقة الممتدة من ميناء البصرة حتى ميناء عدن، ومن حيث أن مصر تعد هدفا استراتيجيا لهذه الشبكة، يكون في حكم البديهي أن خطر هذه الشبكة يضرب من مصر من الجنوب، ومجزرة الإسكندرية لن تكون الأخيرة.

لماذا مصر؟
مصر بلد محدود الموارد ومكتظ بسكان غالبيتهم فقراء، فلماذا وضعته الجماعات الاسلاموية هدفا استراتيجيا؟ الإجابة على السؤال تعيدنا إلى غزو العراق للكويت. فقد كان الشعار الذي روجت له حكومة صدام حسين هو أن معظم الثروة العربية محتكرة لعرب الخليج وهم فئة قليلة من الشعب العربي الذي يعيش معظمه تحت حزام الفقر، ولابد من تقسيم الثروة "العربية" بعدالة على الشعوب العربية. وقد وجدت تلك الدعاية رواجا كبيرا لدى غالبية الشعوب العربية ظنا أن ينالهم نصيب من الثروات النفطية على يد صدام حسين! وقد كانت الدعاية من القوة لدرجة جعلت الرئيس الأميريكي الأسبق بوش الأب يتحدث عن "توزيع عادل للثروات بعد تحرير الكويت" كذلك قال الحسن الثاني أنه يرفض غزو الكويت ويترفع عن الثروات العربية.

والحديث عن وعود صدام للشعوب العربية يقع في جزئية تحالف صدام حسين آنذاك مع شبكة الجماعات الاسلاموية .. حتى أنه وضع عبارة "لا إله إلا الله" على علم حزب البعث! وعلينا أن نتذكر أن الجماعات الاسلاموية ظلت تردد نغمة "عدالة توزيع الثروات العربية" قبل صدام حسين بسنوات بعيدة بما يدل أنها دخلت مفردات صدام من هذه الجماعات.
المصالح  وحدها هي التي ربطت بين صدام حسين وبين الجماعات الاسلاموية. فالجماعات الاسلاموية تسعى بلا يأس على تنفيذ فكرتها في السيطرة على المنطقة، وهي فكرة ظلت تسيطر على عقل هذه الجماعات لأكثر من ألف عام. وصدام حسين من جهته كانت له أطماع توسعية للسيطرة على كل المنطقة من ميناء البصرة إلى ميناء عدن! وطبيعي أن هذا الطمع غير الطبيعي يتطلب كثافة بشرية يتقاصر دونها تعداد شعب العراق. وقد حاول صدام حسين التغلب على مشكلة ضعف تعداد سكان العراق عن طريق استجلاب قرى مصرية كاملة، لكن فشلت المحاولة. لذلك وجد صدام في هذه الجماعات الاسلاموية وقواعدها وخلاياها النائمة والقائمة والمستترة والظاهرة ما يسد ثغرة الكثافة السكانية، علاوة أن الجماعات الاسلاموية منظمة ومنتشرة في هذه الأقطار. وهكذا تم زواج المصلحة واعتقدت الجماعات الاسلاموية وقتها أنها هي التي سوف تتولى إدارة الثروات النفطية العربية حال نجاح الغزو الصدامي الشامل. ومن ثم أطلق الطرفان مقولة "عدالة توزيع الثروة" لإغراء الشعوب العربية. لكن المؤكد أن الجماعات الاسلاموية لم تكن بصدد توزيع الثروات على الشعوب العربية بدليل ما فعلوه ببترول السودان الذي تذهب مدخلاته إلى أرصدتهم في الخارج بعد أن دمروا البلاد وأفقروا الشعب!

وبعد انهيار مشروعها مع صدام حسين، لم تتخلى خلايا شبكة الجماعات الاسلاموية عن حلمها القديم في السيطرة على المنطقة. لكن السيطرة كما ذكرت تحتاج إلى قوة بشرية ضاربة وكثافة سكانية عالية وهي خصائص تتوافر فقط في مصر دون سائر أقطار المنطقة. فقوة مصر الحقيقة تكمن في كثافتها السكانية، علاوة على موقعها الجغرافي والثقافي ثم التاريخي. لذلك اتجهت أفكار الجماعات الاسلاموية للسيطرة على مصر من أجل تسخير قوة الكثافة السكانية المصرية بتجييش الشعب المصري جهاديا وتحت ذريعة "عدالة توزيع الثروة" ومن ثم فرض سيطرتها على منابع النفط في الشرق الأوسط! الفكرة طبعا قديمة وتحقيقها صعب، وإذا كانت قد تحققت في التاريخ البعيد فقد أتت بنتائج معكوسة! فقد استعان خلفاء الدول الإسلامية بالأتراك السلاجقة، لكن السلاجقة سيطروا وأسسوا لأنفسهم الدولة السلجوقية التي حكمت من أفغانستان وإيران وتركيا وسورية والعراق والجزيرة العربية من عام 1038 حتى 1194، ثم من بعدهم جاء المماليك بنفس الطريقة. بديهي أن وقائع العصر والتوازنات الدولية وتقنيات الحروب الحديثة تجعل من مثل هذه الأفكار ضربا من العبث والهوس. لكن حقائق العصر كلها لا تثني شبكة الجماعات الاسلاموية عن السيطرة على مصر كهدف استراتيجي يكتمل بالسيطرة على الثروات النفطية في الأقطار الخليجية خاصة بعد فشل شبكة الجماعات الاسلاموية في السيطرة على الجزائر. استعمار السودان هدف تكتيكي وصولا إلى الهدفين الاستراتيجيين في مصر والأقطار الخليجية النفطية ويتحقق الحلم المجنون!

سالم أحمد سالم
باريس
04 يناير 2011

روابط الموضوع المشار إليه:
الجماعات الباطنية احتلت السودان .. وتتربص السعودية والخليج ومصر
http://www.sudaneseonline.com/ar5/publish/article_86.shtml

http://www.sudanile.com/index.php?option=com_content&view=article&id=21670:2010-12-23-10-37-58&catid=101:2009-01-12-07-36-57&Itemid=55