ظلت تؤرقني ومنذ فترة طويلة مسالة المناهج الدراسية السودانية وما يتصل بها من مخرجات التعلم، ومصدر قلقي ما أراه من تزايد حدة التنافس العالمي على المعايير العلمية والتعليمية المتطورة والقادرة على تلبية احتياجات سوق العمل العالمي ، في حين ان صناع القرار في قطاع التعليم بالسودان (  يسدون هذه بطينة وتلك بعجينة ) وكان الامر لا يعنيهم.
وهذه المسالة الاستراتيجية مطروحة على طاولة النقاش ويدور حولها جدل كبير حتى بين أكثر الدول تقدما ناهيك عن الدول التي تعاني من تخلف منظور في مؤسساتها التعليمية. لا اتحدث هنا عن خلو قائمة الجامعات العالمية المرموقة من اسماء جامعاتنا السودانية ، ولا أتطرق الى ما لحق مؤسساتنا العلمية من فقر في بيئة التعليم ونقص المعينات وانعدام المختبرات والمكتبات وضمور المراجع.. ولا ولن أزيد في الحديث عن عزوف الاستاذ الجامعي عن حركة التاليف والبحث العلمي والمشاركة العلمية الفاعلة في المؤتمرات العلمية العالمية ، ولن اجافي الحقيقية إن قلت ما قاله مالك في الخمر وانا اعيب مبدعينا على كسلهم الفكري الخطير ويكفي أن أعضاء اللجنة التنفيذية لاتحاد الكتاب السودانيين بجميع اعضائها لم تؤلف عشرين كتابا خلال العشرين عاما الماضيات.
وفي حين أن المناهج الدراسية بوضعها الحالي أصبحت وسوف تستمر في تخريج جيل من أنصاف المتعلمين الذين لا يحزقون أداء أي حرفة في هذا العالم الفسيح بسبب فقر منهجنا الدراسي وخروجه البين عن متطلبات العصر ومؤهلاته من تفكير نقدي وقدرة على استنباط الحلول ورغبة في الابداع والتغيير وقدرة على صنع الفارق في أصعب الظروف.
حدثني رئيس وايل كورنيل جارد هون قبل اسبوع عن مصدر سعادته في نجاح طلابه وهم في سنوات جامعية وسيطة بالمساهمة مع باحثين من الجامعة في تطوير روبوت يقوم بالاعمال الفنية والمنزلية ببراعة كاملة ، وان الاسابيع القليلة المقبلة سوف تشهد دخول مبتكر جديد من مبتكراتهم الى السوق.
ولم أنسى صدى هذا الحديث وقد زاد ألمي على واقعنا التعليمي والعلمي ، واحسست بالمرارة وأنا أقرا خبر قرار وزيرة التعليم  سعاد عبدالرازق عن تحويل أكثر من 25 بالمائة من مدارس الأساس في السودان إلى مدارس قرآنية وذلك خلال افتتاح مركز لتحفيظ القرآن الكريم ورياض الأطفال.
والخبر بهذا المعنى لا يعدو كونه مجرد مزايدة لا معنى لها ،  وهو يدل على ان صناع القرار التعليمي يعيشون في اغتراب حقيقي وبعيدين كل البعد عن ما يدور في هذا العالم .. الى اين سوف يتوجه خريجو المدارس القرانية وهم يتلقون من العلوم الدينية ما لا يمت بصلة الى الثورة العلمية التي يشهدها العالم اليوم.
معظم دول العالم اليوم تشارك في اختبارات دولية لقياس مهارات الطلاب الصغار في الكتابة والقراءة واجادة اكثر من لغة وتختبر قدراتهم في التناظر والتحليل وحل المشكلات وابتكار المشروعات، وتختبر امكانياتهم في العلوم الرئيسية مثل الرياضيات والعلوم والتاريخ والعلوم الاجتماعية والكمبيوتر.
منهجنا التعليمي في مرحلة الاساس وهو محشو بالعلوم الاجتماعية وحدها وبالعلوم الشرعية والدينية والثقافة الاسلامية والعلوم العسكرية .. صحيح ان الدراسات الدينية مهمة ولكن لا يعني ذلك تحويل الطلاب الى فقهاء وعلماء في الفقه والحديث والتفسير وتاريخ المدنيات الاسلامية والعلوم الشرعية ..
