عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الأحزاب تعمدت إسقاط قائمة التحالف الديموقراطي في انتخابات المحامين ...

سقطت قائمة التحالف الديموقراطي في انتخابات نقابة المحامين لأن أحزاب الأمة والاتحادي الديموقراطي بأجنحتهما وحزب المؤتمر الشعبي قد لعبت دورا كبيرا ومتعمدا في سقوط القائمة، طبعا بالتضامن والتنسيق الكامل مع الحكومة ..

قد يبدو قولي هذا عجبا بالنظر إلى أن القائمة التي سقطت هي القائمة التي تبنّتها نفس هذه الأحزاب المذكورة .. وقد يخرج قولي هذا عن ظاهر المنطق بالنظر إلى أن الصادق المهدي وحسن الترابي كانا قد وقفا خطيبين يساندان قائمة التحالف الديموقراطي أو قائمة تحالف أحزاب جوبا أو سمها ما شئت .. لكنها الحقيقة التي سوف أسوق براهينها وتواريخها في هذا السياق .. نعم، فقد جاء سقوط قائمة المحامين بتدبير من زعامات هذه الأحزاب .. وأشد ما يحضني على كشف جوانب هذه القضية ونخر جذورها المخفية في التاريخ القريب هو الخشية من أن يقع ملايين السودانيين في الفخاخ التي نصبتها هذه الأحزاب للفوز بالانتخابات المزمعة .. وعندما يحدث ذلك يخسر الناس وطنا وعشرين عاما من الصبر والفجيعة وأكثر من نصف قرن من عدم الاستقرار، وتسّاقط أحلام التحول الديموقراطي حجارة من سجّيل على رؤوس الأطفال والحالمين بالديموقراطية الاجتماعية.

 

النقابات والاتحادات هي الشعب كله ..

ما ذكرته فوق يطرح علينا السؤال الكبير والصعب: لماذا تعمدت الأحزاب المذكورة إسقاط القائمة التي تبنتها؟ والإجابة على السؤال تقتضي قبل كل شيء تثبيت حقيقة بالغة الأهمية هي أن النقابات والاتحادات هي كل مجموع الشعب. فكل مواطن لا يعدو كونه عضوا في اتحاد أو نقابة عاملا كان أم مزارعا أو مهندسا أو طبيبا أو طالبا أو موظفا أو في أي مهنة أخرى رجلا كان أم امرأة حتى لو كان الشخص عاطلا عن العمل أو ربّة منزل، وسواء كان الشخص عضوا مسجلا في نقابة أو غير مسجل. فالنقابة ليست مجلس النقابة، بل هي القاعدة المهنية المكونة من مجموع العاملين في المهنة المعينة. ومن حيث أن مجموع السكان ينتظم في مهن ووظائف، فإن قواعد النقابات مجتمعة تشكّل بكل تأكيد القاعدة الاجتماعية الكاملة في أي بلد. ومن حيث أن الرغبة الغالبة عند العاملين في أي قطاع أو مهنة هي الارتقاء بالعمل وتطويره من أجل زيادة دخولهم والارتقاء بمستوياتهم المعيشية والإنسانية، لابد إذن أن تكون قواعد النقابات والاتحادات هي الأقدر على التعبير عن هموم وطموحات القطاعات العملية والمهنية والإنتاجية في التطوير وكيفية التطوير. وعليه يكون من البديهي أن تتدفق هذه الأقنية الاجتماعية جميعها من نقابات واتحادات في اتجاه التطوير الشامل للبلاد، وتعبّر مجتمعة تعبيرا موضوعيا عن تطلعات وأشواق الرأي العام في كل المجتمعات المعاصرة في السودان وغير السودان. وهنا نضع يدنا على الفرق الجوهري بين الحكم الشمولي القهري الذي يتنزّل على المجتمعات من أعلى، فيكون عاجزا عن تطوير البلاد وبين حبيبات وأفكار التطوير التي تنبع عن القاعدة الاجتماعية العريضة فتنجح في التطوير. ولأن السياسة الحقّة هي عبارة عن برامج اقتصادية اجتماعية يتداولها الناس لتطوير ثروات البلاد من أجل رفاهية الشعب، تكون النقابات والاتحادات هي أذرع المجتمع التي تدفع في هذا الاتجاه. ومن هنا تلعب النقابات والاتحادات دورا لا غنى عنه في العملية السياسية في أي دولة أو قطر. وكما سوف نرى في ما يستتبع من هذا السياق فقد سبق أن قامت قواعد نقابات واتحادات السودان بدورها الكامل الذي يزاوج بين التطوير الاقتصادي والأداء السياسي. فقد قامت النقابات والاتحادات وقواعدها بترسيخ البنية الاقتصادية في البلاد، كما كانت صاحبة الدور الرئيسي والوحيد في نيل استقلال السودان. وبرغم وقوع نقابات واتحادات السودان في قبضة الحكومة الشمولية الراهنة، وبرغم الصورة التي ترتسم اليوم في أذهان الرأي العام والتي تبدو فيها النقابات والاتحادات وكأنها حالة معزولة، برغم كل ذلك فإن قواعد النقابات، إي الشعب السوداني في مجمله، وأن كانت محبطة، إلا أنها موجودة وقوية ومتدفقة، وأن بدت اليوم مثل نهر يطمره الزبد وتغطيه الطحالب .. لكن إلى حين محتوم.

 

