أحزاب الطوائف والدين (2) .. وضعت الشعب داخل نفق دائري وجعلته يسير فيه  

دمرت الاقتصاد لتدمير كتلة الوعي والنقابات .. فوقعت في فخ القبيلة والجهوية

الدستور الإسلامي فصل الدين عن المجتمع .. والترابي صعد على خواء الطائفية 

الجبهة والأمة والاتحادي حزب واحد بثلاثة أسماء .. والدين السياسي إلى ذبول

 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

مدخل لابد منه:

ما أكتبه في هذا السياق ليس مجرد سرد لوقائع تاريخية، لكنني أهدف إلى توجيه حزمة من الضوء نحو مستقبل السودان لعلنا نرى الآثار المتوقعة للانتخابات المزمعة. فالانتخابات لا تعنينا من الوجهة الشكلية لأنها لا تعدو كونها "عملية إجرائية" لا تتجاوز إجراء رمي البطاقات في الصناديق دون أن تسبقها "مرحلة الحريات الكاملة" الشرط الوحيد الذي يجعل أي انتخابات حرة ونزيهة .. ناهيك عن كونها شفافة! .. فهي شفافة بحيث ترى عريها القبيح! الأهمية الوحيدة لهذه الانتخابات أنها سوف تفرز واقعا سياسيا قد يظنه البعض جديدا. هذا الواقع المنتظر هو ضالتنا التي نحاول أن نتبين ملامحه في هذا السياق  قبل أن يغطش ليله دامسا ويخرج ضحاه قاتما .. فالانتخابات تبدو لي مثل عارض عاد "فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ" .

 

معرفة الواقع الذي سوف تفرزه الانتخابات يتطلب بالضرورة أن نتعرف على الأحزاب التي سوف تتسيد الساحة السياسية السودانية بعد الانتخابات. والتعرف على هذه الأحزاب يقتضي بدوره معرفة الجذور والظروف التاريخية التي نشأت عليها الأحزاب التي ظلت مستحكمة ولا تزال. فالحزب السياسي مثله مثل الكائن البشري تماما لا يستطيع أن يتخلى عن كينونته الأولى أو مكونه الأساسي مهما كان حجم التبديلات والتغييرات والتحويرات التي يدخلها على كينونته الأولى أو الأزياء التي يبدلها. فإذا تخلى الفرد أو الحزب عن كينونته الأولى يكون قد أصبح شخصا آخر أو حزبا آخر! وهذا أمر مستحيل. طبيعي إذن أن مواقف جميع الأحزاب السودانية "اليوم" تظل مرتبطة إلى تلك الأهداف والجذور التي تأسست عليها بما فيها فروعها التي انسلخت عنها، فالفروع المتسلخة هي في النهاية عُقَلْ من شجرة واحدة! لذلك لا يختلف مذاق الثمرات مهما اختلف لون الغضون والصفق تبعا للفصول السياسية!

زد على ذلك أن غياب البرامج المتنافسة جعل لعبة الانتخابات في السودان عبارة عن منافسة بين أفراد لهم حقائب مثل حقائب الحواة مليئة بالحيل في تضليل الشعب والخصوم والمراوغة وإظهار ما يخفي الاتفاقات الباطنية التي تواثق عليها سرا حزبان أو أكثر. ولا شك أن أساليب المراوغة التي مرد عليها زعماء أحزاب السودان الراهنة تشكل كتلة كبيرة من الخديعة كافية لتضليل كل الشعب السوداني. لذلك نوهت في الجزء السابق من هذا السياق (أحزاب الطوائف والدين .. حرب لا تنتهي على النقابات والاتحادات .. والوعي) إلى ضرورة النظر بعين الشك المنهجي في التصريحات والمواقف المعلنة للزعامات الحزبية حتى لا تجرنا التصريحات إلى المنطقة التي يريد أن يجرنا إليها صاحب التصريح بعيدا عن المنطقة التي لا يريدنا أن ننظر فيها ..

 

كل هذه المعارف المسبقة سوف تساعدنا، على أقل تقدير، أن نتفادى حالات الإحباط الاجتماعي المتوقعة جراء مباغتات تبدل المواقف ومباغتات تحالفات قبل وأثناء وبعد الانتخابات ونتائجها المحسومة بدلا أن نقيم بنيانا من آمال الوهم على شفا جرف هارٍ من تصريحات الزعماء ينهار بباقي الوطن إلى أتون فشل وانقسامات هي قاب قوسين أو أدنى من ذلك ولا أكثر. وعليه نواصل تتبع مسارات الفصول السياسية.

 

النقابات ومأزق الانتخابات:

أدرك البريطانيون، بنظرة موضوعية وثاقبة، أن البقاء في السودان سوف ينتهي إلى تدمير ما بنوه. فقد بلغ التوتر الاجتماعي أقصاه وأصبح على شفا الانفجار. والانفجار كان سوف يعني تدمير المصالح والاستثمارات البريطانية الضخمة في السودان، وهي استثمارات ومصالح مؤثرة في دوران عجلة الصناعة في بريطانيا. فتدمير المصالح البريطانية كان يعني تدمير مشاريع القطن وشبكات السكك الحديدية. فقد أصبح الهدف الأساسي للثورة الاجتماعية المتنامية هو خروج المستعمر. فإذا كان القطن هو سبب بقاء الاستعمار .. فليذهب القطن إلى الجحيم! وتدمير القطن سواء بحرق المحصول أو الإضراب عن زراعته وتعطيل وتدمير شبكات الخطوط الحديدية أو الإضراب الشامل الذي يشل حركتها كان يعني إلحاق ضرر فادح ومباشر بصناعة المنسوجات البريطانية التي ازدهرت واعتمدت في جانب مهم منها على أقطان السودان.

 

وما حتّم على البريطانيين شد زوامل الرحيل فقد فشل الظهيران الطائفيان في كبح الحركة الاجتماعية القوية والمتنامية التي قادتها نقابات العمال واتحادات المزارعين والمدرسين وغيرها من الفئات. ومما فت في عضد بريطانيا وأحبط زعيمي الطائفتين أن قاعدة المقاومة الاجتماعية قد تمددت وشملت غالبية المجتمعات السودانية من غير المنتمين مهنيا للنقابات بما فيهم قطاعات عريضة من مريدي الطائفية خاصة طائفة الختمية! كانت البلد على حال من التوتر والجاهزية، وكانت الخطوة المتوقعة أن تنتقل المقاومة الشعبية من الإضرابات والتظاهرات إلى تدمير الروابط الاقتصادية البريطانية في السودان وعلى رأسها القطن وخطوط نقله. لذلك كان على بريطانيا التوصل إلى صيغة حل يضمن استمرار مصالح الصناعة البريطانية. وأول بند في هذا الحل هو مغادرة السودان. وهو بند تضافرت على تأييده العوامل السياسية البريطانية الداخلية علاوة على الظرف الدولي الذي أفرزته نهاية الحرب العالمية الثانية وتطلع الشعوب إلى الحرية والاستقلال الوطني، وظهور الاتحاد السوفييتي كمساند للشعوب المكافحة من أجل الاستقلال الأمر الذي يفتح المجال أمام الاتحاد السوفييتي لتأسيس علاقات متوازنة مع الشعوب المستعمرة، وذلك ما لم يكن يريده الاستعمار العالمي آنذاك.

 

إذن فقد كان على بريطانيا التوصل إلى صيغة تزاوج بين خروجها عن السودان مع ضمان استمرار مصالحها الاقتصادية، أي استمرار تدفق القطن السوداني بعد المغادرة. الصيغة الأولى كانت تنصيب السيد عبد الرحمن المهدي ملكا على السودان. إلا أن بريطانيا صرفت النظر سريعا عن الفكرة المجنونة لأن تنصيب المهدي كملك من شأنه أن يزيد الأمور تعقيدا وينقل الثورة الاجتماعية إلى حالة من العنف الشامل. وقد تأكدت بريطانيا من ذلك جراء المد الاجتماعي العريض الذي قاوم الفكرة بضراوة .. حتى نظم الناس فيها الأغاني الشعبية الساخرة! بل إن فكرة تنصيب السيد عبد الرحمن المهدي ملكا كانت من ضمن بواعث تكوين تحالف الحزب الوطني الاتحادي خارج كنف الطائفتين كما سوف نرى لاحقا.