يا اهل الانقاذ... للعلوم الشرعية اهلها وللعلوم الدينوية اهلها ولن نقبل بالمدارس القرانية حتى يدخلها ابناء المسؤولين الذين يدرسون اليوم بالمدارس الدولية والعالمية والجامعات الاوروبية.
سياتي من يقول ان المدارس القرانية سوف تدرس العلوم الحديثة وستهتم بالفيزياء والكيمياء والأحياء واللغات الاجنبية واقول : ما جعل الله لامرئ من قلبين في جوفه .والدليل  هو مستوى الخريجين اليوم مستويات لا يختلف على ضعفها وعدم مواكبتها اثنان .. وحتى الذين هللوا لفوز جامعة الخرطوم ببطولة المناظرات فات عليهم ان اللغة العربية لم تعد أصلا لغة التدريس بالجامعات العالمية وان الجامعات المعروفة المرموقة ذات السمعة العالمية لم ولن تشارك في هذه المناظرة ببساطة لانها مناظرة بلغة اخرى غير لغة التعليم بمناهجها .. وهذا  الفوز اقدره ولا ابخسه لكنني لا اعتقد بانه يعطي دلالة للتميز وجودة المخرج التعليمي فالجامعات التي تدرس بالعربية جامعات دينية متخصصة مع عدد قليل من جامعات اخرى ما زالت متمسكة بالتدريس بالعربية لاسباب منهجية وعلمية وسياسية.
هذا القرار مؤسف ، ليس لانه اهتمام بالمدارس القرانية ولكنه دليل على مسار مستمر على هدم ما تبقى من صروح الاستنارة التعليمية التي تساعد على تخريج فقهاء ورجال دين حقيقيين يدافعون عن دينهم امام تيارات التغريب والاستغراب والعولمة.
كيف سيواجه خريجو المدارس الدينية القرانية بمفهوم التدين السوداني في التعليم كيف سيواجهون الى العصر الحديثة بكل سلاحها التقني والتكنولوجي والعلمي والمنهجي.
ويبدو ان القرار دخل حيز التنفيذ حيث أشارت الوزيرة  إلى أن وزارتها قررت استيعاب معلمين لمدارس تحفيظ القرآن الكريم ضمن الوظائف لهذا العام المقدمة
ومضت تقول ان الوزارة ستقتدي بتجرية مدرسة تعرف بتاج الحافظين التي قالت انها اختصرت تدريس مواد الاساس من ثمانية اعوام الي عامين فقط بالاضافة لتحفيظها القران الكريم للتلاميذ. وكشفت الوزيرة عن البدء الفعلي لتطبيق هذا المنهج وتلك التغييرات بحوالي ما يقارب المائة مدرسة في ولاية الخرطوم وحدها للعام الدراسي 2011- 2012م.
ومما يدعو للاسف ان هذا القرار وبكل ما يحمله من مخاطر على اجيال من الطلاب لم يات عن دراسة متعمقة ولا مشروع تجريبي ولا بحث اجرته لجان متخصصة ولا خبراء من كبار التربويين ..لا القرار استند فقط  وبحسب قول الوزيرة انها اعجبت بتجربة مدرسة تعرف اسم تاج الحافظين. وما لا يصدقه عقل ان تلك المدرسة التي تصلح نموذجا لكل اهل السودان اختصرت مواد الاساس من 8 اعوام الى عامين فقط.
ومن هنا ادعو صناع القرار الى نقل ابناءهم من المدارس الدولية والعالمية والحاقهم بالمدارس القرانية ان كانوا بالفعل صادقين في  توجههم هذا؟
صدقوني ان مناهج التعليم في الجامعات السودانية والمدارس العامة والعليا قد عفى عليها الزمن وحتى بحوث الماجستير والدكتوراه ما عادت تسمى بحوثا حيث يكفي الوصول الى نتائجها بلمسة زر على ماكينات البحث .. تلك هي الحقيقية ولكن لا حياة لمن تنادي.




abdalmotalab makki [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]