وفي مطلع الإجابة على هذا السؤال المعقّد أقول أن سقوط قائمة التحالف الديموقراطي في انتخابات المحامين الأخيرة ليست لها أهمية كبيرة في حد ذاتها كحدث. فالنقابات والاتحادات تسقط وتتبدل في أعتى الديموقراطيات الراكزة في العالم. أما في ظل الأحكام الشمولية والدكتاتوريات في السودان والعالم، فإن سقوط القوائم غير الحكومية يعد من الأمور العادية التي لا تثير انتباه أحد .. بينما فوز القوائم غير الحكومية في الدكتاتوريات هو الحدث الذي يخرج عن المألوف ويثير الدهشة والاستغراب! لكن سقوط قائمة المحامين السودانيين يكتسب أهمية كبيرة لأنه يأتي ضمن حلقات مترابطة من تاريخ صراع طويل مرير ظلت تخوضه الأحزاب المذكورة ضد النقابات والاتحادات منذ أن تكونت أول نقابة في السودان قبل الاستقلال وإلى اليوم. هذا الترابط الوثيق بين حلقات هذا الصراع الممتد لأكثر من سبعين عاما يتطلب أن نضع ماضي العلاقة بين الأحزاب وبين النقابات في كل حساباتنا وتقديراتنا. فما جرى في انتخابات المحامين مثله مثل كل عمل سياسي اجتماعي آخر يرتبط ارتباطا عضويا بالماضي والتاريخ ولا يكون معزولا عنه. فمن عيوب القراءات السياسية الغالبة اليوم أنها تكتفي بالقراءة في لوح الأحداث الجارية والتصريحات المبثوثة وتنظر في شاشة الوقائع المعروضة أمامها دون التبصر في الجذور والجذوع التي قامت أو تسلقت عليها هذه الوقائع والمشاهد والأحداث والتصريحات. وما من شك عندي أن تجاهل الخلفيات التاريخية في العمل السياسي والانكفاء على المشاهد المعروضة هو الذي يرمي الناس في أخطاء جسيمة مثل الخطأ المعيب الذي وقعت فيه قائمة التحالف الديموقراطي للمحامين وانتهى بها إلى سقوط داو ومؤلم كنتيجة محتومة لتجاهل التاريخ ومن ثم اعتمادها على الأحزاب المذكورة كما سوف نرى، بينما تبسمت زعامات الأحزاب في سرها.

ففي انتخابات المحامين، التي نتخذها مدخلا لهذا السياق، نظر المحامون والناس في حقيقتين أولاهما كره الناس للحكومة وثانيتهما الاصطفاف الشكلي للأحزاب في مقدمة القوى السياسية ضد قائمة الحكومة، بينما أغفل الجميع الموقف الطبيعي والتاريخي للأحزاب من النقابات، فكان السقوط. وعليه نقول أن القراءة السليمة تفرض على صاحبها التنقل بين الماضي والحاضر لربط الوقائع وكأنه يركب على "آلة الزمان" The Machine Time في رواية الخيال العلمي للمؤلف البريطاني هربرت جورج ويلز H G Wells. وبهذا التناقل السلس بين الماضي والحاضر يمكن قراءة المواقف قراءة سليمة فتكون النجاة من فخاخ كثيرة منصوبة بمكر وعناية كالفخ الذي وقع فيه المحامون .. والدنيا قبايل انتخابات!

 

وتأسيسا على ما سبق فإن أول مقتضيات الإجابة على السؤال الذي طرحناه على نفسنا تدعوني وغيري أن ننفذ من أقطار غشاوات المواقف والتصريحات المعلنة وأن ننظر بعيون الشك والريبة والحذر في جميع التصريحات والمواقف المعلنة لزعامات الأحزاب المذكورة، فهي تصريحات ومواقف تستبطن في الغالب خلاف ظاهرها ولا تعدو كونها مجرد وسيلة لجذب انتباه الناس بعيدا عما يدور في الخفاء من صفقات .. مثل الصفقات الجارية هذه الأيام على قدم وساق لتخرج قسمات الانتخابات بنتائج تعيد قسمة الثروة والسلطة إلى ما كانت عليه قبل الانقلاب العسكري .. وطبعا من أهم أدوات "الشك المنهجي" في التصريحات والمواقف المعلنة لزعامات هذه الأحزاب أن ننظر بعناية إلى ماضي العلاقة بين نقابات السودان وبين هذه الأحزاب المذكورة، فهو ماض مستمر في كل الأفعال السياسية المضارعة. وعندما نفعل ذلك سوف نتأكد أنه لم يكن في وراد الممكن أن تساند هذه الأحزاب قائمة المحامين المسماة بقائمة التحالف الديموقراطي أو غيرها من النقابات والاتحادات الجماهيرية في السودان، وأن ما حدث لقائمة المحامين لا يخرج عن مسارات الحرب الأزلية التي تظل تشنها الأحزاب المذكورة على النقابات والاتحادات وما يكتنف هذه الحرب من مقالب وخيانات مردت عليها زعامات هذه الأحزاب ... من هذا نحذر ونحذّر .. وأن نخطئ في التحذير أفضل عن أن نخطئ بالتقصير بعدم التحذير .. وليوفقني الله !

 

عطبره ... عطبره ..

لن نغرق في تفاصيل تاريخ العلاقة بين الأحزاب المذكورة وبين نقابات السودان كافة، لكن هنالك بعض المحطات المهمة، تفضي بنا كل محطة في هذه العلاقة إلى المحطة التي تليها حتى يتوغل بنا قطار هذه القراءة في نفق مستقبل السودان السياسي. أول المحطات هي مدينة عطبره في ثلاثينات القرن الماضي إبان الحقبة الاستعمارية. عطبره مكانا وزمانا محطة مهمة لأنها شهدت أول تبلور لعمل نقابي عمالي منظم في تاريخ السودان الحديث. فقد كانت بريطانيا بحاجة اقتصادية كبرى للقطن الذي كان من أهم أعمدة الصناعة العالمية. ووجد البريطانيون في سهول السودان الشاسعة المستوية الخصيبة مع توافر مصادر المياه أفضل بقاع مستعمراتهم لتوفير خام القطن. وطبعا نقل القطن بكميات ضخمة لتلبية احتياجات صناعة كبرى كان يتطلب بالتأكيد وجود ناقل قوي، ولم يكن ذلك الناقل إلا القطارات. (السكك الحديدية كانت ولسوف تظل أهم ناقل اقتصادي في العالم، وتظل القاطرات هي التي تسحب عربات التطور والاقتصاد خاصة في البلدان الشاسعة المنتجة مثل السودان. ولن تقوم للاقتصاد قائمة في السودان أو أوروبا أو غيرها من الدول المنتجة في العالم بدون السكك الحديدية).