 

من هنا لجأت بريطانيا إلى حل تمثل في تكوين حزب سياسي لكل واحدة من طائفتي الختمية والأنصار، حزب الأمة لطائفة الأنصار وحزب الشعب الديموقراطي لطائفة الختمية، ثم إجراء انتخابات عامة في السودان. فقد كان في حسابات البريطانيين أن مقاليد إدارة السودان سوف لن تخرج عن نطاق هذين الحزبين الطائفيين، يشكل أحدهما الحكومة ويجلس الآخر في كراسي المعارضة. ثم إن حصر المنافسة البرلمانية بين الحزبين الطائفيين كان يعني إخراج القوى الاجتماعية التي كافحت الاستعمار خارج دائرة التأثير السياسي ..

 

وهذا ما حدث فعلا. فالاحتكام للانتخابات وضع النقابات والحركة الاجتماعية العارمة المكافحة من أجل الاستقلال أمام مأزق حقيقي. فبرغم كثافة تلك القوى الوطنية وقوتها وإجبارها بريطانيا على خطة الانسحاب من السودان، إلا أن تلك القوى الوطنية ونقاباتها لم تكن منتظمة في حزب سياسي لخوض الانتخابات. كانت نقابات، والنقابات كما هو معروف لا تقوم مقام الحزب السياسي وإن دعمته. هو مأزق يطابق الحال الماثل اليوم في السودان .. قوى اجتماعية غالبة لكن ليس لها حزب سياسي يعبر عن أهدافها!  

 

الدخول من بوابة الحزب الوطني الاتحادي:

لكن يبدو أن مفاجآت السودان لا تنتهي! فمن جوف ذلك المأزق خرجت المفاجأة التي لم تكن في قيد حسبان بريطانيا وزعماء الطوائف. فقد قامت مجموعة من النخب المهنية السياسية الاجتماعية بتكوين تحالف تبنى بالكامل جميع أشواق الحركة الاجتماعية المنادية بالاستقلال هو الحزب الوطني الاتحادي بزعامة اسماعيل الأزهري ونخبة من رعيل حركة الاستقلال. وقد تمكن التحالف الوليد من استقطاب معظم القوى الاجتماعية أولا لأنه عبّر عن طموحاتها ورفع شعاراتها، وثانيا لأنه تبلور خارج كنف الطائفية. ومهما قيل عن اشتقاق الأزهري ومجموعته عن حزب الأشقاء أو العكس، تظل الحقيقة الناصعة أن تلك المجموعة قد أدركت بفطرتها وانحيازها الاجتماعي ضرورة تبني أشواق الحركة الاجتماعية العارمة التي نبتت بين قضبان السكك الحديدية والحقول والمدارس ومدن وأصقاع السودان. والأصح من ذلك أن الحركة الاجتماعية ونقاباتها هي التي وضعت تلك النخب في المقدمة لقيادة وتنسيق تحالف اجتماعي عريض تحت مظلة الحزب الوطني الاتحادي الذي كان يمثل تحالفا اجتماعيا عريضا أكثر عن كونه حزبا سياسيا.

 

والواقع أن ذلك الرعيل الذي قاد التحالف الاجتماعي تحت مظلة الوطني الاتحادي كان جزء أصيلا من ذلك النسيج الاجتماعي ونتاجا لحركة التعليم التي كافح من أجلها الآباء. فالأزهري كان مدرسا، إضافة إلى المحاسبين والمحامين والموظفين والمزارعين والعمال الذين شكلوا النواة الصلبة في تحالف الحزب الوطني الاتحادي بما فيهم زعماء العشائر ومشائخ الخلاوي. كذلك لم تكن تلك النخب محصورة فقط في تحالف الحزب الوطني الاتحادي، بل كانت أيضا داخل حزبي الطائفتين من أولئك على سبيل المثال محمد أحمد محجوب في حزب الأمّة وعلي عبد الرحمن في حزب الشعب الديموقراطي وغيرهما كثر. لم ينضم هؤلاء لحزبي الأمة والشعب الديموقراطي عن ولاء طائفي، بقدرما كان انضماما لمؤسسة حزبية سياسية. ونتأكد من ذلك من الحروب والدسائس التي قادها أبناء الطائفتين لاحقا ضد تلك النخب مثل معركة الصادق المهدي ضد محمد أحمد محجوب، حيث كان المؤهل الوحيد للصادق المهدي أنه "ابن" زعيم طائفة الأنصار. وقد كان من البديهي أن كسب الصادق المعركة برغم صغر سنه وضآلة تجربته السياسية قياسا لقامة سياسية وأدبية وفكرية مثل محمد أحمد محجوب. فالعراك الطائفي ضد النخب الوطنية لم يستثني حتى أولئك الرعيل الذين انضموا لحزبيهما الطائفيين! واليوم تتجسد الظاهرة في احتكار أبناء وبنات الطائفتين لكل المقاعد الأمامية في حزبي الأمة والاتحادي الديموقراطي ..

 

فتح ميلاد الحزب الوطني الاتحادي الباب أمام القوى الاجتماعية ونقاباتها الرائدة للمشاركة في الانتخابات. ليس المشاركة فحسب، بل اكتسح ذلك التحالف الوطني العريض أول انتخابات تمكن بموجبها الحزب الوطني الاتحادي من أن يشكل منفردا أول حكومة وطنية. كانت الصدمة قاسية على الزعيمين الطائفيين، صدمة تولدت عنها غضبة، وغضبة تولدت عنها حزمة المكائد السياسية التي ظلت تلاحق السودان إلى اليوم. والجدير حقا بالملاحظة في تلك التجربة الديموقراطية أن التضاد الحاد بين حقوق النقابات والاتحادات والمجتمعات السودانية وبين استلاب الطوائف الإقطاعية أفرز تحولا غير مسبوق في الحركة السياسية السودانية. ففي أول انتخابات قام قطاع عريض من أتباع طائفة الختمية بالتصويت بكثافة لصالح الحزب الوطني الاتحادي علما أن لطائفة الختمية حزبها، علاوة على أن تحالف الحزب الوطني الاتحادي المندثر كان يشن حربا لا مهادنة فيها ضد الطائفية. فقد كان من الأمور الباعثة للحيرة أن يكون المرء ختمي الطائفة اتحادي الحزب السياسي! الواقع أن الشعارات التي أفرزتها الحركة الاجتماعية وقادتها النقابات والاتحادات كانت تعكس تطلعات المجتمعات السودانية وطموحاتها في الاستقلال والتنمية والحرية والتعليم. كانت شعارات صادقة جعلت الجماهير تميز بين "خصوصية" الولاء الطائفي وبين الحزب السياسي الذي يحقق الطموحات على الصعيد الشخصي والوطني، والتمييز بين الهوى الطائفي وبين المعطى السياسي يعكس بالتأكيد وعيا وطنيا عاليا ومتقدما.  

 

وتأكيدا لحقيقة هذا الوعي فقد انحسرت الجماهير عن تحالف الحزب الوطني الاتحادي بمجرد أن اتخذ قادته قرار الاندماج في حزب طائفة الختمية، حزب الشعب الديمقراطي، وتكوين ما يعرف اليوم بالحزب الاتحادي الديموقراطي. انحسار الجماهير يؤكد أيضا إدراك الجماهير أن الحزب الطائفي لا يحقق تطلعاتها، وإلا كانوا صوتوا لصالحه. والفجيعة التاريخية أن الحزب الوطني الاتحادي كان تجمعا اجتماعيا وطنيا عريضا. وقد كان في مقدور زعاماته التاريخية بلورة حزب سياسي قوي من خلال تطوير برامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية لمرحلة ما بعد الاستقلال الوطني. لكنهم اغفلوا ذلك. ثم جاء قرار الاندماج ليشكل خروجا إن لم نقل خيانة للقوى الاجتماعية العريضة .. فمات الحزب واندثر بسبب انفراط التحالف العريض وانحسار قواعده عنه لا لأي سبب آخر. وهنا نضع يدنا على حقيقة هامة هي أن الشعب السوداني بصفة عامة غير منقاد للزعامات إذا حادت عن الجادة، وإلا لكانوا تبعوا الزعيم الأزهري وزعامات الحزب الذين خرجوا بالحزب عن أهدافه. لكن الشعب السوداني يتخذ الموقف بانسحاب هادئ ومتين .. تريدون الطائفية؟ إذن اذهبوا إليها وحدكم!

