غضب زميلنا يوسف عبد المنان غضبة مضرية بسبب الحوار الذي اجرته صحيفة الشرق القطرية مع فخامة الرئيس البشير،وهي غضبة تتسق شكلا ومضمونا مع مصالح فئة من  مزدوجي الانتماء الصحافي والسياسي من العاملين في الصحافة السودانية اليوم، وفات عليهم ان رئيس البلاد بحالها لم يحسم جدل الخلافة ومن يدير دفة شؤون البلاد والعباد من بعده. صحيح ان الايام دول والدهر غير  والمرء مأخوذ بعمله ومنسوب الى فعله، وان السلطة إن بقيت لغير البشير لما الت اليه.. لكن مصدر عجبي أن الغاضبين من الصحفيين  على تصريح البشير برغبته في التنحي ، كان الاولى بهم، الغضب من همتهم الصحفية الباردة وحسهم الصحفي الذي أرسلوه في اجازة طويلة، ففات عليهم نفض الغبار عن قضية جوهرية مثل البحث في ماهية الشخص المحتمل لخلافة البشير.
الحوار الذي أجرته الشرق القطرية مع الرئيس البشير يمثل درسا قاسيا لكل صحفي متقاعس يكتفي بالدعوة الى احتكار الراي والمعرفة والمعلومة ويبني مجده الإعلامي على محاربة زملائه وليس بناء ملكاته وادواته المهنية والمعرفية.
والحوار يمثل تجربة أيضا لمن يريد ان يجري حوارا سياسيا يترك اثرا ويكن له ردود فعل واسعة ليس بما فيه من سباب ولكن بما يفجره من قضايا سياسية عميقة ومؤثره على عامة الناس.
رئيس تحرير الشرق الذي أجرى الحوار لم يكن خبيرا في الشأن السياسي السوداني ، لكنه نجح في تفجير تلك القضايا لانه يمتلك أمضى سلاح يمكن أن يملكه الاعلامي وهو الانتماء للمهنة وعدم الغرق في النظرة الذاتية والسياسية الضيقة للموضوعات والانتقال من ساحة الحوار والموضوعية الى خانة الهتيفة والمشجعين في مباريات كرة القدم!.
وسقطة الغياب المخيف لصحافة الخرطوم عن تبني قضايا عامة الناس ، حكومة ومحكومين قضية تستحق الاهتمام والبحث والتمحيص والعلاج. اكثر من 40 صحيفة تقضي جل وقتها في عراك الديوك وصراع الدببة وتفوت عليها أبسط تقاليد المهنة وهي مهمومة بالحروب الوهمية والصراعات البائسة والدسائس القاتلة والمصالح الشخصية الرخيصة.
نعم جاءت صحيفة الشرق القطرية لتعبر الخليج والبحر الاحمر والنيل لتجري حوارا مع رئيس عجزت صحافته عن التعبير عن نبض الجماهير ولا ادل على ذلك مثل موتها السريري في البحث عن خلافة الرئيس والامر ليس بحاجة الى عيون الزرقاء ولا عقل قيس بن اوس ولا بلاغة وشاعرية ابوفراس الحمداني . الرئيس البشير ستنتهي ولايته في 2015 مما يعني بداهة ان طرح امر خلافته ليس فيه حرج أو تقليل من شان احد.
كان الاولى بزميلنا يوسف عبد المنان ان يغضب من صحف الخرطوم وكتابها ممن يحصلون على الملايين مثلهم مثل وارغو وأبوتونج وهم في الحقيقة مجموعة من المواسير ليس لهم مهارة الا في الصياح والعويل واللجوء الى المحاكم لحصد الملايين. ما الذي سيقدمه  كتاب الراي في الصحف السودانية للقارئ في الخرطوم ورئيس الدولة أعلن بنفسه عن عدم نيته الترشح وتصدت المؤسسات الحزبية لترشح من تراه مناسبا لشغل الموقع الرئاسي الكبير. كتاب صحف الخرطوم مثل الفكي الذي جاءه شخص يطلب حجابا يحميه من الاسد، فقال له الشيخ اقرا ياسين ولما هاجمه الاسد قال لرفيقه الفكي، الاسد يطاردنا وقرانا ياسين والاسد لم يتراجع !! فقال لهم الدجال  ساعدوا ياسين  بي جكة.
وبالامس تباكى البروفيسور محمد ابراهيم الشوش على صمت الصحافة وجمعيات ولجان حقوق الانسان تجاه قضية الفتاة الخرساء التي اغتصبت مرتين في جسدها وفي حقها الانساني وحكم عليها بالجلد ، استنجد الشوش بكل حماة الحقوق فما نجده احد ، واقول له هذا الصمت وهذا الركون والاستكانة التي لا تشبه الانسانية هي جزء من واقع الحال اليوم فلا نجدة الا لمن له مصلحة وجمعيات حقوق الانسان وصحافة البلد برمتها واجهزته السياسية والحزبية والرسمية كل منها يبكي ليلاه.. ووا معتصماه على عامة الناس من السابلة والبسطاء.
على العموم انقلبت الموازين في خرطوم اليوم حتى صار الناس يرون الاشياء بغير حجمها والا فكيف يصف يوسف عبد المنان الشرق بانها صحيفة مغمورة ورئيس تحريرها الذي تم تصنيفه ضمن أقوى مائة شخصية عربية في مجلة جلف بيزنس وهو نائب رئيس للمكتب التنفيذي لاتحاد الصحافة العربية أيضا هو من المغمورين،ومع ذلك يستنكف على الشرق إجراء حوار صحفي مع البشير وهي التي أجرت من الحوارات مع الرؤساء ملا يحتمله خيال الحالمين.  ومع ذلك ليس هذا موضوعنا، فمن حق يوسف عبد المنان أن يرى الناس كما يريد وان يبخسهم اشياؤهم بقدر ما تسمح له نفسه الامارة بالسوء لكن ذلك لا يستقيم الا على المستوى الشخصي وليس العام.
واخر السوءات التي تبدت في الصحافة السودانية هي الحروب الضروس التي تقع بين الزملاء وهي حروب على المصالح وليس للقارىء من مصلحة فيها.. ففي كل صحافة العالم  المحترمة والملتزمة بقيم ومعايير المهنة لا مجال للحديث عن المؤسسة وكتابها وصحفييها بل والزملاء في الصحف الاخرى ، ويجوز الخلاف معهم الى اقصى مستوى ولكن الخلاف يكون على الفكرة والمواقف وليس الاشخاص..

abdalmotalab makki [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]