 

ولا أعدو الحقيقة إن قلت أن القطن كان الدافع الاقتصادي الأساسي الذي دفع بريطانيا إلى استعمار السودان. ليس بريطانيا وحدها، فقد دخل الاقتصاد الأوروبي آنذاك في اختناقات حادة بعد أن خسرت أوروبا استثماراتها في أميريكا. ففي ذلك الأوان سعت أوروبا إلى إنعاش اقتصادياتها في سهول وبراري أميريكا لذلك أسمتها "الأراضي الجديدة" كتابع لأوروبا. وفي سبيل ذلك أقدمت أوروبا على إقامة أكبر سوق للنخاسة في التاريخ الإنساني باسترقاق الأفارقة ونقلهم إلى المزارع الأميريكية. إلا أن استقلال أميريكا وطرد أوروبا عنها وجّه ضربة قاصمة لأحلام أوروبا واقتصادها. (من غرائب مسارات التاريخ أن أوروبا أصبحت اليوم هي التابع لأميريكا بدلا عن العكس! .. والحالة ماثلة اليوم في السودان عندما طرد عسكر الإنقاذ شيخهم الترابي الذي مهد لهم تمهيدا ومكن لهم تمكينا ...) المهم كان لزاما على الأوروبيين البحث عن أراض جديدة لأحلام الثورة الصناعية المتأججة. من هنا بدأ اشتداد تكالب الموجة الاستعمارية على مصادر الثروات الأفريقية، فكان الصراع الأوروبي المرير لاحتكار مناطق الثروات في القارة الأفريقية، وهو ذات الصراع الاقتصادي الذي قاد لاحقا إلى تفجير الحربين الكونيتين الأولى والثانية، كامتداد للحرب الأهلية الأميريكية وحرب استقلال أميريكا. وفي معطى امتدادات ذلك التنافس الاقتصادي العسكري جاءت المواجهة العسكرية البريطانية الفرنسية في منطقة فاشوده في السودان. فقد كانت فرنسا وبلجيكا تبحثان عن النحاس شمالا وبريطانيا تريد التوسع في زراعة القطن جنوبا، أو ربما كانت تفكر في استجلاب الأيدي العاملة من مناطق جنوب السودان. مهما يكن فقد أرادت أن بريطانيا أن تجعل من السودان "ألباما أفريقية" على نسق النجاح الاقتصادي الصناعي الكبير الذي حققته زراعة القطن في أميريكا. وقد حقق البريطانيون مبلغ النجاح ودارت مصانع يوركشير بأقطان السودان. 

 

في البدء كان القطن .. ومن القطن انجدلت ضفائر سكك حديد السودان. ومن ذلك المنظور الاقتصادي العالمي الذي كان مسيطرا، بنى البريطانيون مدينة عطبره عام 1906 على نسق حديث لسببين أساسيين، أولا: حتى تكون عطبره، ذات الموقع الاستراتيجي، مركزا لتجميع وصيانة القطارات وتمديد شبكات الخطوط الحديدية إلى مواقع الإنتاج لنقل القطن السوداني الذي توسعوا في زراعته. وثانيا: أراد البريطانيون جعل عطبره نقطة انطلاق تتوجه منها القطارات المحملة بأقطان السودان إلى البحر الأحمر لتتوجه بحرا إلى بريطانيا، العظمى آنذاك، بدلا عن الطريق المتجه عبر مصر إلى ميناء الإسكندرية. وهكذا جعل البريطانيون مدينة عطبره أول وأكبر مدينة صناعية في السودان وجمعوا لها العمال والمهندسين السودانيين من كل فجاج السودان، وشيدوا لهم الورش ودربوهم وأنشأوا مدرسة الصناعات. وبذلك أصبحت مدينة عطبره في ذلك الأوان أكبر بوتقة تصاهرت وانصهرت فيها إثنيات السودان مثلما كان ينصهر الحديد في "قيزان" هذه المدينة، حتى أصبحت كلمة "عطبره" هوية قائمة بذاتها تراجعت فيها الاثنيات نوعا فصار الرجل عطبراوي والمرأة عطبراوية. ذلك الانصهار الاجتماعي الثقافي والمهني شكل التربة المثالية لنهوض حركة اجتماعية متماسكة مسنودة بالثقل الاقتصادي للسكك الحديدية. وبعد سنوات طويلة من الكفاح المرير تبلورت في عطبره أول نواة للحركة النقابية العمالية في السودان تحت اسم "هيئة شؤون عمال السكة الحديد" في ثلاثينات القرن الماضي من أجل رعاية حقوق ومطالب العمال. وفي عام 1948 تحولت الهيئة إلى نقابة عمال السكك الحديدية.

 

أهم ما ميز تلك الحركة الاجتماعية العمالية أنها كما نوهنا كانت تستند على ركيزة اقتصادية لا يمكن الاستغناء عنها الأمر الذي جعل الحركة النقابية قادرة على فرض وجودها وشروطها. وهذا ما يفسر جرأة مجتمعات عطبره إبّان الحقبة الاستعمارية على إقامة الندوات والمهرجانات وإنتاج القصائد والأغاني سافرة الوطنية "يا غريب بلدك يلّلا لى بلدك سوق معاك ولدك" ونشيد الإنشاد الوطني "صه يا كنار" الذي صاغه ابن عطبره الشاعر محمود أبو بكر، ثم نهوض "الجبهة المعادية للاستعمار". ومع انتشار شرايين القضبان الحديدية في جسد السودان، نبضت حركة وعي منظم شمل معظم أقاليم السودان. فخطوط السكك الحديدية مثلما كانت تحمل القطن شمالا وشرقا، كانت تنقل أيضا الوعي الوطني وتنشره وتربطه وتنقل الثقافات والأخبار بين المجتمعات السودانية. ومن نافل القول أن الوعي الوطني مكنون أصيل وقديم في حمأ السودان، لكنه تشكل من جديد في صهد عطبره وقضبان السكك الحديدية العابرة لجحيم الصحارى وتسامقت بذرته القديمة في الحقول والمدارس التي انتشرت في البلاد.   

 

بالتأكيد لم يفت على فطنة البريطانيين ساعتها أن تجميع وصقل وانصهار اثنيات ومهارات السودان ومركزة أكبر ورش تجميع وصيانة القطارات سوف يعني تمركز قوى اجتماعية ضاربة تستند على أهمية اقتصادية، وأن هذه القوى سوف تكون لها مطالب وشروط خدمة. لكن حاجة البريطانيين الاقتصادية للقطن كانت فوق اعتبارات مطالب عمالية ظن البريطانيون لأول الأمر أنها لن تتجاوز تحسين الأجور وشروط الخدمة. ومما شجع البريطانيين على المضي قدما في استثماراتهم في السودان فقد أثبت السودانيون قدرة على سرعة التعلم والتطوير والجلد. فقد كان السودانيون يقودون القاطرات بين نيران الفحم الحجري داخل القاطرة وبين لهيب الصحارى خاصة في تلك المحطات العابرة للصحراء في فصل الصيف. وكذلك كان عمال الورش والعطشقية وعمال الدريسة يعملون على تمديد وصيانة السكك الحديدية تحت غواش من الهجير في ظل من يحموم. ما كان يقوم به عمال سكك حديد السودان في ذلك الزمن يدخل في خانة الإعجاز البشري الخارق في قدرة التحمل حتى رفع المستعمرون البريطانيون قبعاتهم تحية واحتراما للعامل السوداني. ومع ذلك لم يفت على البريطانيين تجهيز الترياق المضاد لذلك التبلور الاجتماعي العمالي الناهض. ما هو ذلك الترياق؟ وهل نجح في "معادلة" زعاف الحركة الاجتماعية الناهضة؟ سوف نرى ..