 

لكن أخطر تبعات ذلك الاندماج أنه أخرج القوى الاجتماعية الغالبة في السودان عن الفاعلية السياسية وأعادها إلى الوضع الذي كانت عليه قبل تكوين تحالف الحزب الوطني الاتحادي، وبقيت هذه القوى الغالبة خارج الحلبة منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم. كما أدى التحالف إلى غياب حزب وطني اجتماعي واستفراد أحزاب الطوائف والدين السياسي بكامل الساحة السياسية في البلاد. لكن لا يجب أن ننسى فضل تحالف الوطني الاتحادي وزعاماته في بلورة وتشكيل أهم كتلة سياسية اجتماعية في تاريخ السودان الحديث.

 

كتلتان:

كان لظهور تحالف الحزب الوطني الاتحادي دوره التاريخي في وضع المجتمعات السودانية في كتلتين أساسيتين متقابلتين:

الكتلة الوعي الوطني الاجتماعي: وهي الكتلة العريضة التي تبلورت تحت تحالف الحزب الوطني الاتحادي وتضم غالبية الفئات الاجتماعية السودانية غير الطائفية خاصة جماهير ونقابات واتحادات العمال والمزارعين والموظفين والمهنيين، لكنها تضم أيضا قطاعات متفاوتة من مريدي الطائفية والطرق الصوفية. هذه الكتلة يجمعها مفهوم عريض وقواسم مشتركة عن الحرية الاجتماعية والتنمية وتؤمن بالآلية الديموقراطية، لذلك أطلقنا عليها في هذا السياق وبلا حذر منا مسمى "كتلة الوعي الاجتماعي" وبفضل هذه القواسم المشتركة تبلورت الكتلة في صيغة تحالف الحزب الوطني الاتحادي قبل الاستقلال. وبعد اندثار تحالف الوطني الاتحادي ضربت الأحزاب الطائفية حصارا قويا على هذه الكتلة بشتى الوسائل كما سوف نرى. إلا أن هذه الكتلة ظلت تنمو خارج دائرة المشاركة السياسية، وقد نجم عن ذلك حالة الاحتقان السياسي الذي ظل يسود السودان من عام 1956 إلى اليوم.

 

كتلة الطائفة والدين السياسي: هذه الكتلة كانت تتمثل أولا في طائفتي الختمية والأنصار وواجهتيهما  حزب الأمة وحزب الشعب الديموقراطي. ثم انضم إليهما لاحقا حزب الجبهة الإسلامية السياسية ليشكل الثالوث أثافي كتلة الدين السياسي أو "أحزاب الدين والطوائف" عنوان هذا السياق، وهي الكتلة المسيطرة اليوم على كل أوجه الحياة السياسية في السودان تحت القبضة الأمنية للجبهة السياسية الإسلامية. تتميز التكوينات الثلاثة لهذه الكتلة بالتنظيم الداخلي بحكم سطوة المعتقد، كما تمرست على المناورات السياسية وإقصاء المنافسين بلا رحمة ومهما كانت النتائج. كذلك نلاحظ أن نشوء هذه الكتلة على دعامتين طائفيتين يخول دون اندماجها في كتلة واحدة متماسكة، حيث لن تقبل طائفة أن تذوب نفسها في طائفة أخرى. وكذلك بقي الحال عندما انضمت إليهما الجبهة السياسية الإسلامية. لكن هذه الكتلة الثلاثية تتحد وتقف متضامنة صلبة في وجه كل تيار سياسي اجتماعي من خارجها. كما تعمل هذه الكتلة متضامنة على إبقاء الكتلة الأولى خارج مربع المشاركة السياسية. هذه النقطة تشكل أهم محاور هذا السياق. فقد ظلت هذه الكتلة الثانية مسيطرة على الحياة السياسية في السودان منذ عام 1957 إلى اليوم برغم أنها لا تتمتع بقاعدة اجتماعية انتخابية. ولا تعتد هذه الكتلة بالآلية الديموقراطية إلا كوسيلة من وسائل استلام الحكم. وفي حال لم تصل إلى الحكم بالآلية الديموقراطية، فإنها لا تتورع عن اتخاذ أي وسيلة أخرى. لذلك نجد هذه الكتلة توظف الانقلابات البرلمانية والعسكرية كأدوات هامة للسيطرة على الحكم. وهنا تكمن محنة السودان ومأزقه السياسي الراهن الذي حاد به عن جادة الآلية الديموقراطية للتداول السلمي لإدارة البلاد ..

 

وكما ورد في السياق فإن هاتين الكتلتين تبلورتا قبل استقلال السودان. فقد تبلورت الكتلة الأولى عن مناهضة النقابات والاتحادات للاستعمار، ثم اتسعت إلى حركة وطنية، ثم اكتسبت المشروعية الحزبية تحت مسمى الحزب الوطني الاتحادي. ثم استنهض البريطانيون طائفتي الخمتية والأنصار اقتصاديا في بادئ الأمر لحماية استثماراته في السودان وكترياق مضاد للكتلة الأولى، ثم شرعن لهما حزبين سياسيين لاستلام مقاليد البلاد ورعاية المصالح البريطانية.

كتلتان بينهما برازخ وفراسخ لا تلتقيان أبدا، وقع بينهما الطلاق الذي يسبق الزواج! فكتلة الوعي الاجتماعي ونقاباتها واتحاداتها كانت تشكل وعيا اجتماعيا جديدا له أشواق ومطالب في الحرية والحقوق المتساوية والأجور المتساوية والعدالة الاجتماعية، وهي مطالب تتناقض كلية مع الرغبات الإقطاعية الطائفية. لذلك لا نستغرب أن بادرت الطائفية النقابات بالعداء واستعدت عليها المستعمر ونكلت بالمزارعين والعمال والقيادات النقابية. وقد قابلتها الكتلة الأولي بالقدر المتساوي بالنقد والتعرية.  

 

الطائفتان تنفذان أول انقلاب في تاريخ السودان:

بعد الحصول على الاستقلال وفوز تحالف الحزب الوطني الاتحادي، تراجعت النقابات طوعا وأفسحت الساحة للأحزاب السياسية لقيادة العمل الوطني وتنمية البلاد. فالنقابات والاتحادات برغم دورها الرئيسي في أي حركة وطنية حتى في أوروبا اليوم، إلا أنها لا تحل محل الأحزاب السياسية. وبعد الاستقلال ظلت النقابات والاتحادات تقدم الدعم للأحزاب السياسية في كل المواقف الوطنية. ومنذ الاستقلال حتى نهاية ستينات القرن الماضي ازدهرت النقابات والاتحادات وانتشرت في السودان، وكانت تتمتع بمهابة ودور رئيسي في الحركة السياسية والتنموية في السودان. كانت النقابات والاتحادات قوية لأنها كانت تقوم على مؤسسات اقتصادية مهمة مثل سكك حديد السودان والمشاريع الزراعية وانتشار التعليم الذي أفرز أيضا قطاعات عريضة من الموظفين والمهنيين. 