 

اتحادات المزارعين

توسعت بريطانيا توسعا كبيرا في مشاريع زراعة القطن في مشاريع النيل الأبيض والجزيرة والجنوب وبعض مناطق الشمال. فقد أنشأ البريطانيون "مشروع الجزيرة" خصيصا لإنتاج القطن كأكبر مشروع مروي ريا صناعيا في العالم. وقد كان من الطبيعي في بلد له إرث اجتماعي مثل السودان أن يستتبع التوسع الزراعي نهوض تكوينات واتحادات المزارعين. وهكذا تخللت السودان أروع شبكة منسجمة من نقابات واتحادات العمال والمزارعين، فهؤلاء يزرعون القطن وهؤلاء ينقلونه ولا فكاك لبريطانيا من كليهما! فمصانع يوركشير فاغرة الفم نهمة لبلع أقطان السودان وتحويلها إلى منسوجات تنعش الاقتصاد القومي البريطاني! ومثلما لم يغفل البريطانيون عن تبلور شوكة العمال لم يغفلوا أيضا عن تحضير الترياق الواقي من القوة الاجتماعية المتنامية في الحقول .. اتحادات المزارعين، وما حدث في عنبر جوده يظل لواء مركوزا على أمد التاريخ السوداني الوطني .. وله سنعود. 

 

المدرسون ملح الوعي

وفي داخل شبكة ذلك الوعي الاجتماعي السوداني الجديد المسنود اقتصاديا بالزراعة والسكك الحديدية كان من الطبيعي أن ينتشر التعليم ففتحت مئات المدارس الحديثة في المدن والقرى الكبيرة، ومن ثم تم افتتاح معاهد التربية لتخريج المدرسين الذين تناثروا دررا من الوعي في أصقاع السودان، فكان لهم دور عظيم في التبشير بالوعي الجديد ونشره. لم يكن انتشار التعليم لمجرد توفير الأفندية للإدارات البريطانية كما هو شائع إلى اليوم، بل لأن طلب التعليم الحديث وطلب فتح المدارس ناتج طبيعي لحركة الوعي الجديد التي نهضت على وعي اجتماعي موجود أصلا. ثم إن المدارس في السودان لم تبدأ على يد المستعمر، فالمدارس في السودان من أقدم المدارس في العالم  تشهد على ذلك شخبطات التلاميذ قبل مئات السنين بالخط المروي على جدران الفصول منذ العهد المروي في النقعة والمصورات والبجراوية. واستمر التعليم في السودان عبر حقب التاريخ إلى أن انتهي إلى الخلاوي ومدارس تعليم الأولاد والبنات التي أنشأها المتصوفة (راجع طبقات ود ضيف الله) ما حدث خلال المرحلة الاستعمارية كان مجرد نقلة نوعية في التعليم تناسب متطلبات العصر ومتغيرات السودان. لذلك كان الآباء إبان الفترة الاستعمارية هم من أشد المطالبين بفتح المدارس لأبنائهم برغم أن أولئك الآباء لم يتلقوا تعليما حديثا. وكانت طلبات فتح المدارس على رأس المطالب التي يتقدم بها الشيوخ وزعماء العشائر للإدارات البريطانية لأن تعليم الأبناء يضمن للمنطقة والعشيرة مكانا مرموقا في عصب إدارة البلاد. وضمن ذلك المساق قام بعض الوطنيين السودانيين بفتح المدارس على نفقاتهم الخاصة، ومنهم من ذهب إلى نهاية الشوط مثل الشيخ بابكر بدري الذي تجرأ بفتح مدارس للبنات!

 

وهكذا تشكل في السودان مثلث حركة اجتماعية ضاربة ومنظمة تتكون أضلاعه من العمال والمزارعين والمدرسين والتكوينات الاجتماعية التي انتظمت في البلاد، مثلث سيكون له شأن عظيم، فمنه تخلقت نقابات واتحادات السودان الأخرى، وفي مركز المثلث ولدت ونمت وقويت الحركة الوطنية التي انتهت إلى استقلال السودان. والأهم في كل ذلك أن الحركة الاجتماعية بلورت قاعدة اجتماعية عريضة تؤمن بالعدالة والحرية.

 

شعلة من لوزة القطن

قد تبدو كالمفارقة أن بريطانيا من حيث أرادت تدعيم اقتصادها بإنشاء سكك حديد السودان والتوسع في زراعة القطن، استنهضت في السودان قوى اجتماعية منتجة ومنظمة قادت إلى تحقيق الاستقلال الوطني. لكن الواقع أن بريطانيا قد سارت على ما درج عليه الاستعمار العالمي خلال تلك الحقبة في استغلال الوطنيين في أفريقيا وآسيا بما يشبه السخرة في مزارع البن والشاي والكاكاو ومناجم الذهب والألماس والنحاس كما في جنوب أفريقيا والكنغو والهند وغيرها. لكن كما ذكرت، فإن بريطانيا قد ظنت أن الأمور سوف تسير في السودان على غرار باقي المستعمرات الأوروبية، خاصة وأن عمال ومزارعي السودان كانوا يتمتعون بشروط عمل وخدمات لا يحظى بها بقية إخوانهم في المستعمرات الأخرى. كذلك لم تحسب بريطانيا جيدا خاصية تجذر الشعور الوطني ونزعة الحرية عند المجتمعات السودانية القلقة، وأن هذه الخصائص سوف تقود إلى ذلك التنامي السريع للحركة النقابية والاتحادات التي تحولت من المطالب العمالية والمهنية إلى المطالبة برأس الاستعمار نفسه!  فمن نيران عطبره طارت الشرارة التي حطت على لوزة القطن فكانت شعلة العمل الاجتماعي السياسي المنظم ونشوء نقابات المعلمين وغيرها من الاتحادات والنقابات. وعنها انبثق مؤتمر الخريجين وعلى سراجها وهديها وأهدافها تأسست وسارت الحركة الوطنية. ومن ثم طافت الشعلة باقي أصقاع السودان.

 

طائفية القطن !

من أهم الحقائق التاريخية التي يجب أن نضعها قيد الاعتبار كلما أردنا تفسير أوضاع السودان السياسية هي أن ننظر في كيفية نهوض الطائفية، وكيف تحولت إلى طائفية سياسية لها دور غليظ في مجريات الحركة السياسية في السودان. والطائفية تختلف عن الصوفية من حيث أن الصوفية تقوم على الزهد والتجرد عن متاع الحياة بينما تعتمد الطائفية على عنصر الثروة والسلطة على الأتباع والجاه والنفوذ لدى الحكومة أيا كانت. وبالرجوع إلى خلفيات نشأة الطائفية السياسية نجد أنه عندما توفي السيد محمد أحمد المهدي لم يكن رجلا ثريا ولم يخلف وراءه ثروة. فقد نشأ السيد محمد أحمد المهدي عاملا ابن عامل، عمل هو ووالده في صناعة المراكب، وهي حرفة يتقنها سكان الجزر على النيل، فوالده من جزيرة لبب ووالدته يقال أنها من جزيرة سارديا بالقرب من مدينة شندي. وعندما حكم عبد الله التعايشي أذاق أسرة محمد أحمد المهدي، الأشراف، صنوف التشريد والسجون والمسغبة بسبب الصراع على السلطة. وعندما احتلت القوات البريطانية الاستعمارية السودان كان نصيب أنجال المهدي الإعدام، وقد نجا نجله الثالث السيد عبد الرحمن بعد إصابته بجرح بالغ. وقد نشأ عبد الرحمن فقيرا في طفولته، ثم في شبابه كعامل بسيط. بالمقابل، عندما دخل السيد علي الميرغني السودان مع القوات الغازية لم يكن يملك شيئا. ذلكم هو الوضع الاجتماعي الاقتصادي للسيدين عبد الرحمن المهدي وعبد الرحمن المهدي في بداية الحقبة الاستعمارية وقبل نشأة الطائفتين .. بلا مال أو جاه أو رجال.

 

لكن كما أفضنا فقد كانت بريطانيا بحاجة اقتصادية كبيرة للقطن. ومثلما يحتاج القطن إلى السكك الحديدية لنقل الإنتاج، كان يحتاج أيضا إلى مئات آلاف الأيدي العاملة الرخيصة لعمليات قطع الغابات والزراعة وإزالة الأعشاب الضارة وعمليات لقيط القطن التي كانت تتم يدويا. وقد عمل البريطانيون على سد الفجوة العمالية بوسيلتين، أولاهما وسيلة فرعية وقد كانت في استجلاب آلاف الأسر والأيدي العاملة من نيجيريا وغرب أفريقيا، حيث تم توطين معظم هؤلاء في مناطق الجزيرة وامتدادات مشاريع القطن وتم تسكينهم في ما يعرف بقرى الفلاتة أو الكمبو المنتشرة إلى اليوم والتي حافظ سكانها على عاداتهم وتقاليدهم الأصلية ولم يختلطوا كثيرا بالسكان الأصليين. (وقد وقعت الحكومات الوطنية في خطأ كبير ينم عن عنصرية لأنها لم تعمل على دمجهم في المجتمعات السودانية) أما الوسيلة البريطانية الأساسية لسد الفجوة العمالية فقد كانت فكرة استجلاب الأيدي العاملة الرخيصة من مناطق كردفان ودارفور للعمل في مزارع القطن خاصة في مناطق النيل الأبيض وامتداداتها.

 

طبعا لم يكن في مقدور البريطانيين ترحيل مئات الآلاف بالقوة، فقد استنفذت تجارة الرقيق أغراضها وكسد سوقها فانقلب عليها تجارها من الأوروبيين فحرّموها بموجب اتفاقية عام 1899 التي ألغت الاتجار في البشر. كان لابد من إيجاد بديل مقبول. وهنا فطن البريطانيون إلى توظيف الولاء الروحي كبديل للقوة في استجلاب العمال. وتحت رقابة صارمة ولصيقة مهد البريطانيون لتأسيس طائفة الأنصار تحت زعامة السيد عبد الرحمن نجل السيد محمد أحمد المهدي. كان السيد عبد الرحمن بدوره طموحا وذكيا، واستوعب رغبة البريطانيين في أن لا تتحول الطائفة الوليدة إلى نواة لمقاومة عسكرية، فحصر نشاطه في الزراعة واستجلاب "الأنصار" للعمل في مشاريع النيل الأبيض، بل وعمل في بداية الأمر بيده في قطع الغابات واستصلاح الأراضي. وقد ساعده البريطانيون في إرسال المناديب إلى أقاليم كردفان ودارفور وسهلوا مهامهم في الدعوة للطائفة الوليدة. وفي دلالة رمزية على إسقاط أي فكرة في أي عمل مسلح أهدى السيد عبد الرحمن سيف والده إلى عرش بريطانيا آنذاك. واستوثق البريطانيون من الرجل فاستقطعوه المزيد من الأراضي الشاسعة، ثم سمحوا له بالعودة إلى أم درمان وفتح "الدائرة" وهكذا أصبح السيد عبد الرحمن قطبا في قلب الحركة السياسية السودانية له قاعدة عريضة من أتباع الطائفة وثروة ضخمة من الأموال والعقارات والأراضي الزراعية الشاسعة التي يعمل فيها عشرات آلاف الأتباع لقاء ما يسد رمقهم من عصيدة الذرة "بني كربو" وما يستر عريهم من عراريق الدمورية "وزن عشره" وبذلك وضع البريطانيون معظم المناطق الزراعة في مشاريع النيل الأبيض وتوسعاتها تحت يد السيد عبد الرحمن، ودانت له بالولاء الطائفي المنطقة الممتدة من النيل الأبيض وسهول كردفان حتى أعالي دارفور. ومن بطن طائفة الأنصار خرج حزب الأمة وفي فمه معلقة من "الدوائر المقفولة" هي معاقل طائفة الأنصار في غرب البلاد والنيل الأبيض. ومن هذه الدوائر المغلقة حصل حزب الأمة على 24 نائبا في أول برلمان سوداني منتخب.