كان فوز تحالف المجتمعات السودانية تحت مظلة الحزب الوطني الاتحادي وتشكيله أول حكومة وطنية بمثابة ضربة مباغتة وعنيفة للطائفتين. ومن شدة غضب الطائفتين على تلك الحكومة الوطنية الأولى، فقد تحالفتا داخل البرلمان وأسقطتا حكومة الأزهري الأولى في الرابع من يوليو 1956. كان لحزب الأمة، طائفة الأنصار، 24 نائبا، ولحزب الشعب الديموقراطي، طائفة الختمية 17 نائبا مقابل 31 نائبا للحزب الوطني الاتحادي الذي تحول إلى المعارضة. وشكلت الطائفتان ما كان يعرف بحكومة السيدين، وأطلقت الطائفتان شعار "الختمية والأنصار صف واحد لن ينهار" مفارقة نعم لأنه لا يوجد ما يجمع بين الطائفتين إلا الكراهية المتبادلة (من علامات الكره التاريخي المتبادل بين الطائفتين فقد فشلت الحكومة الشمولية الراهنة في استيعاب الطائفتين في وقت واحد، إذ كلما دخل السيد محمد عثمان الميرغني من باب خرج السيد الصادق المهدي من الباب الآخر! ..) لكن كره الطائفتين لحكومة الأزهري الأولى ألّف بين قلبيهما وجمع بينهما في مخدّة واحدة فأسقطتا أول حكومة وطنية كانت تجسد آمال المجتمعات السودانية بعد الاستقلال الوطني، وكانت تمثل بحق القوى الاجتماعية الغالبة باتحاداتها ونقاباتها.

 

الانقلاب الثاني .. عسكري!:

وبرغم الانقلاب الطائفتين البرلماني قد أطاح بأشواق ملايين السودانيين، فقد ظلت النقابات والاتحادات وقواعدها الاجتماعية الكبيرة وفية لموقفها الداعم للأحزاب والتجربة البرلمانية الوليدة. ودخل السودان في الاستعدادات لانتخاب أول رئيس للجمهورية. وقد كان من البديهي أن يدرك زعيما الطائفتين أن اسماعيل الأزهري كان الأوفر حظا بالفوز .. فكان على الطائفتين أن تجدا لنفيسها مخرجا من المأزق .. فكانت أول مؤامرة عسكرية ضد المسار الديموقراطي عندما حرض عبد الله خليل، رئيس الوزراء عن حزب الأمة، العسكريين لتنفيذ انقلاب آخر، لكنه عسكري هذه المرة، فكان انقلاب 17 نوفمبر 1958 الذي قطع الطريق أمام الانتخابات الديموقراطية. طائفة الأنصار بذلت لاحقا محاولات مستميتة للتبرؤ من انقلاب الفريق إبراهيم عبود، لكن كل الوثائق والاعترافات قطعت بترتيب طائفة الأنصار للانقلاب العسكري بما في ذلك الخطاب الذي أعده السيد عبد الرحمن المهدي قبل تنفيذ الانقلاب! أما طائفة الختمية فقد "باركت" الانقلاب في الرسالة التي وجهها السيد على الميرغني. وهكذا قطعت الطائفية الطريق مرة أخرى أمام القوى الاجتماعية الغالبة .. بالدبابات ..

 

وهكذا وللمرة الثانية تمكنت الكتلة الطائفية من إقصاء القوى الوطنية إلى خارج مربع الأداء السياسي في البلاد وحرمانها من مكتسباتها التي حققتها ديموقراطيا. لكن القوى الوطنية أو الكتلة الأولى لم تستيئس. فبرغم الوعود والإغراءات بل والأعمال التي بذلتها الحكومة العسكرية للنقابات والاتحادات خاصة العمال والمزارعين والمدرسين، إلا أن النقابات والقوى الاجتماعية ظلت عصية وقوية عمل لها العسكريون ألف حساب. فبرغم القمع الذي مارسته حكومة الفريق إبراهيم عبود العسكرية، واصلت النقابات والاتحادات نشاطاتها. فقد عقدت نقابة العمال مؤتمرها الذي شاركت فيه قرابة 55 نقابة وانتخبت لجانها .. على عينك يا عسكر! ومن ثم دخلت نقابات واتحادات السودان في مقاومة الحكم العسكري ومارست حقوقها في الإضرابات وفشلت حملات الاعتقالات الواسعة والسجون طويلة الأمد التي طالت قيادات النقابات في قمع الحركة الاجتماعية المناهضة للحكم العسكري.

 

ثورة أكتوبر الشعبية 1964:

تصاعدت مقاومة النقابات والاتحادات وغالبية المجتمعات السودانية، ودخل السودان في فصل سياسي جديد بنجاح ثورة أكتوبر الشعبية 1964 التي وضعت حدا للحكم العسكري الأول. هي المرة الثانية التي تستعيد فيها القوى الوطنية حقها عنوة. المرة الأولى انتزعته من بين براثن المستعمر والطائفية، والمرة الثانية من يد الطغمة العسكرية التي دفعتها الطائفية لارتكاب الانقلاب العسكري.

وغني عن القول أن ثورة أكتوبر لم تكن عملا فجائيا، بل كانت خاتمة أو نتيجة أو ثمرة طبيعية لمقاومة طويلة دؤوبة. وعلى غرار ما حدث أثناء مقاومة الاستعمار، قادت النقابات والاتحادات القوية قواعدها والمجتمعات السودانية من بداية المقاومة حتى المعارك الأكتوبرية الفاصلة عندما نزلت النقابات والاتحادات بثقلها، نقابات العمال والأطباء والحقل العلاجي ونقابات الموظفين والمدرسين والمهنيين والمهندسين والفنيين والمرأة والمحامين واتحادات الطلاب والمزارعين والسلك القضائي وكل نقابات واتحادات المجتمعات السودانية وانسلكت كل المجتمعات السودانية في عقد الثورة ثم تبعهم الجنود والشرطة وقيادات الأحزاب. ثم جاءت قاصمة الظهر في العصيان المدني الذي شل البلاد من أقاصيها.

 

النقابات جوه الحكومة !:

النقابات والاتحادات لم تنسحب هذه المرة مثل انسحابها بعد أول انتخابات برلمانية. فقد بقيت الاتحادات والنقابات على المسرح وأصبحت الشريك الرئيسي في الحكومة الائتلافية الانتقالية وأملت شروطها وخلفت رجلها وعلّقت أبرولاتها الزرقاء في شماعة مجلس الوزراء ومشت "مراكيب" المزارعين على بساطه الأحمر! .. كانت النقابات والاتحادات من القوة حتى سميت حكومة أكتوبر الانتقالية بحكومة جبهة الهيئات. وبرزت آنذاك مجموعة من القيادات النقابية شاركت في الوزارة مثل الحاج عبد الرحمن عن نقابة السكة حديد وشيخ الأمين عن اتحاد المزارعين والشفيع أحمد الشيخ وغيرهم، وضمت الوزارة عددا كبيرا من قيادات وقائدات الاتحادات والنقابات، حتى رئيس الوزارة سر الختم الخليفة جاء من قطاع التعليم ولا يمثل حزبا من الأحزاب السودانية. لم لا والنقابات والاتحادات هي التي حسمت المعركة وانتزعت الحكم العسكري؟ وقد كان للتنظيم النقابي دوره في التوعية فجاءت ثورة أكتوبر منضبطة غير فوضوية وغير مدمرة لممتلكات الأفراد أو المؤسسات العامة.  كانت ثورة راقية بمعنى الكلمة ...

 

محاولة انقلاب على الثورة .. فشلت!

لكن قبل أن ينقضي عمر حكومة أكتوبر الانتقالية، دخلت أحزاب الطوائف والدين من جديد في معركة ضارية ضد النقابات والاتحادات كشفت فيها أحزاب الطوائف والدين عن أوراقها واستلت مطاويها لإبعاد النقابات والاتحادات. في المقابل نزلت قواعد النقابات والاتحادات مجددا وسيطرت على الشارع في تظاهراتها وهتافاتها "لا أحزاب بعد اليوم .." الأمر الذي اضطر أحزاب الطوائف والدين السياسي للتراجع. ومضت الأحزاب المذكورة إلى أبعد من ذلك بتبنيها في خطابها السياسي لمفردات "الاشتراكية" ! فقد كانت الاشتراكية مفردة هامة في قاموس ثورة أكتوبر، فتحدثت أحزاب الطوائف والدين حديثا خجولا عن "الاشتراكية في الإسلام" .. والناس شركاء في الماء والكلأ .. ووظفت كل الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النوبية الشريفة تقربا وزلفى إلى قطاعات العمال والمزارعين والطبقات الاجتماعية الكادحة! لكن إلى حين. فبرغم الهدنة والطأطأة، فقد أبقت كتلة أحزاب الطوائف والدين حربها مفتوحة ضد القوى الاجتماعية الوطنية ونقاباتها واتحاداتها .. لتنقض من جديد ..        

 

الانقلاب الثالث .. برلماني! :

جرت الانتخابات ومضت حكومة أكتوبر الانتقالية. وفي ذلك الظرف المائع والمماحكات البرلمانية، جاء قرار قيادة الحزب الوطني الاتحادي بالاندماج مع حزب الشعب الديموقراطي التابع لطائفة الختمية وتكوين ما يعرف اليوم بالحزب الاتحادي الديموقراطي. أحدث القرار زلزلا عنيفا في الحياة السياسية في السودان نجم عنه انزلاق القشرة الأرضية التي كانت تقف عليها قيادات الحزب الوطني الاتحادي، وحملهم الانزلاق بعيدا عن القاعدة الصلدة للقاعدة الجماهيرية للحزب. أصبح الحزب الهجين بلا قاعدة إلا من تعلقوا بأستار الأمل، وفقدت القاعدة الاجتماعية الحزب الذي تحالفت تحته واكتسحت به أول انتخابات برلمانية. وبذلك خرجت المجتمعات السودانية الغالبة مرة أخرى عن مربع الأداء السياسي وعادت إلى نفس الوضع الذي سبق أول انتخابات قبل تكوين تحالف الوطني الاتحادي. ثم جاءت الضربة القاصمة الثانية في القرار الذي اتخذه البرلمان بطرد نواب الحزب الشيوعي وحل الحزب. كان ذلك هو الانقلاب الثالث الذي تنفذه أحزاب الطوائف والدين ضد القواعد الاجتماعية الغالبة في السودان. ضربتان موجعتان متلاحقتان حلتا بكتلة الوعي الاجتماعي على يد أحزاب الطوائف والدين السياسي. كذلك شهدت تلك الحقبة بداية تبلور "جبهة الميثاق الإسلامي" ودخول حسن الترابي البرلمان بمساندة الحزب الشيوعي السوداني. كان هدف الحزب الشيوعي تكتيكيا بإضفاء عنصر "إسلامي" للبرلمان يقلل من غلواء الطائفية السياسية. فكان الخطأ الفادح .. فقد تحالف الترابي مع الحزبين الطائفيين وقاد بنفسه الحملة التكفيرية وقرار طرد نواب الحزب الشيوعي وحل حزبهم ! ومنذ ذلك التاريخ دخلت الجبهة الإسلامية بقوة وأصبحت الضلع الثالث في كتلة أحزاب الطوائف والدين السياسي.

الحزبان الطائفيان لم يكن لهما برنامج سياسي لاستقطاب المؤيدين إلا الولاء الطائفي. وقد وجد الترابي في ذلك الخواء فرصته فتبنى مشروع "الدستور الإسلامي" وأصبح رئيس اللجنة الدستورية داخل البرلمان. ومنذ تلك المرحلة ابتلع الكثيرون الطعم الذي رمته أحزاب الدين السياسي ووقعوا في الفخ التاريخي عندما نادوا، في ردة فعل غير مدروسة على مشروع الدستور الإسلامي، بضرورة فصل الدين عن الدولة أو بعلمانية الدولة. فقد فات على المنادين أن الهدف من مشروع الدستور الإسلامي لم يكن الدين كحقيقة ناصعة، بل كان الهدف الحقيقي هو توليد دستور يغلق الطريق تماما أمام كتلة الوعي الاجتماعي وحرمانها من أي مشاركة في الحياة السياسية تحت فرية العلمانية والشيوعية والاشتراكية التي استغل الترابي الحزبين الطائفيين في الترويج لها. كما فات عليهم أنه لا يجد شيء اسمه دولة علمانية! وفات عليهم أنه لا توجد دولة مفصول دينها عن مجتمعاتها. والواقع أن مشروع الدستور الإسلامي كان أول عملية فصل بين الدين وبين المجتمعات السودانية. فقد كانت المعادلة بسيطة: إما أن تكون ضمن جوقة أو أتباع أحزاب الطوائف والدين السياسي أو لن يكون لك الحق في المشاركة السياسية ويطالك الدستور والقانون! ومن ذلك الفتق بين الدين والمجتمع تفاقمت قضية الجنوب والشمال. ونلاحظ أن كلمة الاشتراكية التي حاولت أحزاب الدين السياسي أن تقمصها بعد ثورة أكتوبر قد أصبحت فجأة ضمن مفردات الكفر! .. فهل تغّير الدين فجأة؟ ! ثم تجيء حكومة الجبهة العسكرية الراهنة لتؤكد أن الدستور الإسلامي ليس لله، بل هو لنهب المال العام واكتناز الذهب والفضة وامتلاك الضياع والأرصدة الضخمة وتجويع الشعب والقتل والاغتصاب والتشريد .. هذا هو دستورهم "الإسلامي" الذي طبقوه على مدى 20 عاما متواصلة. اللهم إلا أن تكون هذه الممارسات ضمن الدين الإسلامي ونحن جاهلون! .. هي لله يا .....؟   

 

الانقلاب الرابع .. عسكري احتوته أحزاب الدين والطوائف! :

انقلابان برلمانيان وواحد عسكري تتوجتا بالانقلاب البرلماني بطرد نواب الحزب الشيوعي. وبذلك أصبحت الكتلة الاجتماعية الأساسية خارج الفاعلية وبلا حزب سياسي! كان ذلك كافيا لإنتاج احتقان سياسي هائل، احتقان لم يجد له متنفسا إلا في انقلاب عسكري! فكان انقلاب 25 مايو 1969 الذي أذاق أحزاب الطوائف والدين من نفس كأس الانقلابات! وقد كان من الطبيعي أن يحظى الانقلاب في البدء بتأييد تلقائي واسع من كتلة الوعي الاجتماعي ونقاباتها واتحاداتها من حيث ظنت النقابات والاتحادات والجماهير أن الانقلاب العسكري هو الوسيلة الوحيدة لاستعادة حقوقها وفاعليتها التي أطاحتها الطائفية وأحزاب الدين السياسي بسلسلة من الانقلابات البرلمانية والعسكرية.

 

لكن في أقل من عام انقلب الانقلابيون على القواعد الاجتماعية والنقابات والاتحادات التي سندتهم. فقد اغتالت الحكومة العسكرية وسجنت وشردت معظم القيادات النقابية بعد محاولة 19 يوليو الانقلابية. وحتى تسد الحكومة العسكرية الفراغ الذي نجم عن ضرب النقابات والاتحادات وقواعدها العريضة، أقدمت الحكومة العسكرية على إبرام صفقات مصالحات مع زعامات الأحزاب الطائفية. كان هدف العسكر أن يجدوا قاعدة اجتماعية في القواعد الطائفية، وكان هدف العمات الطائفية هو السيطرة على العسكر وتسخيرهم في ضرب كتلة الوعي الاجتماعي. وهكذا عادت أحزاب الطوائف والدين لتسيطر بقوة على المسرح السياسي تحت قبعة عسكرية. وعلى الرغم من أن أحزاب الطوائف والدين لم تدبر الانقلاب العسكري، لكنها نجحت في السيطرة على العسكريين .. فأصبح الانقلاب انقلابها بعد كان ضدها! وقد بررت زعامات أحزاب الدين السياسي انضمامها للحكم العسكري بأنه "ضرب الشيوعيين" ثم انتهت إلى تنصيب رأس الحكم العسكري إماما وأميرا للمؤمنين و"مجدد المائة" ! وبمجرد أن أحكمت قبضتها على العسكريين الذين نفذوا انقلاب مايو، لم تتوانى أحزاب الطوائف والدين السياسي في انتهاز فرصة الانتقام من كتلة الوعي الاجتماعي، وقدمت للعسكريين قوائم شملت عشرات آلاف الكفاءات في أكبر مذابح تشريد الكفاءات السودانية.