 

ما كان للبريطانيين أن يركنوا لطائفة واحدة مهما حسنت نوايا السيد عبد الرحمن معهم. لذلك عملوا بالتوازي على نشر طائفة الختمية شمالا وشرقا، حيث كان للطائفة وجود قديم وضئيل في مناطق شرق السودان وإريتريا الحالية. وبحبل من البريطانيين وحبل من سيطرة الولاء الطائفي على البسطاء استملك السيد علي الميرغني المزارع والجنائن الشاسعة على النيل، بينما تحول أصحاب المزارع والجنائن المنتزعة إلى عمال أجراء في أرضهم لقاء ما يسد الرمق ويطعم الأغنام من أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل. ومن بطن طائفة الختمية خرج "حزب الشعب الديموقراطي" الذي أضحى الواجهة السياسية لطائفة الختمية على غرار حزب الأمة الواجهة السياسية لطائفة الأنصار. وقد حصل حزب الشعب الديموقراطي فقط على 17 مقعدا في أول برلمان سوداني منتخب.

 

باستنهاضها للطائفتين أرادت بريطانيا تحقيق جملة من الأهداف المزدوجة:

أولا: شق المجتمعات السودانية وراء طائفتين حتى لا تكون هنالك طائفة واحدة قوية، والأهم من ذلك أن لا يكون الوعي الاجتماعي الناهض هو الغالب. وقد جرى تطبيق ذات النموذج في لبنان بصورة أسوأ.

ثانيا: وضع المجتمعات في مناطق تمركز العمال في عطبره وامتداداتها تحت هيمنة طائفة الختمية

ثالثا: وضع المجتمعات السودانية في مناطق زراعة القطن تحت هيمنة طائفة الأنصار

رابعا: سيطرة حزبي الطائفتين على مقاليد الحياة السياسية بغية امتصاص حركة الوعي الاجتماعي وإدارة المصالح الاقتصادية لبريطانيا بقيت أو رحلت عن السودان.

 

واضح إذن أن هدف السياسة البريطانية من التمكين للطائفتين هو القطن. طائفة لتأمين إنتاج القطن، وطائفة أخرى لتأمين عمليات نقل القطن .. وبين الطائفتين برزخ من العداء لا تلتقيان إلا ضد ما يهدد سلطانهما ومصالحهما كما سوف نرى! وكما قلت فوق فقد كانت بريطانيا تدرك سلفا أن السكك الحديدية والزراعة الشاسعة سوف تبلور بالضرورة قوى اجتماعية ذات ملامح وغايات مختلفة. لذلك أرادت بريطانيا أن تجعل من الولاء الطائفي "معادلا" أو ترياقا يستخدم الدين الطائفي لقمع تطلعات قوى الوعي الجديد وتفتيت قواعدها. ولا يغيب عن الملاحظة أن بريطانيا قد جعلت لكل زعيم من زعيمي طائفتين إقطاعيات متباعدة ونشاطا زراعيا مختلفا ومناطق نفوذ جغرافي مختلفة لتفادي أي احتكاك بينهما .. لا على الإقطاعيات والمال ولا على الرعايا والأتباع. وقد نجح الاستعمار في أن يجعل بين الطائفتين منطقة عازلة منزوعة من التناحر والاصطدام، حيث ظلت هذه "المساحة العازلة" تحكم العلاقة بين الطائفتين إلى اليوم.

 

لكن وقائع التاريخ تقول أن رياح القسمة مضت في غير ما يشتهي سفِن بريطانيا. فقد تبلورت في المجتمعات السودانية كتلة كبيرة رئيسية تشكلت من حركة الوعي الجديد التي نمت واحتشدت بين القضبان والحقول والمدارس والورش والأسواق والبيوت. وأضحت كتله الوعي الجديد رقما لا يمكن إغفاله ومقابلا وندّا عنيدا ومتفوقا على الكتلة الطائفية المنقسمة إلى ختمية وأنصار! والمزعج في أمر هذه الكتلة الجديدة أنها بلورت أفكار واضحة عن الحرية والعدل والديموقراطية وحقوق العمال والمزارعين وغيرهم من القطاعات الاجتماعية، ومضت إلى أبعد من ذلك بأن طالبت بالاستقلال الوطني ونادت بخروج بريطانيا عن السودان. وعليه فقد كان من الطبيعي أن تصطدم نقابات العمال والمدرسين والموظفين والمهنيين بالمستعمر ضمن حركتها في المدافعة عن حقوق العاملين، وأن تنتظم الإضرابات والتظاهرات. وفي موازاة ذلك نهضت تجمعات واتحادات المزارعين تطالب بحقوق المزارعين الذين كانوا يحصلون على ثمن بخس دراهم معدودات عن إنتاج موسم كامل.

 

والواقع أن الاستعمار البريطاني قد وقع في مأزق عظيم من صنع يديه، لكن لا محيد له عنه. فقد كان البريطانيون في حاجة ماسة للقطن، وهذا اقتضي ما أشرنا إليه من تنظيم وتدريب وتجييش للعمال والفنيين السودانيين لخدمة القطارات وتمديد وصيانة السكك الحديدية، مثلما اقتضى احتياجهم للقطن تنظيم عمليات زراعته والتوسع فيها. وقد كان من الطبيعي أن تقوى شكيمة الاتحادات والنقابات والروابط ويقوى عودها أثناء مرحلة احتياج بريطانيا لكل هؤلاء كقوة منتجة. ومع تمدد حركة القوي المنتجة، تمدد الوعي العام فشمل غالبية المجتمعات السودانية ولم يعد محصورا في تلك القوى العاملة ونقاباتها واتحاداتها وروابطها. وهنا أدرك البريطانيون أنه لم يعد في مقدورهم ضرب النقابات والاتحادات والقوى الاجتماعية أو هزيمتها بعد أن تحولت إلى حركة وطنية شاملة اجتمعت على كلمة سواء واحدة: الاستقلال. ومن العدل أن قول هنا أن بريطانيا صاحبة تراث عريق في الدهاء السياسي الذي اعتمدت عليه كثيرا في إدارة مستعمراتها. فعندما يقنع البريطانيون بعدم نجاعة العنف والقتل في قمع شعوب المستعمرات، سرعان ما يلوذون إلى الدهاء السياسي كما حدث في الهند مع المهاتما غاندي. وهنا يختلف الاستعمار البريطاني عن الفرنسي الذي يتمادى في الإفراط في العنف لإخضاع الشعوب المستعمرة كما حدث في الجزائر. وقد احتاجت فرنسا إلى سنوات طويلة للتخلي عن الإفراط في العنف .. الذي اعتمدته لاحقا الولايات المتحدة الأميريكية منذ الحرب العالمية الثانية وضرب اليابان نوويا ثم في فييتنام حتى أفغانستان والعراق.

 

وفي السودان أدرك البريطانيون بحكم تجاربهم في السودان ومعرفتهم بتاريخ المجتمعات السودانية القلقة الصبورة والمصادمة أن الإفراط في استخدام السلاح وارتكاب المجازر سوف لن ينتهي إلى هزيمة المجتمعات السودانية بل سوف يولد عنفا مضادا خاصة بعد أن تصاعدت وتيرة الثورة الاجتماعية وتكسرت حواجز الرهبة من المستعمر وسلاحه. ثم جاءت ثورة اللواء الأبيض عام 1924 وأصبح في يقين بريطانيا أن العنف لن يضمن استتباب الأمر في يدهم من جديد، ولن يضمن استمرار المصالح البريطانية في السودان، بل سوف يدمرها مستقبلا ويوقع البلاد في فوضى ويكبد بريطانيا خسائر لا طائل من ورائها. نقول ذلك لمن يروجون إلى اليوم أن استقلال السودان جاء سهلا هينا. لا لم يكن سهلا هينا، لكن واقع الأمر أن بريطانيا تفادت مصادمة كانت وشيكة وشاملة لم يكن في مقدورها أن تربحها، وان الخسارة كانت تنتظرها على طرفي الخيط سواء أن قمعت الناس أم تجنبت المواجهة وخسائرها الأكيدة، فكان القبول بمبدأ استقلال السودان. لكن لم يغفل البريطانيون عن ضمان مصالحهم الاقتصادية في السودان بعد الاستقلال الوطني بما يضمن تدفق أقطان السودان إلى مصانع بريطانيا. كما حرص البريطانيون على روابطهم مع السودان من خلال مقترح ضمه إلى مجموعة أقطار الكومونويلث.

 

الترياق الطائفي ..

وهنا جاء دور "الترياق" الذي أعدته بريطانيا. ففي البدء قامت السياسة البريطانية في السودان على إدارة السودان إدارة بريطانية مباشرة تسندها الطائفتان مع بعض التعاون الإجرائي مع الزعماء المحليين. لكن عندما تأكدت بريطانيا أن مغادرتها للسودان أضحت أمرا محتوما، كان يهمها البديل على قمة الحكم في البلاد في موقع اتخاذ القرار. لذلك سعت بريطانيا أن يكون سيناريو الخروج يحمل شبهة المؤسسية الديموقراطية من خلال تأسيس حزب الأمة طائفة الأنصار وحزب الشعب الديموقراطي طائفة الختمية بعد أن أجهضت القوى الجديدة فكرة تحويل السودان إلى مملكة. ومن ثم عكف البريطانيون وزعيما الطائفتين على وضع الترتيبات اللازمة حتى يولد استقلال السودان في أقماط حزبي الطائفتين. وبذلك تضمن بريطانيا مصالحها الاقتصادية في السودان بحكم روابطها الوثيقة بزعيمي الطائفتين، ويضمن زعيما الطائفتين مصالحهما المرتبطة بالمصالح البريطانية. فالهدف الأخير لأي استعمار هو الثروات، ويكون من الأفضل له إذا حصل عليها دون تورط مباشر. ومن أهم أهداف تلك الترتيبات أن تتم عملية استبعاد منطقي للفئات الاجتماعية الواعية الجديدة المتمردة المتشربة بروح ثورات الشعوب ضد الاستعمار العالمي خلال تلك الحقبة بحسبان أن تلك القوى السودانية الجديدة ليس حزب سياسي يمثلها .. صورة طبق الأصل مما يجري اليوم في السودان!

 

الترتيبات البريطانية لم تكن الأولى وليست الأخيرة. فقد درج الاستعمار العالمي على استخلاف من يضمن مصالحه بعد أن يصبح بقاؤه المباشر فادح الثمن مثلما يحدث اليوم في أفغانستان تجسيدا في حكومة حامد كرزاي (اسمه الصحيح "قرظاي" حسب ما أعتقد) ومن قبله حكومة هانوي التي صنعها الأميريكان عشية هزيمتهم في فييتنام .. وهنا نتأكد أن صناعة "الكرزايات" ليست صناعة أميريكيا خالصة، فقد سبقهم إليها الانكليز في السودان ..! ويبدو أيضا أن الاستعمار القديم والحديث يقع في أخطاء متشابهة. فقد ظن البريطانيون أن كراهية المجتمعات السودانية لحكم عبد الله التعايشي كافية أن تمنحهم صكا بحب السودانيين لهم. هو نفس الخطأ الذي وقعت فيه أميريكا بالأمس عندما ظنت أن العراقيين سوف يستقبلون جنودها الغازية بالورود كراهية في حكم صدام حسين. ومع الاختلاف البائن بين طبائع وتركيبة الشعبين السوداني والعراقي، إلا أن الشعوب عادة لا تعمّد الاستعمار بماء الحب والشرعية، إذ سرعان ما تنقلب عليه. ومن الضروري أن أذكر في هذا المفصل أن الحكومات التي يستخلفها الاستعمار بعد رحليه هي السبب المباشر في كل الحروب الأهلية والمذابح والتصفيات العرقية والقبلية التي أعقبت رحيل المستعمر مثلما نشهده اليوم من مذابح اثنية في القارة الأفريقية. ذلك لأن المستعمر يخرج بعد أن يترك وراءه شحنة عالية من التوترات الاجتماعية لابد لها من متنفّس. وفي كثير من الحالات يصطنع المستعمر قسمة اجتماعية حادة لتنفجر الأوضاع بعد رحيله مثلما حدث في رواندا وأنغولا وغيرهما.