 

تدمير الاقتصاد من أجل النقابات والاتحادات .. !:

لكن تصفية الكفاءات لم تكن كافية لطمأنة الحكومة العسكرية ولا أحزاب الطوائف والدين السياسي. فقد كانت قواعد النقابات والاتحادات موجودة وقوية، وكانت تشكل الخطر الوحيد المتربص بالحكومة العسكرية. مأزق الحكومة أن القواعد القوية للنقابات والاتحادات كانت ممسكة بعصب الاقتصاد مثل الزراعة والسكك الحديدية والتعليم والخدمة المدنية والفنية في البلاد. لكن عسكر الحكومة والطوائف كان همهم الأساسي هو إقصاء أي خطر قد يهدد الاستمرار في الحكم. ومن ذلك الحرص أصبح الهدف الرئيسي للحكومة العسكرية هو تدمير قواعد النقابات والاتحادات وليذهب الاقتصاد إلى الجحيم. عليه لم تتورع الحكومة وطوائفها عن ضرب أعمدة الاقتصاد السوداني بقرارات تصفية سكك حديد السودان ونقل العمال والمهندسين من عطبرة وغيرها من مراكز الثقل العمالي وتشتيتهم إلى المحطات النائية. وهكذا تم تدمير سكك حديد السودان التي كانت من أهم شبكات السكك الحديدية خارج أوروبا وكانت شرايين وأوردة الاقتصاد الوطني والتنمية. وطبعا كان من البديهي أن تموت وتضمحل كل الحركة الاقتصادية بسبب تدمير شبكات السكك الحديدية. وبالمقابل أصاب المشاريع الزراعية الدمار بسبب الإهمال المتعمد للحكومة وتشدد الحكومة وقسوتها المفرطة على المزارعين وتضييق الخناق عليهم وحرمانهم من القروض والبذور، علاوة على الضرائب الباهظة على الآليات والمدخلات الزراعية الأخرى. (واليوم تستكمل حكومة الجبهة العسكرية عمليات التدمير بتدمير مشروع الجزيرة وبيع المشاريع الكبرى ذات الكثافة العمالية بعد تقطيعها إلى مشاريع شخصية صغيرة. وسوف يصيب التشريد معظم القاطنين في منطقة الجزيرة)

  

طبعا بعد ذلك ذاب العسكريون في حمض أحزاب الطوائف والدين إلى أن انتهى بهم الحال إلى آخر تحالف لهم مع الجبهة الإسلامية التي انفردت بالحكم وحطمت ما تبقى من أضلع الاقتصاد ونقلت الاقتصاد السوداني من اقتصاد إنتاجي إلى اقتصاد المضاربات عبر شبكات البنوك المسماة بالإسلامية. وقد اتجرت هذه البنوك في خلق الندرة بإخفائها السلع الضرورية من طحين وسكر ومواد غذائية وحديد وأخشاب وغيرها، وفرضت سيطرة مطلقة على حياة الإنسان في البلاد. كذلك أسهمت هذه البنوك في تدمير الاقتصاد بمضاربات الاستيراد بدلا عن الاستثمار الإنتاجي. وقد جاء الانقلاب العسكري الذي نفذته الجبهة السياسية الإسلامية كخطوة تكميلية لإحكام السيطرة التامة عن طريق تفكيك البنى الاقتصادية ذات الثقل الاجتماعي، تلك السيطرة التي فقدتها "الجبهة" بسبب الانتفاضة التي أطاحت حكومة مايو العسكرية وحليفها الأخير الجبهة السياسية الإسلامية. وقبل الانقلاب كان الاقتصاد قد تدمر تماما وتم احكام السيطرة الاقتصادية على المجتمعات السودانية.

 

الانتفاضة ودور سوار الدهب في إجهاضها .. :

للمرة الخامسة، وبانتفاضة شعبية تستعيد القوى الوطنية الاجتماعية حقوقها بإطاحة الحكم العسكري الثاني .. كان الاستعمار المتحالف مع الطائفية، ثم الانقلاب البرلماني الأول، ثم الانقلاب العسكري، ثم الانقلاب البرلماني، ثم الانقلاب العسكري .. لكن الحكاية لم تنتهي بعد! فقد ولدت انتفاضة أبريل في أقماط عسكرية عندما ترأس الحكومة الانتقالية المشير سوار الدهب وزير دفاع الحكومة العسكرية المطاح بها. والملاحظ هذه المرة أن دور الاتحادات والنقابات لم يكن على ذات القوة والزخم إبان ثورة أكتوبر الشعبية 1964، وذلك يعود إلى الضربات العنيفة التي تعرضت لها مواقع الإنتاج والنقل والتعليم والقطاعات الخدمية ذات الثقل الاجتماعي. دور سوار الدهب كما ورد في كل التفاصيل الكثيرة المعروفة، أنه تمكن من استدراج الانتفاضة إلى غير مقاصدها، وسلمها عبر انتخابات مستعجلة معيبة إلى أحزاب الطوائف والدين السياسي. انتخابات شابها ما شابها من تدخلات إقليمية ودولية وتزوير وتدفق أموال أجنية وشراء ذمم وتبديل صناديق وتدخل الأقطار العربية النفطية في أصوات السودانيين بالخارج، لذلك لم تكن تلك الانتخابات تعبر بصدق عن الواقع الاجتماعي السياسي السوداني، فكان من نتائج انتخابات سوار الدهب حصول الجبهة الإسلامية على غلة وافرة من المقاعد البرلمانية لتصبح الضلع الثالث داخل البرلمان .. وبذلك التثليث بقيت كتلة الوعي الاجتماعي خارج البرلمان وبالتالي خارج مربع المشاركة السياسية.

 

الانقلاب الخامس .. عسكر الجبهة:

انتخابات سوار الدهب أفرزت برلمانا سيطرت عليه بالكامل أحزاب الطوائف والدين السياسي أحزاب، الأمة طائفة الأنصار، الحزب الاتحادي الديموقراطي طائفة الختمية، ثم الجبهة السياسية الإسلامية. اثنان يأتلفان لتشكيل الحكومة والثالث معارضة. وبتلك التركيبة البرلمانية ظنت الأحزاب الثلاثة أن الصراع حول حكم السودان قد انحصر فيها فقط وحسم لمصلحتها، وأنها قد نجحت في إقصاء وتدمير الكتلة الأولى بنقاباتها واتحاداتها وجماهيرها. ويبدو أن مصدر الظن هو أن كتلة الوعي الاجتماعي ونقاباتها واتحاداتها بقيت خارج مربع المشاركة أكثر من ستة وعشرين عاما متواصلة امتدت منذ انقلاب 25 مايو 1969 مرورا بحكومة سوار الدهب، ثم سيطرة أحزاب الدين السياسي والطوائف على البرلمان قبل الانقلاب الأخير. ومن ذلك الظن ظن كل حزب من الأحزاب الثلاثة أنه يستطيع أن يفوز بمفرده بحكم السودان وأن يطرد غريميه في منافسة حصرية ذات ثلاث شعب. وفعلا دار صراع مرير بين الأحزاب الثلاثة داخل البرلمان سعى فيه كل حزب إلى الانفراد بالحكم واختيار شريك وصيف يكون هامشيا ويلقي بالثالث إلى مقاعد الاحتياطي كمعارضة! ودار روليت الانقلابات البرلمانية بين الأحزاب الثلاثة، كلما تشكلت حكومة ائتلافية لعنت أختها، إلى أن انقضت الجبهة السياسية الإسلامية عسكريا وأطاحت غريميها الاتحادي الديموقراطي والأنة. والملهاة الحقيقية أن الجبهة الإسلامية بدورها ظنت أيضا أنها بانقلابها العسكري قد حسمت مسألة حكم السودان لصالحها وحدها وإلى الأبد!

 

طبعا الحكومة العسكرية للجبهة السياسية الإسلامية لم تتوانى في استكمال هرس ما تبقى من ملامح المؤسسات الاقتصادية بتحقيق هدفين مزدوجين، أولهما تصفية شاملة لأي قوى نقابية أو اتحاد، وثانيهما إزالة أي شكل من أشكال المؤسسية الاقتصادية في البلاد أو "تفكيك الدولة" نهائيا حتى تتفرد جماعات الحكومة بإحكام السيطرة على كل جوانب الحياة. وتتجسد هذه السياسة في تدمير مشروع الجزيرة وغيره من المشاريع الزراعية وتدمير ما تبقى من السكك الحديدية والتخلص من المؤسسات الوطنية مثل الخطوط الجوية السودانية والبريد والبرق والتلفونات وتدمير التعليم الحكومي وتدمير الطبقة الوسطى وإلحاقها بقاعدة الفقر التي تشكل اليوم 79 بالمائة من الشعب السوداني، إلى غير ذلك من عمليات الهرس والدرس. طبعا الهدف النهائي بحكومة الجبهة العسكرية هو "تفكيك الفاعلية الجماعية للمجتمعات السودانية" ومن ثم تحويل المواطن إلى "أداة" فردية ضمن أدوات الإنتاج، هي سياسة الخبز مقابل العمل، أو بالأحري تحويل الشعب إلى قطيع يقدم له العلف لحلبه وتسمينه للحمه.

 

العرقية والجهوية بديل عن الحركة النقابية:

وبسبب التدمير الهائل الذي أصاب الهياكل الاقتصادية والبنى الاجتماعية المهنية من نقابات واتحادات ومؤسسات إنتاج، كان من البديهي أن تنكفئ المجتمعات السودانية على الهوية القبلية والعرقية والجهوية كبديل طبيعي طارئ ومؤقت تحمي به المجتمعات نفسها من التآكل. وبذلك وقعت الحكومة العسكرية الراهنة في شر سوء عملها .. فقد اتخذت المقاومة الاجتماعية صورها الجهوية القبلية في حروب دارفور والشرق والشمال والجنوب الشرقي وقريبا جبال النوبة ثم الوسط، بعد أن كانت المجتمعات السودانية تقاوم من خلال نقاباتها واتحاداتها، وهي مقاومة كان يمكن للحكومة التعامل معها بالتفاوض والأخذ والعطاء، كما فعل الاستعمار، خلافا للمقاومة التي تستند على العرق والقبيلة حيث تكون المعركة معركة بقاء وعصبية لا تعرف المهادنة ولا تعترف بالاتفاقات! وهكذا أيقظت هذه الحكومة النعرات العصبية والعرقية فجاءت وبالا عليها كالذي يضرب بعصاه عشا للدبابير الشرسة!    

 

النفق الدائري .. وسنوات التيه:

تقودنا حلقات هذا السياق أن الصراع حول إدارة السودان ظل منحصرا منذ ما قبل الاستقلال إلى اليوم بين الكتلتين اللتين ورد ذكرهما فوق. بين الكتلة الوطنية الاجتماعية بنقاباتها واتحاداتها من جهة وبين كتلة أحزاب الطوائف والدين السياسي المتمثلة في أحزاب الأمة طائفة الأنصار والحزب الاتحادي الديموقراطي طائفة الختمية والجبهة السياسية الإسلامية بفرعيها الوطني والشعبي. أحزاب الطوائف والدين السياسي تؤمن تماما أنها صاحبة "حق إلهي" في "حكم" السودان. لكن المشكلة التي ظلت تواجه كتلة الدين السياسي أنها لا تملك القاعدة الجماهيرية التي تمكنها من الحكم لذلك تلجأ هذه الكتلة كما ورد إلى الانقلابات العسكرية والبرلمانية واختراق الانقلابات العسكرية والتحالف معها أو الحكم من تحت مظلة عسكرية والوصول إلى البرلمانات بالتلاعب والرشا والعنف والإرهاب الاجتماعي.

وعن طريق هذه الأساليب، تمكنت كتلة الدين السياسي من إدخال الشعب السوداني في نفق دائري واسع القطر مظلم وخال من المعالم. وهكذا بقي الشعب يمشي منذ الاستقلال داخل هذا النفق الدائري، يظن الشعب أنه يسير إلى الأمام، لكنه في واقع الأمر يعود إلى نقطة البداية دون أن يتبين معالمها ثم يواصل المسير ثم يعو إلى ذات النقطة ثم يمضي ويجد في السير! وهنا يكمن لغز عدم تقدم السودان. فالشعوب المزدهرة تمشي إلى الأمام والشعب السوداني يدور داخل نفق دائري.

بالمقابل فإن كتلة الوعي الاجتماعي غالبة من حيث الثقل الاجتماعي، ولها أهداف وطموحات واضحة ومحددة في الحرية والتنمية والديموقراطية ظلت تعيها وتتمسك بها منذ ما قبل الاستقلال. هذه الكتلة تؤمن أيضا أن الوصول إلى "إدارة" السودان يتم بوسيلة واحدة هي انتخابات حرة ونزيهة. ولمجمل هذه الأهداف لم أتورع عن تسميتها "كتلة الوعي الاجتماعي". لكن هذه الكتلة ظلت تفتقد إلى الحزب أو التحالف السياسي الذي يؤطر برنامجها ويؤلف تحالفها منذ انهيار تحالف الحزب الوطني الاتحادي وإلى اليوم.   

 

نتفاءل؟ .. نعم:

لقد كافحت الكتلة الأولى، كتلة الوعي الاجتماعي، ضد الاستعمار ووضعته أمام خيار الجلاء، ثم شكلت أول حكومة وطنية. لكن منذ أول انقلاب برلماني نفذته الطائفتان توالت الضربات على هذه الكتلة. فقد أعقب الانقلاب البرلماني انقلاب عسكري، عبود، استمر ست سنوات، ثم وقع الانقلاب البرلماني على الديموقراطية نفسها وتم طرد النواب، ثم جاء قرار ذوبان حزبها، الوطني الاتحادي، في حضن طائفية الختمية، ثم وقع انقلاب مايو الذي استولت عليه أحزاب الطوائف والدين فانتقمت وشردت ودمرت الاقتصاد حيث معاقل قواعد النقابات والاتحادات القوية، ثم جاء إجهاض سوار الدهب للانتفاضة ببرلمان تسيدته أحزاب الطوائف والدين السياسي، وأخيرا انقلاب الجبهة السياسية الإسلامية القابض اليوم. أربعة وخمسون عاما مضت منذ الاستقلال لم تتمكن هذه الكتلة من إدارة السودان إلا بضع شهور. أربعة وخمسون عاما من الاستقلال توالت فيها الانقلابات والضربات والنكبات على عمق هذه الكتلة، إلا أنها بقيت على قيد الحياة وبقيت نواتها صلبة .. وهذا مصدر التفاؤل والثقة. لم تصمد هذه الكتلة فحسب، بل نمت وتضاعفت خارج دائرة المشاركة السياسية لأنها لم تقبل الانخراط في سلك أحزاب الطوائف والدين، ولم تخضع لحكم عسكري مثل معظم المجتمعات العربية والأفريقية. يقول استطلاع أخير أن نسبة غير المنتمين للأحزاب التقليدية في السودان يبلغ 53 بالمائة من الذين يحق لهم المشاركة السياسية. لكننا إذا قرأنا النسبة من الجانب الآخر نجد أن نسبة المنتمين إلى الأحزاب السودانية التقليدية لا تجاوز 15 إلى 20 بالمائة. معنى ذلك أن نسبة الكتلة التي أضحت مهمشة تتراوح اليوم بين 80 إلى 85 بالمائة من جملة من تحق لهم المشاركة السياسية. ومن معجزات هذه القوى الاجتماعية أنها، برغم تغييبها، هي التي تؤثر اليوم بشكل قوي ومباشر على كل الحركة السياسية في السودان. فقد أدركت أحزاب الدين السياسي العسكرية والمدنية بعد انقلاب الجبهة أن هذه الكتلة موجودة وغالبة، خاصة بعد أن قدمت كتلة الوعي السياسي "بيان بالعمل" لحظة وصول الدكتور جون قرنق للخرطوم. لذلك صارت أحزاب الدين السياسي تعمل ألف حساب لهذه الكتلة وتسعى إلى إرضائها واستقطابها، وإن استمرت في محاولات إبعادها عن دائرة المشاركة السياسية.  