 

وما شحذ همة بريطانيا وأغرى زعيمي الطائفتين بوراثة الحكم أن القوى الاجتماعية الجديدة كانت تقودها نقاباتها واتحاداتها دون أن يكون لها حزب سياسي يعبر عن تطلعاتها. إلا أن ترتيبات استخلاف الطائفتين قد فشلت بسبب الميلاد المفاجئ لما كان يعرف بالحزب الوطني الاتحادي الذي قلب الترتيبات البريطانية رأسا على عقب وسحب البساط الأحمر من تحت أقدام زعيمي الطائفتين لكن إلى حين، وهذا ما سوف أتعرض له لاحقا بالتفصيل لأهميته في سياق معركة أحزاب الطوائف ضد النقابات والاتحادات وقواعدها الاجتماعية. كما سوف نلاحظ في ما يستتبع من هذا السياق أن مسألة استبعاد القوى الاجتماعية الجديدة ظلت إلى اليوم هي المحور الرئيسي في الصراع السياسي الدائر في السودان، وهي التي أدت إلى وقوع جميع الانقلابات العسكرية والبرلمانية. ولعلني استبق خواتيم هذا السياق بالقول أن الصراع السياسي في السودان لن يهدأ أبدا حتى تستعيد هذه القوى الغالبة أمر إدارة البلاد بنفسها بعد أن فقدته بعد الاستقلال بنهاية أول حكومة وطنية منتخبة في أول انقلاب برلماني! وضمن الترتيبات البريطانية فقد رتب البريطانيون أن لا تكون بريطانيا طرفا مباشرا في حال حدوث مواجهات قد تفرزها شحنة التوتر الوطني العالية التي اكتنفت البلاد آنذاك. وإذا كان لابد من مواجهة دامية فلتكن بين القوى الجديدة وبين الطوائف. ومن باب الاستدلال نشير هنا إلى أن طائفة الأنصار لم تشهر سيفا ولم تطلق رصاصة واحدة طيلة الحقبة الاستعمارية .. لكنها فعلت ذلك في "حوادث مارس" الدامية التي وقعت بعد سويعات قليلة من رحيل المستعمر!

 

فمثلما عمل المستعمر على تحقيق ثم ضمان مصالحه من خلال الطائفتين، كذلك خاف زعيما الطائفتين بدورهما أن تمتد أيادي حركة الوعي الاجتماعي الناهضة إلى إيقاظ سبات الأتباع البسطاء الذين يعملون في الحقول مقابل ما يضمن استمرارهم في الحياة "الخبز مقابل الحياة" تماما مثلما كان يعمل الأفارقة المستعبدون في مزارع القطن في أميريكا (هي نفس سياسة " النفط مقابل الغذاء" التي اتبعتها أميريكا مع الشعب العراقي) كذلك خاف الزعيمان الطائفيان أن تؤدي "حركات" العمال إلى توقف صادرات القطن وبالتالي واردات الأموال إلى خزائنهم. وفي الشمال كان تخوف زعيم طائفة الختمية أن تمتد حركة الوعي بالحقوق إلى عقول البسطاء الأتباع الذين لاذوا بالطائفة يلتمسون الوسيلة إلى الله، فاستلذت الطائفية بمطايب أرضهم وغنمت جنائنهم وثرواتهم مكرا تحت هيمنة الولاء الطائفي. ولمجمل الأسباب، لم يكن غريبا أن يتظاهر المستعمر بالزعيم الطائفي ويستنصر الزعيم الطوئفي بالمستعمر ولي النعمة صاحب القوة والبطش على أبناء السودان من العمال والمزارعين والرعاة والموظفين. فقد دعا زعيما الطائفتين المستعمر إلى التنكيل بالمتظاهرين وإلى "الضرب بيد من حديد على المخربين" لإخماد المطالبات العمالية، مثلما سعوا إلى عزل الحركة النقابية عن عمقها الاجتماعي بتوظيف الدين والعقيدة الطائفية، فوصموا "الجبهة المعادية للاستعمار" بالشيوعية والكفر وألبوا عليها المستعمر، فدخل عشرات القيادات النقابية والعمالية السجون بمباركة الزعامات الطائفية.

 

ونلاحظ أن القمع الذي وقع على الحركة العمالية والنقابية شمالا خلال تلك الحقبة تناغم تماما من حيث الأسلوب والظرف التاريخي مع عمليات القمع والقتل الجماعي والظلم التي حاقت بالمزارعين في مناطق النيل الأبيض جنوبا وغربا وشرقا. فقد تحول المزارعون من مجرد عبيد إلى قوة اجتماعية لها اتحادات وشكيمة وشروط وقادرة على مصادمة الحكومة وعلى حرق محصول القطن. كذلك رمت الطائفية بكل أسلحتها في حرب ضروس ضد انتشار المدارس ووصمت التعليم بالكفر والإفساد. فقد اعتمدت الطائفية على الجهل في استغلالها وسيطرتها على البسطاء، بينما حركة الوعي والتعليم تحدث تآكلا سريعا في بؤر الجهل، وبالتالي في عروش الطائفية. لكن لم يكن في مقدور الطائفية كبح أمواج الوعي المتدفق، فاكتفت بتحديد سقف تعليم الأولاد على تعلم القراءة والكتابة "فك الحرف" ومنعت الطائفية تعليم البنات منعا باتا وأصدرت الفتاوى بزعم أن المدارس تفسد البنات! والعجيب أنهم أرسلوا أولادهم وبناتهم وأحفادهم إلى جامعات أوروبا !

 

زعيم الطائفة وضع نفسه ثم كرّسه الاستعمار في منطقة بين الله وبين الناس ولا يقبل بغير خضوع البشر لرغبته وأوامره، فإما أن تتحقق له الطاعة باسم الدين والعقيدة أو بالقوة والقهر والمكيدة. والزعامات الطائفية لا تقبل بغير احتكار الثروة والسلطة والدين والأرض والسماء ويخلو قاموسها من كلمة "متساوية" فالناس في التفكير الطائفي ليسوا سواسية كأسنان المشط! لكن القوى الاجتماعية الجديدة، ومن بينها قطاعات مقدّرة من أتباع الطائفتين خاصة طائفة الختمية، أضحت لها أشواق ومصالح في التعليم والحياة الكريمة والحرية الاجتماعية، وهي أشواق ومصالح تقع بالضرورة ضد رغبات الطائفتين وما اغترفتاه من إقطاعيات وأموال وما فرضتاه من سلطان على البسطاء ومن تماهي طائفي مع المستعمر. ولما كانت النقابات والاتحادات هي الواجهة الطبيعية المعبرة عن هذه القوى والكتل الاجتماعية الجديدة، دخلت الطائفية السياسية منذ ذلك التاريخ في حرب ضروس لا هوادة فيها ضد النقابات والاتحادات، وبقيت الحرب قائمة ومفتوحة إلى يوم الناس هذا.

 

ونواصل بمشيئة الله في تطورات هذه الحرب خلال الحقب السياسية

 

سالم أحمد سالم

باريس

أول فبراير 2010