 

الخلاصة النقية أن هذه القوى موجودة وحية نرزق وبكثافة غالبة ومتنامية وقادرة! وإن بدت اليوم حركة الاتحادات والنقابات وكأنها قد انزوت أو تهشمت، لكن الواقع أن الذي تهشم بفعل فاعل هو الاقتصاد السوداني، ومعه اضمحلت الفاعلية الوطنية للاتحادات والحركات النقابية في السودان. وهنا تقع أحزاب الطوائف والدين السياسي في المأزق! فهي لا تستطيع أن تحكم الشعب السوداني إلى الأبد بالإفقار والتجويع أو باقتصاد المضاربة الطفيلي. ولن تتمكن هذه الحكومة من الاستمرار في الحكم مهما بلغ القهر باعتمادها على النفط كمصدر وحيد للعائدات .. طبعا إذا وصل منه فتات للشعب! .. باختصار لا تستطيع أي حكومة أن تستمر بدون نهضة اقتصادية، لا مجرد اقتصاد كمي يقاس بالدخل العام، بل نهضة اقتصادية كيفية ذات أثر ايجابي على حياة الشعب. والنهضة الاقتصادية لا تكون كيفية ما لم تكن إنتاجية، وفي الحالة السودانية لابد من تدوير عائدات النفط واستغلال مشتقاته ضمن دورة أو دائرة اقتصادية إنتاجية. وعندما تتكون الدائرة الاقتصادية تنشأ النقابات والاتحادات وتنتشر على امتدادا الدائرة الاقتصادية!  .. فأين تذهبون؟ ..

 

وعليه إذا أرادت أي حكومة الاستمرار لابد لها من تأسيس ورعاية دورة اقتصادية إنتاجية، وبالتالي تنهض النقابات والاتحادات، فالنهضة الاقتصادية وقوة الحركة النقابية متلازمان لا ينهض أحدهما بغير الآخر .. وبغير ذلك هي الثورة الاجتماعية التي تقتلع الحكومة مهما بلغ جبروتها وبطشها، ولا يملك أحد لسنة الله تبديلا! .. إذ لا يمكن أن تقدم حكومة على تكسير الهياكل والبنى الاقتصادية لتخلص من النقابات والاتحادات وفي نفس الوقت تستمر في الحكم .. هذا غير وارد في السودان. وإذا كان بالإمكان إحداث نهضة إنتاجية بدون نقابات لكان قد فعلها الاستعمار البريطاني، فهو أذكى بكثير من أحزاب الطوائف والدين السياسي. فالسودان له خصائص اقتصادية وسياسية تختلف عن أقطار الخليج  العربي والسعودية التي تعتمد على مبيعات النفط.

 

علامات "قيامة" الدين السياسي:

ومن أسباب التفاؤل أن الحزبين الطائفيين بدآ يخرجان قليلا رويدا عن الطائفية كخطوة لابد منها من أجل البقاء في الحياة السياسية في البلاد. ولأن الشقة بدأت تتسع بين الحزب السياسي وبين الولاء الطائفي وسط الأجيال الجديدة، فسوف يضطر الزعيمان الطائفيان إما الإمساك بالحزب السياسي وترك الطائفية أو العكس، أو هو التمزق! وحتى ورثة الحزبين سوف يضطرون إلى الابتعاد نوعا عن سيطرة زعيم الطائفة، وقد يعودان إلى وضع زعيم الطائفة في خانة "راعي الحزب" التي كان عليها السيدان على الميرغني وعبد الرحمن المهدي. زد على أن الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني قد يكونا آخر سلسلة الزعامات الطائفية، على الأقل الأقوياء منهم، فقد عمرا على طريقة حسني مبارك دون أن يؤهلا من يخلفهما على العرش.

 

الجبهة الإسلامية ليست في مفازة عن التلاشي السياسي كحزب ديني. العشرون عاما الماضية قد عرت الجبهة الإسلامية خالص عن ورقة الدين، بحيث لن تستطيع أن تطرح هذه الحركة نفسها كمؤسسة دين سياسي في مستقبل السودان السياسي لأنها لن تحصل على تأييد اجتماعي يؤهلها للفوز ولو بحكم بلدية. ومستقبل السودان السياسي محكوم ومحتوم عليه بالآلية الديموقراطية قرب ذلك الموعد أو بعد. واليوم تقف الجبهة الإسلامية المتدثرة تحت شفيف "المؤتمر الوطني والشعبي" أمام مفترق طريق يصل إلى نفس الخاتمة. فأما أن تمضي في طريق الحكم بالجبر والقهر، وهذا نهايته معروفة، أو تسلك طريق الآلية الديمقراطية ولا تحصل على شيء. هذا غير بعيد عن الصيرورة، لذلك لا مخرج للجبهة الإسلامية السياسية إلا أن تتمسك باسم المؤتمر، شعبي وطني سيان، وتدبج لنفسها برنامجا سياسيا اقتصاديا بدون دين! وتبدأ من جديد، أو تحل نفسها قبل أن يحل عليها غضب الشارع، فهو من غضب الله ..           

 

تمادي في الغي:

طبعا من الصعوبة بمكان على حكومات وأحزاب الطوائف والدين السياسي أن تتقبل الحقائق التي وردت في مجمل هذا السياق ناهيك عن أن تعمل بها. لذلك سوف تستمر هذه الأحزاب في عدائها التاريخي لكتلة الوعي الاجتماعي ونقاباتها واتحاداتها. وسوف تواصل هذه الأحزاب مجتمعة متضامنة عمليات ضرب وتدمير أي مرفق اقتصادي أو مهني قد يفرز نقابة أو اتحادا. لذلك أعبنا على المحامين الركون إلى أحزاب الأمة والاتحادي الديموقراطي للفوز في انتخابات نقابة المحامين. فمن حيث أن الأحزاب الثلاثة هي كتلة واحدة، اتفقت أو تنازعت الغنائم، فإن قائمة المحامين المضادة لقائمة الحكومة تقع ضمن القوائم التي تتضافر هذه الأحزاب على إبعادها عن حلبة المشاركة السياسية. لذلك لعب حسن الترابي والصادق المهدي دورا أساسيا في فوز قائمة الحكومة، فهي قائمتهم وانطلقا من موقف يريانهما مبدئيا! نفس السيناريو الذي طبقه الزعيمان الطائفيان في إفشال مظاهرة البرلمان. فعندما كانت أجهزة أمن الحكومة تبطش بالمتظاهرين وتقتاد عرمان وباقان والنساء إلى السجون، كان الصادق والميرغني يتبدلان الابتسامات مع رئيس الحكومة أمام عدسات التلفزيونات وتتصدر أخبار اللقاءات نشرات أخبار تلفزيون الحكومة .. لا عجب .. هذه الأحزاب الثلاثة في واقع الحال هي حزب واحد له ثلاثة أسماء .. هي تنين واحد له ثلاثة رؤوس.

 

وبعدين ؟

ولا قبلين .. لابد من تفعيل "تحالف كتلة الوعي الاجتماعي" وتسريع عودته إلى الفعل السياسي، فهو حاضنة مستقبل السودان.

 

سالم أحمد سالم

باريس

 

أبريل 2010